
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
تمضي سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ هندسة جغرافية وديموغرافية متدرجة للأغوار الفلسطينية، لا تقوم على الاستيلاء المباشر على الأرض فحسب، وإنما على منظومة متشابكة من الإجراءات التي تعيد تعريف استخداماتها، وتقيّد وصول الفلسطينيين إليها، وتدفعهم تدريجياً خارج مساحات واسعة منها. فالإخطار الذي يُعلّق على بوابة مزرعة، ومنع الراعي من الوصول إلى مرعاه، وإعلان مساحة جديدة «أراضي دولة»، ليست إجراءات منفصلة، بل حلقات في مسار أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا وفرض واقع سكاني جديد.
وتتداخل في هذا المسار مصادرة الأراضي مع التوسع الاستيطاني، ومناطق التدريب العسكري، والمعسكرات والحواجز والقيود المفروضة على حركة المزارعين والرعاة، بما يحوّل الأغوار من واحدة من أهم المناطق الزراعية ومصادر الأمن الغذائي الفلسطيني إلى فضاء مجزأ ومحاصر تتقلص فيه قدرة السكان على البقاء والوصول إلى الأرض والموارد.
بهذه الأدوات، لا تجري السيطرة على مساحة من الأرض وحسب، بل يعاد رسم خريطة الأغوار ووظيفتها وتركيبتها السكانية، في عملية تراكمية تبدو في تفاصيلها اليومية إدارية ومتفرقة، لكنها تفضي في محصلتها إلى تغيير عميق في شكل المكان ومن يعيش فيه.
الأغوار ليست هامشاً جغرافياً يمكن شطبه من الخريطة. فهي تمتد على طول الحدود الشرقية للضفة الغربية، وتضم أراضي زراعية خصبة ومصادر مياه ومراعٍ وطرقاً حيوية، كما تشكل العمق الطبيعي لأي تواصل فلسطيني مع محيطه العربي. لذلك تستهدفها سياسة الاحتلال باعتبارها منطقة حاسمة في مشروع الضم الفعلي، حتى حين لا يُعلن الضم بقرار سياسي رسمي.
وتمتد منطقة الأغوار الفلسطينية على طول الجانب الغربي من نهر الأردن، من شمال الضفة الغربية حتى منطقة البحر الميت، وتشكل إحدى أكثر المناطق أهمية من الناحيتين الجغرافية والزراعية. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، تغطي منطقة الأغوار ووادي الأردن والبحر الميت نحو 30% من مساحة الضفة الغربية، وكانت تضم قرابة 60 ألف فلسطيني وفق البيانات التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). وتتركز المنطقة إدارياً في أجزاء من محافظات طوباس والأغوار الشمالية، ونابلس، وأريحا والأغوار، ورام الله والبيرة.
لماذا تستهدف إسرائيل الأغوار؟
يطرح الاحتلال ذرائع متبدلة: تارةً يتحدث عن «أراضي دولة»، وتارة عن «مناطق عسكرية مغلقة»، وتارة عن محميات طبيعية أو احتياجات أمنية. لكن النتيجة ثابتة في جميع الحالات: تقليص الأرض المتاحة للفلسطينيين، وتوسيع المجال المخصص للمستوطنات، ودفع التجمعات الرعوية والزراعية إلى الرحيل القسري البطيء.
تستند هذه السياسة إلى السيطرة العسكرية التي فُرضت على الضفة الغربية منذ عام 1967، وإلى منظومة أوامر وإجراءات تتيح للإدارة المدنية التابعة للاحتلال إعلان مساحات واسعة من الأرض خارج متناول أصحابها. ولا يجري الأمر دائماً بجرافة ظاهرة أو بسياج جديد. أحياناً يبدأ بمنع شق طريق زراعي، أو رفض رخصة لبناء خزان مياه، أو مصادرة جرار، أو هدم حظيرة ماشية. تلك التفاصيل اليومية تستهلك قدرة العائلات على البقاء، ثم تُستخدم مغادرتها القسرية لاحقاً ذريعة للادعاء بأن الأرض «غير مستغلة».
في الأغوار، تلتقي الجغرافيا بالسياسة الاستيطانية بصورة مباشرة. السيطرة على المنطقة تمنح الاحتلال مجالاً واسعاً لربط المستوطنات القائمة وتوسيعها، والتحكم في الطرق المؤدية إلى أريحا وشمال الضفة، والاستحواذ على الموارد المائية والأراضي القابلة للزراعة. كما تعزز عزل التجمعات الفلسطينية عن امتدادها الطبيعي، وتحوّل وجودها إلى جزر صغيرة محاطة بقيود الحركة.
ماذا يميز الأغوار؟
تتميز الأغوار بموقعها الاستراتيجي ومواردها الزراعية والمائية، فضلاً عن كونها من أبرز مناطق الرعي والزراعة في الضفة الغربية. ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغت مساحة محافظة أريحا والأغوار 592.9 كيلومتراً مربعاً، فيما بلغت مساحة محافظة طوباس والأغوار الشمالية 408.7 كيلومتراً مربعاً وفق بيانات عام 2017؛ وبلغ عدد سكان المحافظتين آنذاك نحو 110,929 نسمة مجتمعين. غير أن هذه الأرقام لا تمثل كامل نطاق الأغوار الجغرافي، لأن المنطقة تمتد عبر أجزاء من محافظات أخرى.
وتكتسب المنطقة أهمية إضافية لكون جزء كبير منها يقع ضمن المنطقة «ج»، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، حيث تواجه التجمعات الفلسطينية قيوداً واسعة على البناء والوصول إلى الأراضي والمياه ومناطق الرعي. وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت مخاطر التهجير في التجمعات البدوية والرعوية بالأغوار؛ إذ وثق OCHA تهجير 1,656 فلسطينياً في منطقة الأغوار بين يناير/كانون الثاني 2023 و16 فبراير/شباط 2026 نتيجة اعتداءات المستوطنين وقيود الوصول إلى أراضي الرعي، بما يمثل 35% من إجمالي المهجرين في هذا السياق بالضفة الغربية خلال الفترة نفسها.
مصادرة أراضي الأغوار ليست حدثاً منفرداً
الخطأ في التعامل مع كل قرار مصادرة بوصفه خبراً محلياً عابراً أنه يحجب الصورة الأكبر. الإخطارات العسكرية، وإغلاق المناطق، وهدم المنشآت، ومصادرة المعدات، والاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، تعمل ضمن مسار واحد. هذا المسار يرفع كلفة الحياة الفلسطينية في الأغوار، ويمنح المستوطنات امتيازات الأرض والماء والحماية المسلحة.
المزارع الفلسطيني يحتاج إلى الوصول إلى حقله في الوقت المناسب، وإلى مياه ري كافية، وإلى سوق يستطيع نقل محصوله إليه. حين تُقام بوابة عسكرية على الطريق أو يُمنع من إصلاح بئر أو تُصادر معداته، لا يقتصر الضرر على يوم واحد من العمل. تتضرر المواسم، وتتراكم الديون، وتضعف قدرة الأسرة على الحفاظ على مصدر رزقها. وفي مجتمع يعتمد جزء كبير منه على الزراعة والرعي، يصبح الاستهداف الاقتصادي وسيلة مباشرة للاستيلاء على المكان.
أما الرعاة، فيواجهون نمطاً أكثر قسوة. تُغلق أمامهم مساحات المرعى بحجة التدريب العسكري، بينما تتوسع البؤر الاستيطانية في محيطهم وتستولي على مسارات الرعي والينابيع. وقد تترافق الاعتداءات مع تهديدات وملاحقات وسرقة مواشٍ أو منع الوصول إلى المياه. وهذا يضع العائلات أمام خيار ظالم: البقاء تحت الخطر والخسارة اليومية، أو الرحيل وترك الأرض مفتوحة أمام التمدد الاستيطاني.
المياه في قلب الصراع
لا يمكن فصل الأرض عن الماء في الأغوار. فالمنطقة تضم مخزوناً مائياً مهماً، لكن الفلسطينيين يواجهون قيوداً مشددة على حفر الآبار أو تأهيلها أو مد الشبكات، في مقابل استفادة المستوطنات من بنية مائية وزراعية متقدمة. هذه الفجوة ليست نتيجة ظرف طبيعي، بل ثمرة نظام تحكم يقرر من يزرع ومن يُحرم من الماء ومن يستطيع تطوير أرضه.
حين يُجبر مزارع على شراء المياه بتكلفة مرتفعة، بينما تتوافر للمستوطنة المجاورة كميات تكفي للزراعة المكثفة، فإن ذلك يعيد إنتاج المصادرة حتى من دون قرار مكتوب. الأرض التي لا يمكن ريّها أو حمايتها أو الوصول إليها تتحول، عملياً، إلى أرض مهددة بالفقدان. لذلك فإن الدفاع عن الآبار والخزانات والينابيع هو دفاع عن الوجود الفلسطيني نفسه.
القانون الدولي والواقع المفروض بالقوة
يُحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة أو الاستيلاء الدائم على مواردها لمصلحتها الخاصة. كما أن مصادرة الممتلكات والتدمير غير المبرر وفرض الوقائع الاستيطانية تتناقض مع قواعد القانون الدولي الإنساني. لكن الاحتلال لا يكتفي بتجاهل هذه القواعد، بل يستخدم جهازاً قانونياً وإدارياً خاصاً به لإضفاء مظهر من الشرعية على إجراءات تهدف في جوهرها إلى تكريس السيطرة الاستعمارية.
المسألة هنا ليست خلافاً على أوراق ملكية فحسب، رغم مركزية الوثائق وإثبات الحقوق. كثير من الأراضي في الأغوار ورثتها العائلات جيلاً بعد جيل، وعاشت فيها قبل وجود المعسكرات والمستوطنات والأسلاك الشائكة. غير أن الاحتلال يفرض على الفلسطيني أن يثبت حقه ضمن منظومة صممها الاحتلال نفسه، ثم يعاقبه إن لم يتمكن من الوصول إلى أرضه أو تطويرها تحت القيود التي فرضها عليه.
وقد تتغير مساحة كل أمر عسكري أو موقع كل بؤرة استيطانية، لكن الاتجاه العام لا يتغير: تفتيت الحيز الفلسطيني، ومنع نموه الطبيعي، وفرض واقع يجعل العودة إلى الحدود والحقوق أمراً أكثر صعوبة. لهذا لا يجوز اختزال المواجهة في الاعتراض القانوني وحده، مع أهميته، بل يجب ربطها بالتوثيق الإعلامي والتحرك الشعبي والدبلوماسي وحماية المزارعين والرعاة على الأرض.
كيف ينعكس التهجير الصامت على الفلسطينيين؟
التهجير في الأغوار لا يأتي دائماً على هيئة قرار بإخلاء قرية كاملة. قد يأخذ شكل مدرسة مهددة بالهدم، أو عيادة لا يُسمح بإقامتها، أو طريق ترابي يُغلق، أو طفل يقطع مسافة طويلة للوصول إلى صفه. وحين تُحرم التجمعات من الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، فإنها تُدفع تدريجياً إلى مغادرة المكان، بينما يقدّم الاحتلال ذلك كأنه «اختيار» فردي لا سياسة قسرية.
هذا التهجير يضرب النسيج الاجتماعي أيضاً. فالأسر التي تنتقل بحثاً عن الأمن والخدمات تفقد نمط حياتها الزراعي والرعوي، وتواجه ظروفاً اقتصادية أشد هشاشة في المدن والبلدات. كما تخسر الأغوار جزءاً من حضورها الفلسطيني اليومي، وهو الحضور الذي يشهد على هوية الأرض ويمنع تحويلها إلى فراغ استيطاني مصطنع.
لكن الصورة ليست استسلاماً. إصرار الأهالي على زراعة الأرض، وإعادة بناء ما يهدمه الاحتلال، وإيصال المياه والأعلاف إلى التجمعات المحاصرة، وتوثيق الانتهاكات، كلها أفعال مقاومة تحمي الحق من التلاشي. وهي تحتاج إلى إسناد من المؤسسات الفلسطينية، ومن الجاليات، ومن الصحفيين والباحثين وكل من يرفض التعامل مع الاستيطان كحقيقة طبيعية.
ما الذي تعنيه حماية الأغوار الآن؟
حماية الأغوار تعني أولاً رفض اللغة التي تخفي الجريمة خلف مصطلحات إدارية. لا توجد «أرض بلا أصحاب» حين تكون العائلات الفلسطينية قد زرعتها ورعت فيها مواشيها وحافظت على ينابيعها لعقود طويلة. ولا يمكن اعتبار المستوطنة مشروعاً مدنياً عادياً وهي تقوم على مصادرة الأرض والحماية العسكرية وحرمان السكان الأصليين من مواردهم.
وتعني كذلك دعم بقاء الناس في أرضهم بوسائل ملموسة: حماية الموسم الزراعي، وتوفير المياه والأعلاف، وتعزيز التعليم والخدمات الصحية في التجمعات المهددة، وتوثيق كل إخطار وهدم واعتداء. قد يبدو ذلك أقل صخباً من التصريحات السياسية، لكنه يواجه الهدف المركزي للاحتلال: جعل البقاء مستحيلاً.
الأغوار ليست رقعة تفاوضية مؤجلة، ولا تفصيلاً في خرائط الضفة الغربية. كل شجرة تُسقى، وكل خيمة تُثبت، وكل عائلة تصر على فتح بابها صباحاً في وجه الحصار، تؤكد أن الأرض لا تُصادر من أصحابها بمجرد قرار عسكري. إبقاء الأغوار حاضرة في الوعي والخبر والفعل اليومي هو جزء من حماية فلسطين من التقسيم والاقتلاع.

