Site icon Palestinealyoum

مفقودو غزة.. آلاف الحكايا معلقة بخيوط الأمل بين الحياة والموت

المركز الفلسطيني للإعلام

في غزة، لا ينتهي الغياب حين يغيب الإنسان عن العين؛ فهناك غياب آخر أشد قسوة، حين لا تعرف العائلة إن كان ابنها أسيرا، أم شهيدا، أم ما يزال حيا في مكان مجهول، أو أن جسده يرقد تحت أنقاض لم تصل إليها فرق البحث. وفي كل صباح، تستيقظ أمهات وآباء وأشقاء على السؤال ذاته: أين هم؟ وما الذي حل بهم؟

ومع حلول اليوم العالمي للمفقودين، يعود ملف آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة إلى الواجهة، لا بوصفه قضية أرقام وإحصاءات فحسب، وإنما باعتباره جرحا إنسانيا مفتوحا تعيشه عائلات كاملة، معلقة بين رجاء العودة وخوف الحقيقة.

في غزة، يصبح الانتظار حياة كاملة؛ فلا العائلة قادرة على إعلان الفقد، ولا تستطيع أن تتمسك بيقين النجاة. وبين الاحتمالين، تتعطل تفاصيل الحياة، ويبقى الباب مواربا أمام خبر قد يأتي بعد أيام، أو أشهر، أو سنوات.

تروي سوسن الرقب، والدة المفقود أحمد الرقب، تفاصيل غياب ابنها الذي تقول إنه فقد منذ نحو عام وثلاثة أشهر، بعدما خرج في أيام اشتدت فيها أزمة المساعدات والمجاعة، ولم تعد العائلة تجد الطحين أو الخبز أو أبسط مقومات الحياة.

وتقول سوسن إن أحمد، وهو ابنها البكر وأحد أبنائها الأربعة، شعر بمسؤوليته تجاه أسرته، فخرج بحثا عن احتياجاتها، قبل أن ينقطع أثره وتبدأ رحلة طويلة من البحث والسؤال.

وتؤكد أنها لم تترك مؤسسة أو جهة تعنى بالمفقودين إلا قصدتها، فسألت الصليب الأحمر والجهات المختصة، وكانت تتابع قوائم الأسرى كلما ظهرت، وتسأل إن كان اسم أحمد قد ورد بينها.

وتقول إن كل قائمة أسرى جديدة كانت تعيد إليها السؤال ذاته: هل مر اسم أحمد من هنا؟ وهل يحمل هذا الخبر الذي تنتظره منذ شهور جوابا عن مصيره؟

وتحمل الأم أمنية واحدة تختصر كل ما تبقى لها من أمل: أن يعود ابنها، وأن تسمع عنه خبرا يطمئن قلبها، بعد أن أصبح غيابه جزءا يوميا من حياتها.

تعيش فاطمة النجار، شقيقة المفقود محمد النجار، غيابا امتد، وفق روايتها، إلى نحو ألف يوم، منذ فقد أثره في 25 كانون الأول/ديسمبر 2023، خلال الحرب على قطاع غزة.

وتروي فاطمة أن محمد خرج في محيط دوار الصينية برفقة أربعة من أصدقائه، بعدما توجهوا لشراء احتياجات للعائلات، قبل أن ينقطع أثرهم ولا تصل العائلة إلى أي معلومة مؤكدة عن مصيره.

وتقول إن مرور ألف يوم على فقدانه لا يعني أن الغياب أصبح أسهل، بل يعني ألف يوم من الأسئلة المفتوحة: هل محمد أسير؟ هل هو في مستشفى؟ هل استشهد؟ وأين هو الآن؟

وتضيف أن العائلة لا تطلب سوى الحقيقة؛ فإذا كان محمد أسيرا، فإنها تريد معرفة السجن الذي يوجد فيه حتى تتمكن من توكيل محام له، والاطمئنان عليه، والتواصل معه. وإذا كان قد استشهد، فإنها تريد أن تعرف ذلك أيضا، حتى يكون له قبر تزوره، وموضع تحفظ فيه ذكراه.

ويزداد ألم فاطمة وهي تستعيد تفاصيل الأيام التي سبقت فقدان شقيقها، إذ كانت حاملا بطفلتها التي ولدت بعد نحو ثلاثة أشهر من غيابه، وكان محمد يتمنى أن يرى المولودة ويفرح بها، بعدما انتظرتها العائلة سنوات طويلة.

وتقول إن محمد كان قد وعدها بأن يرافقها لشراء مستلزمات طفلتها، وأن يرى الصغيرة التي كان ينتظر قدومها، لكن الغياب حال بينه وبين تلك اللحظة التي لم تكتمل.

وتؤكد أن محمد لم يكن بالنسبة إلى عائلته مجرد اسم في قائمة مفقودين، بل ابن جاء إلى الأسرة بعد سنوات طويلة من الانتظار، ولذلك فإن فقدانه ترك فراغا لا تسده الأيام، ولا تخفف منه السنوات.

وفي محاولة لتسليط الضوء على هذه المأساة، نظمت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، الأحد، فعالية في قطاع غزة بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين، بمشاركة العشرات من عائلات الضحايا الذين اختفوا خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع، لتجديد المطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم المحتجزين أو المدفونين تحت الأنقاض.

وشدد المنسق العام لشبكة المنظمات الأهلية محمد صالحة على أن ملف المفقودين ليس مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار، وإنما أسماء وأحلام وحكايات عائلات تستحق الحقيقة والعدالة.

وأكد صالحة أن الشبكة تضع ملف المفقودين في صدارة أولوياتها الوطنية والحقوقية، من خلال التنسيق المستمر مع مجلس الوزراء الفلسطيني ووزارة العدل والفريق الوطني لمتابعة المفقودين.

ولفت إلى توثيق أكثر من 11 ألفا و200 مفقود مسجل، مؤكدا أن الأعداد الفعلية أكبر بكثير، نتيجة انهيار قواعد البيانات المركزية في القطاعين الصحي والمدني جراء الاستهداف الإسرائيلي المتواصل.

وطالب صالحة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، عبر إنشاء آلية مستقلة وشفافة للبحث عن المفقودين، وتوفير قاعدة بيانات وطنية موحدة، إلى جانب دعم الطب الشرعي والمختبرات المتخصصة للتعرف على جثامين الشهداء.

وتتناول ممثلة حركة أمهات المفقودين نهى الأقرع، وهي شقيقة أحد المفقودين، الوجه الأكثر قسوة لهذه المأساة، والمتمثل في الحياة اليومية لعائلات لا تملك حتى حق الحداد.

وتشير الأقرع إلى أن الموت في غزة فاجعة تترك خلفها قبورا معروفة، بينما يمثل الإخفاء القسري موتا مؤجلا يتجدد كل صباح، داعية المؤسسات الدولية إلى الانتقال من مرحلة التعاطف إلى تحمل المسؤولية الفعلية تجاه العائلات التي تنتظر الحقيقة.

وتكشف هذه الشهادات أن مأساة المفقودين لا تتوقف عند لحظة اختفاء الشخص، بل تمتد إلى كل يوم يمر من دون معلومة، وإلى كل باب يطرق، وكل قائمة أسماء تراجعها العائلة، وكل هاتف يرن فتتعلق به القلوب قبل أن تنكشف هوية المتصل.

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن آلاف العائلات في قطاع غزة لا تزال تجهل مصير أفرادها المفقودين، مشيرة إلى أن بعض العائلات تنتظر معرفة مصير ذويها منذ نحو ثلاث سنوات.

وأوضحت اللجنة، أن قدرات الطب الشرعي في قطاع غزة لا تزال محدودة، في ظل عدم وجود منشآت متخصصة لإجراء فحوصات الحمض النووي، ما يزيد من صعوبة التعرف على الجثامين وتحديد هويات أصحابها.

وأضافت أن عمليات البحث عن الجثامين وانتشالها في القطاع تحتاج إلى معدات متخصصة، مشيرة إلى أن هذه المعدات غير متوفرة بسهولة، الأمر الذي يعيق جهود الوصول إلى المفقودين والتعرف عليهم.

وأكدت اللجنة أن استمرار فقدان آلاف الأشخاص وغياب المعلومات عن مصيرهم يترك عائلاتهم في حالة دائمة من الانتظار وعدم اليقين، في وقت تتطلب فيه عمليات البحث والتعرف على المفقودين إمكانات فنية ولوجستية متخصصة.

ولا تبحث عائلات المفقودين في غزة عن معجزة بقدر ما تبحث عن حقيقة. فالأم التي تنتظر أحمد تريد أن تعرف أين ابنها، وشقيقة محمد تريد أن تعرف أين شقيقها، سواء كان الخبر عودة أو أسرًا أو استشهادا.

وفي حرب تركت وراءها آلاف الضحايا والمفقودين، يبقى الغياب أحد أكثر وجوه المأساة قسوة؛ لأن الشهيد، مهما كان الألم عظيما، تملك عائلته قبرا وذكريات وموعدا للزيارة، أما المفقود فيبقى حاضرا في كل لحظة، غائبا عن كل مكان.

وهكذا تستمر عائلات غزة في الانتظار، لا تملك سوى صور أبنائها، وأسمائهم، وذكرياتهم، وخيط رفيع من الأمل. وبينما يمضي الزمن، لا يتراجع السؤال: أين هم؟

فبالنسبة إلى عائلات المفقودين، لا تكفي السنوات لإغلاق الحكاية، ولا تستطيع الأرقام أن تختصر وجعها؛ لأن خلف كل اسم مفقود عائلة تنتظر، وأما تنتحب في صمت، وأبناء يكبرون وهم لا يعرفون أين ذهب أحباؤهم، وقلوب معلقة بخبر واحد قد يعيد إليها شيئا من اليقين.

Exit mobile version