Site icon Palestinealyoum

مساجد غزة تحت القصف.. مسجد أبو سليم ينضم إلى قائمة الصروح الدينية المدمرة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد الدمار الذي خلّفته الحرب في قطاع غزة مقتصرًا على المنازل والمنشآت المدنية، بل امتد إلى أماكن العبادة التي شكّلت على مدار عقود جزءًا من ذاكرة المدن ومجتمعاتها المحلية. وكان مسجد “أبو سليم” التاريخي في مدينة دير البلح أحدث هذه المعالم التي تحولت إلى ركام، بعد استهدافه من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي.

المسجد، الذي يعود بناؤه إلى عام 1951، لم يكن مجرد مكان لإقامة الصلاة، بل أحد المعالم الدينية والاجتماعية المعروفة في دير البلح والمنطقة الوسطى. وشيده الحاج محمد أبو سليم ليكون من أوائل المساجد التي أقيمت في المنطقة، قبل أن يتحول مع مرور السنوات إلى مساحة احتضنت حلقات تحفيظ القرآن والأنشطة الدينية والاجتماعية، وشهد مناسبات أهالي المدينة على اختلافها.

وبتدميره، يفقد سكان دير البلح جزءًا من معلم ارتبط بذاكرة أجيال متعاقبة، في وقت تواجه فيه مئات المساجد والمصليات في القطاع مصيرًا مشابهًا، بين التدمير الكامل والأضرار الجزئية والحاجة إلى إعادة التأهيل.

أضرار طالت مساجد ومرافق خدمية

وقالت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة إن استهداف مسجد “أبو سليم” تزامن مع قصف مصلى مسجد “عسقلان” في مخيم الشاطئ شمالي مدينة غزة، ما أدى إلى تدميره بالكامل، إضافة إلى إلحاق أضرار بالغة بالمسجد الأثري.

وأشارت الوزارة إلى أن القصف طال كذلك محطة لتحلية المياه وسوق “السلام” التابعين للجنة زكاة الشيخ رضوان، حيث دُمرا بالكامل، فيما تعرض مصلى مسجد “الرضوان” غربي مدينة غزة لأضرار جزئية.

واعتبرت الوزارة استهداف المساجد والمنشآت الخدمية اعتداءً على أماكن العبادة ومكونات الحياة المجتمعية، وحمّلت سلطات الاحتلال المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بها، مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بالتحرك وملاحقة المسؤولين عن هذه الانتهاكات أمام المحاكم الدولية.

وبحسب أرقام الوزارة، بلغ عدد المساجد التي تعرضت للاستهداف منذ بدء الحرب 1244 مسجدًا من أصل 1275 مسجدًا في القطاع، بينها 1077 مسجدًا دُمرت بشكل كامل.

العبادة في أماكن مؤقتة

ولا تقتصر أزمة المساجد في غزة على فقدان المباني، إذ انعكس الدمار على قدرة السكان على الوصول إلى أماكن مهيأة لإقامة الشعائر.

ويقول مدير عام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، أمير أبو العمرين، إن الاستهداف طال مختلف مكونات الحياة الدينية، بما فيها المساجد والمقابر وأماكن العبادة، الأمر الذي يستدعي تدخلاً عاجلاً لحمايتها.

وأوضح أن عدد المساجد القائمة حاليًا يبلغ 224 مسجدًا، إلى جانب 428 مصلى مؤقتًا، ليصل إجمالي المواقع المتاحة لإقامة الشعائر إلى 652 موقعًا.

وفي محاولة لسد جزء من الفراغ الناتج عن الدمار، تمكنت الوزارة من تهيئة 65 مسجدًا باستخدام إمكانات محدودة ومواد مؤقتة، من بينها الشوادر والأخشاب، فيما لا يزال 142 مسجدًا بحاجة إلى أعمال تهيئة.

مئات المصليات لسد الفراغ

مع اتساع حجم الدمار، تحولت المصليات المؤقتة إلى بديل أساسي لسكان المناطق التي فقدت مساجدها، ولا سيما مناطق النزوح التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة.

ويشير أبو العمرين إلى حاجة القطاع حاليًا إلى نحو 100 مصلى مؤقت، في حين تعرض ما بين 70 و80 مصلى قائمًا لأضرار جراء القصف أو العوامل المناخية.

وتعمل وزارة الأوقاف، وفق أبو العمرين، على توسعة عدد من المصليات الموجودة لزيادة قدرتها على استيعاب المصلين، إلا أن الإمكانات المتاحة لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياج.

ولا تتوقف الاحتياجات عند توفير أماكن الصلاة، إذ تشمل أيضًا المصاحف ومواد النظافة والمصليات الجاهزة، إلى جانب دعم العاملين في قطاع الأوقاف.

ذاكرة دينية في مواجهة الركام

تدمير مسجد “أبو سليم” لا يعني فقدان مبنى ديني فحسب، بل يطاول معلمًا ارتبط بتاريخ مدينة دير البلح لنحو ثلاثة أرباع قرن، وشهد حياة أجيال من سكانها.

وفي ظل اتساع رقعة الدمار، تبدو مهمة إعادة إعمار المساجد واحدة من الملفات التي ستواجه قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية.

لكن قبل الوصول إلى مرحلة الإعمار، تبقى حماية ما تبقى من أماكن العبادة تحديًا قائمًا، في وقت تقول وزارة الأوقاف إن مئات المساجد والمصليات لا تزال بحاجة إلى التهيئة، بينما يؤدي آلاف الفلسطينيين صلواتهم في أماكن مؤقتة أقيمت بما توفر من أخشاب وشوادر وإمكانات محدودة.

وبين مسجد تاريخي سقط تحت القصف ومصلّى مؤقت أقيم لسد الفراغ، تتبدى صورة أخرى من صور الحرب في غزة؛ حرب لم تترك الأبنية الدينية خارج دائرة الدمار، وتركت وراءها ملفًا واسعًا من المعالم المهدمة التي تنتظر التوثيق وإعادة البناء.

Exit mobile version