Site icon Palestinealyoum

مستوى إضافي من التوتر بين إسرائيل ولندن.. ماذا يحدث؟!

المركز الفلسطيني للإعلام

دخلت العلاقات البريطانية الإسرائيلية مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما انتقلت لندن من انتقاد الاستيطان الإسرائيلي إلى فرض إجراءات اقتصادية وسياسية تستهدف المستوطنات، قبل أن ترد حكومة الاحتلال بخطوات طالت الوجود الدبلوماسي البريطاني في القدس، والدور البريطاني في ترتيبات مرتبطة بقطاع غزة.

وأعلنت بريطانيا، الثلاثاء، حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، إلى جانب فرض إجراءات تستهدف شركات وأفرادًا قالت لندن إنهم يساعدون على توسيع المستوطنات. وجاءت الخطوة بالتنسيق مع فرنسا وكندا، فيما أبدت دول أوروبية أخرى دعمها للتحرك.

لندن تصف ما يجري بـ”التطهير العرقي”

ولم تقتصر الخطوة البريطانية على الجانب التجاري، إذ أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن حكومة بلاده خلصت إلى وجود “تطهير عرقي” للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية تنفذه جماعات من المستوطنين، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية تتحمل مسؤولية عن البيئة التي سمحت باستمرار هذه الممارسات.

كما اتخذت لندن موقفًا أكثر وضوحًا من الوضع القانوني للاحتلال، معلنة أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية غير قانوني، في خطوة اعتبرتها صحيفة الغارديان تحولًا لافتًا عن عقود من الاكتفاء بإدانة الاستيطان دون إجراءات عملية.

وترى الغارديان أن سياسة ميليباند تمثل انتقالًا من انتقاد الاستيطان إلى محاولة فرض كلفة فعلية على الجهات التي تدعمه، مستندة إلى حكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 2024 بشأن عدم قانونية الاحتلال.

إسرائيل ترد بإغلاق القنصلية

وجاء الرد الإسرائيلي سريعًا؛ إذ أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إغلاق القنصلية البريطانية في شرق القدس، المعتمدة لدى السلطة الفلسطينية، ردًا على العقوبات البريطانية المتعلقة بالمستوطنات.

وبحسب رويترز، أبلغت إسرائيل القنصلية البريطانية في القدس الشرقية بأنها مطالبة بوقف عملها خلال 30 يومًا، على أن يفقد الدبلوماسيون العاملون فيها اعتمادهم، فيما أُبلغ ممثلو بريطانيا المشاركون في مهمة التنسيق الدولية التي تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة، وكذلك الدبلوماسيون البريطانيون في رام الله، بضرورة مغادرة إسرائيل خلال سبعة أيام.

ولا تقتصر دلالة القرار على العلاقة البريطانية الإسرائيلية؛ فالقنصلية البريطانية في القدس تؤدي دورًا مرتبطًا بالعلاقات البريطانية مع الفلسطينيين، ما يجعل إغلاقها خطوة تمس الحضور البريطاني في الأراضي الفلسطينية بصورة مباشرة.

غزة تدخل قلب المواجهة

وأعلن ساعر أيضًا أن بريطانيا ستُستبعد من مهمة التنسيق التي تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة، كما ستُنهي إسرائيل مشاركة بريطانيا في تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، إلى جانب منع عدد من المسؤولين والنواب البريطانيين من دخول إسرائيل.

وبذلك، انتقل الرد الإسرائيلي من الاحتجاج على العقوبات التجارية إلى استهداف قنوات الوجود والتنسيق البريطاني المرتبطة بالملف الفلسطيني، وفي مقدمتها ترتيبات غزة.

وتؤكد رويترز أن ممثلي بريطانيا المشاركين في مهمة التنسيق الخاصة بغزة أُبلغوا بالفعل بضرورة مغادرة إسرائيل خلال أسبوع، ما يجعل القطاع أحد أبرز ساحات التداعيات المباشرة للخلاف المتصاعد بين لندن وتل أبيب.

12 دولة تضغط على المستوطنات

ولا تتحرك بريطانيا منفردة في هذا المسار؛ إذ أعلنت بريطانيا وفرنسا وتسع دول أوروبية أخرى، إلى جانب كندا، إجراءات تستهدف المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وتشمل المجموعة الدنمارك وإسبانيا وفنلندا وإيرلندا وآيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد.

وترى صحيفة لوموند أن أهمية الخطوة تتجاوز حجم التجارة الفعلي للمستوطنات، لأنها تمثل تحولًا من سياسة التعامل التدريجي مع المستوطنات إلى استهدافها بصورة مباشرة، في وقت فشل فيه الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة في الاتفاق على عقوبات أوسع بسبب معارضة بعض الدول.

أما رويترز فتشير إلى أن بريطانيا وفرنسا وكندا حظرت استيراد منتجات المستوطنات، بينما تستعد إسرائيل لاتخاذ إجراءات أوسع ضد الدول التي شاركت في الخطوة.

الاحتلال في مواجهة كلفة الاستيطان

وتأتي هذه الإجراءات في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية للتوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، وسط تحذيرات من أن استمرار الاستيطان يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

ويرى المدعي العام الإسرائيلي السابق مايكل بن يائير أن العقوبات البريطانية على المستوطنين والتجارة مع المستوطنات خطوة ضرورية لمواجهة ما وصفه بتصاعد العنف والاستيلاء على الأراضي، معتبرًا أن الحركة الاستيطانية المتطرفة اكتسبت نفوذًا داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية.

وتبرز أهمية شهادة بن يائير من كونها صادرة عن مسؤول إسرائيلي سابق، إذ يرفض النظر إلى العقوبات باعتبارها إجراءً معاديًا لإسرائيل، ويدعو إلى التمييز بين الدولة الإسرائيلية وبين مشروع الاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

من الإدانة إلى الإجراءات

وتكشف المواجهة الحالية عن تغير في طبيعة التعامل الغربي مع الاستيطان الإسرائيلي؛ فبعد سنوات من البيانات التي تصف المستوطنات بأنها غير قانونية، بدأت مجموعة من الدول في الانتقال إلى إجراءات تستهدف منتجاتها والجهات التي تدعم توسعها.

وفي المقابل، تُظهر الإجراءات الإسرائيلية ضد بريطانيا أن حكومة الاحتلال تتعامل مع هذه الخطوات باعتبارها تهديدًا سياسيًا يتجاوز الجانب الاقتصادي، بدليل انتقال الرد إلى إغلاق القنصلية وإبعاد ممثلين بريطانيين عن ترتيبات مرتبطة بغزة، إضافة إلى فرض قيود على دخول مسؤولين بريطانيين.

وبينما تؤكد لندن أن إجراءاتها تستهدف الاحتلال والاستيطان وليس الشعب الإسرائيلي، ترى إسرائيل في هذه السياسة تدخلًا في شؤونها، وهو ما عبّر عنه ساعر عند إعلانه الإجراءات المضادة، معتبرًا العقوبات البريطانية “تدخلًا صارخًا” في شؤون دولة ذات سيادة.

لكن خلف المواجهة الدبلوماسية تبقى القضية الأساسية هي الواقع الذي يفرضه الاحتلال على الأرض: مستوطنات تتوسع، فلسطينيون يواجهون عنف المستوطنين والاستيلاء على أراضيهم، وقطاع غزة يتحول إلى ساحة إضافية للصراع السياسي والدبلوماسي.

Exit mobile version