
المركز الفلسطيني للإعلام
في خضم سباق سياسي وأمني بالغ الحساسية، سارع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى توظيف حادثة طائرة فلاي دبي المتجهة إلى تل أبيب، محاولًا نقلها من واقعة لا تزال تفاصيلها قيد التحقيق إلى ملف أمني وسياسي مفتوح على احتمالات التصعيد، في خطوة أثارت انتقادات بشأن استباق نتائج التحقيق واستثمار المخاوف الدولية والداخلية الإسرائيلية في خدمة أجندة داخلية وخارجية.
نتنياهو يستبق التحقيقات
ويرى الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة أن نتنياهو لم ينتظر اكتمال التحقيقات أو لقاء المحققين مع طاقم الطائرة، قبل أن يخرج برواية تتحدث عن وجود “ميول انتحارية” و”أفكار إسلامية متطرفة” لدى الطيار، مستندًا إلى رواية مفادها أن الطيار طلب من الأشخاص الذين سيطروا عليه أن يقتلوه.
ويشير الزعاترة إلى أن هذه الرواية تثير تساؤلات بشأن الأساس الذي استند إليه نتنياهو في إطلاق مثل هذه الاتهامات المبكرة، معتبرًا أن توظيفها سياسيًا يأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي يواجه معركة سياسية حاسمة ويحرص على إبقاء ملف الأمن والتهديدات الخارجية في صدارة المشهد.
ويضيف أن نتنياهو ذهب أبعد من ذلك في حديثه مع شبكة CNN، عندما شبّه ما جرى بمحاولة لمنع كارثة على غرار هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، معتبرًا أن الطيار المساعد وآخرين على متن الطائرة أحبطوا ما وصفه بعمل كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة واسعة تتجاوز إسرائيل وتمس قطاع الطيران العالمي.
استدعاء 11 سبتمبر في المعركة السياسية
ويرى الزعاترة أن استدعاء هجمات 11 سبتمبر في سياق حادثة لم تُحسم ملابساتها بعد يهدف إلى استحضار ذاكرة الخوف لدى الجمهور الأمريكي والغربي، خصوصًا في ظل تراجع التعاطف مع إسرائيل على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من انتقادات دولية واسعة.
كما يلفت إلى أن الرواية الإسرائيلية أخذت تتوسع تباعًا قبل اكتمال التحقيق، معتبرًا أن استخدام مفردات الإرهاب والتطرف في هذه المرحلة يمنح الحادثة أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز طبيعتها الأصلية، ويجعلها قابلة للتوظيف في الخطاب الانتخابي والإسرائيلي الداخلي.
ويعتبر الزعاترة أن نتنياهو يمارس من خلال هذه المقاربة أسلوبًا سياسيًا يقوم على استثمار المخاوف الأمنية، في وقت تقترب فيه الانتخابات ويواجه رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي اختبارًا سياسيًا مصيريًا بالنسبة لمستقبله.
وختم الزعاترة حديثه بالقول: مهزلة بامتياز يديرها نتنياهو، ويشارك فيها ترامب الذي تبرّع بحشر إيران في القصة متوعّدا بمصير سيء إذا ثبت تورّطها، ومتناسيا أنه وعدها بذلك عشرات المرات من قبل! هكذا تُدار الصراعات في زمن “البلطجة” و”التهريج”!
من حادث الطائرة إلى احتمالات التصعيد
وفي السياق ذاته، يطرح الكاتب والمحلل السياسي د. إياد إبراهيم القرا قراءة أوسع لتداعيات الحادثة، متسائلًا عما إذا كانت المؤشرات المتزامنة في المنطقة تعكس استعدادًا إسرائيليًا لخطوة عسكرية جديدة.
ويستند القرا إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية، أولها زيارة نتنياهو المفاجئة إلى الإمارات ولقاؤه رئيسها محمد بن زايد قبل أيام قليلة من حادثة الطائرة، في توقيت إقليمي وانتخابي شديد الحساسية.
ويتمثل المؤشر الثاني في سرعة انتقال الخطاب الإسرائيلي من التعامل مع الحادثة باعتبارها واقعة قيد التحقيق إلى توظيفها أمنيًا وسياسيًا وربطها بالتطرف والتهديدات الخارجية.
أما المؤشر الثالث، بحسب القرا، فيتصل بتصاعد الحديث الإسرائيلي عن المخاطر الأمنية بالتزامن مع اقتراب الانتخابات، وحاجة نتنياهو إلى إعادة قضية الأمن إلى واجهة النقاش الداخلي، بما يتيح له تقديم نفسه باعتباره قائدًا في مواجهة تهديدات متعددة.
استحضار سوابق تاريخية
ويستحضر القرا في هذا السياق تجربة عام 1982، عندما استُخدمت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن ذريعة مباشرة لاجتياح لبنان، رغم أن منفذي العملية كانوا من جماعة أبو نضال المعادية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ولا يعني ذلك، وفق القرا، أن التاريخ يتكرر بالتفاصيل ذاتها، وإنما تكمن المقارنة في إمكانية استثمار حدث أمني لتوفير مناخ سياسي يسمح بخطوة أوسع.
وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ظل البيئة الإقليمية المتوترة، حيث تتقاطع الحسابات الانتخابية الإسرائيلية مع ملفات أمنية وعسكرية مفتوحة، فيما يمكن لأي حادث أمني غير محسوم أن يتحول إلى مادة للخطاب السياسي والتصعيد الإقليمي.
ترامب يدخل على خط الحادثة
وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات أمريكية دخلت بدورها على خط الحادثة، إذ ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما جرى بإيران، متوعدًا بعواقب في حال ثبوت تورطها، الأمر الذي يضيف بعدًا إقليميًا إلى واقعة لم تُحسم ملابساتها بصورة نهائية.
ويمنح هذا الربط الحادثة مساحة أكبر في الصراع السياسي والأمني الإقليمي، خصوصًا مع استمرار التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وتبادل التهديدات بشأن الملفات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
حادثة غامضة وأسئلة مفتوحة
وبين الرواية الأولى والتفسيرات التي تتوالى تباعًا، تبقى حقيقة ما جرى على متن طائرة فلاي دبي مرتبطة بنتائج التحقيقات الرسمية، لا بالتصريحات السياسية المبكرة.
غير أن سرعة استثمار الحادثة في الخطاب الإسرائيلي تكشف، وفق قراءة الزعاترة والقرا، عن قابلية الأحداث الأمنية للتحول إلى أدوات في الصراع السياسي، خصوصًا عندما تتقاطع مع حسابات انتخابية وتوترات إقليمية متصاعدة.
وفي ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واتساع دائرة التوتر في المنطقة، يفتح توظيف حادث الطائرة بابًا أمام أسئلة أكبر تتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها: هل يجري استخدام حادث أمني غامض لإعادة ترتيب أولويات الجمهور الإسرائيلي، أم أن الحادثة ستبقى في إطارها المحدود بعد انتهاء التحقيقات؟
وبين الاحتمالين، تبقى المنطقة أمام مشهد شديد الهشاشة، حيث يمكن لحدث واحد أن يتحول، بفعل التوظيف السياسي والأمني، إلى وقود لصراع أوسع.

