
رام الله – خاص المركز الفلسطيني للإعلام
يفتح فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ نافذة لزيادة الضغط على دولة الاحتلال وتقييد بعض أدوات الدعم الأميركي لها، لكنه لا يعني انتقال واشنطن تلقائيا إلى سياسة تنصف الفلسطينيين أو تفرض إنهاء الاحتلال.
التحول المباشر هو أن الرئيس دونالد ترامب سيواجه كونغرسا معارضا يستطيع التحقيق والمساءلة والتحكم بالتشريعات والاعتمادات المالية، بينما يحتفظ البيت الأبيض بإدارة الدبلوماسية وأدوات تنفيذية واسعة.
وبحسب النتائج المعلنة صباح اليوم، حسم الديمقراطيون السيطرة على المجلسين، مع استمرار فرز بعض السباقات، ولذلك، يبني هذا التقدير سيناريوهاته على انتقال الأغلبية، من دون افتراض تركيبة نهائية للمقاعد أو اعتبار جميع الفائزين الديمقراطيين كتلة متجانسة بشأن دولة الاحتلال.
الترجيح الأساسي هو انتقال العلاقة الأميركية الإسرائيلية إلى مرحلة أعلى كلفة سياسيا وأكثر تعرضا للمساءلة، مع بقاء بنيتها الأمنية والعسكرية، أما الأثر الفلسطيني، فسيعتمد على قدرة الأغلبية الجديدة على تحويل الاعتراض إلى شروط ملزمة على السلاح والتمويل، وعلى استعدادها لخوض مواجهة مع ترامب حول هذه الشروط.
ما الذي تغيّر فعلا؟
تكتسب خسارة الجمهوريين المجلسين أهميتها من اجتماع أداتين، سلطة مجلس النواب على التشريعات والإنفاق والرقابة، ودور مجلس الشيوخ في التشريع وإقرار التعيينات والمعاهدات.
ومع انتقال رئاسة اللجان، يستطيع الديمقراطيون دفع ملفات استخدام السلاح الأميركي، وعرقلة المساعدات، والتكاليف الإقليمية لسياسة الإدارة إلى واجهة النقاش المؤسسي.
لكن الأثر السياسي يبدأ قبل الأثر المؤسسي، فالولاية الجديدة لأعضاء الكونغرس تبدأ في 3 يناير 2027، وبذلك تبقى فترة انتقالية تستطيع خلالها الإدارة والأغلبية المنتهية ولايتها محاولة تمرير قرارات أو ترتيبات قبل تغير ميزان السلطة، وهذه نافذة تستحق المتابعة، خصوصا في صفقات السلاح والاعتمادات والاتفاقات الدفاعية.
كذلك، لا تساوي الأغلبية البسيطة القدرة على فرض برنامج كامل، فمعظم التشريعات العادية قد تحتاج إلى 60 صوتا لإنهاء تعطيل النقاش في مجلس الشيوخ، مع وجود استثناءات إجرائية، فيما يتطلب تجاوز الفيتو الرئاسي موافقة ثلثي المصوتين في كل مجلس، مع توافر النصاب، ولذلك ستكون قدرة الديمقراطيين على تعطيل طلبات جديدة للإدارة أو فرض تفاوض عليها أوسع، في حالات كثيرة، من قدرتهم على إلزام الرئيس بسياسة بديلة شاملة.
والتمييز ضروري هنا، يستطيع الكونغرس التأثير في شروط الدعم الأميركي، لكنه لا يصدر بنفسه أوامر بفتح معبر في غزة أو انسحاب الجيش الإسرائيلي، تحقيق هذه النتائج يحتاج إلى تحويل سلطاته المالية والتشريعية إلى ضغط على الإدارة، ثم تحويل الضغط الأميركي إلى التزام إسرائيلي قابل للقياس.
الحزب الديمقراطي تحت ضغط قاعدته
لا يصح التعامل مع الديمقراطيين باعتبارهم جبهة موحدة تجاه فلسطين، فداخل الحزب اتجاه يريد الحفاظ على التحالف مع دولة الاحتلال مع الاعتراض على سياسات حكومتها، واتجاه يطالب بربط المساعدات باحترام حقوق الإنسان، وتيار يدفع نحو قيود أوسع على التسليح.
مع ذلك، ثمة تغير موثق في البيئة التي يتحرك فيها هؤلاء، فقد أظهر استطلاع مركز بيو، المنفذ في مارس 2026، أن 80% من الديمقراطيين والمستقلين المائلين إليهم يحملون نظرة سلبية إلى دولة الاحتلال، مقابل 69% في العام السابق، وهذه نتيجة تتعلق بصورة دولة الاحتلال ولا تعني أن النسبة نفسها تؤيد إجراء محددا، مثل وقف التسليح أو فرض العقوبات.
والتحول تجاوز الاستطلاعات إلى التصويت. ففي 15 أبريل 2026، أيد 40 عضوا في مجلس الشيوخ إجراء لإخراج مشروع اعتراض على بيع معدات لدولة الاحتلال من اللجنة، مقابل 59 معارضا؛ وأيد 36 عضوا إجراء مماثلا بشأن قنابل، صحيح أنه لم تنجح المحاولتان، لكنهما تكشفان اتساع مساحة الاعتراض المؤسسي قبل الانتخابات.
الاستنتاج أن الفوز الجديد قد يمنح هذا الاعتراض أدوات أقوى، لكنه لا يحسم كيفية استخدامها، فالمعركة ستكون داخل الأغلبية الديمقراطية أيضا، هل توظف دولة الاحتلال ملفا لإحراج ترامب، أم تقبل بتقييد دعمها حتى عندما تصبح المواجهة مكلفة سياسيا؟
غزة.. اختبار الانتقال من الإدانة إلى التأثير
في غزة، لا تبدأ المرحلة الجديدة من مجرد حاجة إلى تحسين شروط التفاوض، بل من استمرار القتل والتدمير والتضييق رغم وقف إطلاق النار، وقد وثق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية المؤرخ في 29 أكتوبر استمرار الغارات والقصف وإطلاق النار، وتوغلات وهدم قرب الخط الأصفر، وحوادث طالت مواقع وعمليات إنسانية.
أمام هذا الواقع، يمكن أن يتحرك الكونغرس الديمقراطي في ثلاثة مسارات متداخلة، المسار الأول إنساني، عبر السعي إلى تمويل الإغاثة وإعادة التأهيل، ومساءلة الإدارة عن عوائق الوصول وحماية العاملين الإنسانيين، وهو المسار الأسهل نسبيا لبناء توافق، لكنه يظل محدودا إذا توفرت الأموال وبقيت القيود الميدانية تمنع استخدامها.
المسار الثاني عسكري، عبر التدقيق في صفقات محددة، والمطالبة بتقارير عن الاستخدام النهائي للسلاح، ومحاولة ربط بعض الاعتمادات بشروط لحماية المدنيين، هنا يصبح الخلاف مؤثرا في حسابات دولة الاحتلال، خصوصا إذا اقترنت الشروط بعواقب واضحة عند مخالفتها.
أما المسار الثالث فسياسي، ويتعلق بمنع تحويل ترتيبات وقف النار إلى سيطرة إسرائيلية طويلة الأمد، أو تكريس فصل غزة عن الضفة، أو إخضاع الإعمار لترتيبات تستبعد الإرادة الفلسطينية، وهو الأصعب، لأنه يتطلب رؤية تتجاوز إدارة الكارثة إلى معالجة أسبابها.
لذلك قد تتحسن فرص الإغاثة قبل أن تتحسن فرص التسوية السياسية، وقد يرتفع الصوت الأميركي المعارض للتهجير والقتل، بينما يستمر الخلاف حول الوسائل اللازمة لمنعهما.
وعليه فنحن أمام أربعة سيناريوهات، السيناريو الأول: ضغط محدود مع استمرار التحالف، وهو الأرجح، ويقوم على زيادة التحقيقات وجلسات الاستماع والانتقادات، مع محاولات لتحسين دخول المساعدات وتعطيل صفقات بعينها، من دون توافق ديمقراطي على تقييد واسع للدعم العسكري.
يرجحه أن الأغلبية الجديدة ستحتاج إلى إدارة ملفات داخلية ثقيلة، وأن وحدة الحزب ضد ترامب لا تعني وحدته حول فلسطين، كما يمكن لبعض قياداته تقديم الرقابة المشددة بوصفها وسيلة لحماية المصالح الأميركية والحفاظ على التحالف مع دولة الاحتلال، من دون مراجعة جوهر العلاقة.
بالنسبة إلى غزة، قد ينتج عن ذلك تنازلات إسرائيلية جزئية في الوصول الإنساني أو وتيرة بعض العمليات، إذا رأت الحكومة الإسرائيلية أنها تخفف الضغط بتكلفة محدودة، لكن خطر هذا المسار أن تتحول التحسينات إلى بديل عن إنهاء الحصار والسيطرة العسكرية.
وفي الضفة الغربية، قد يتزايد الاعتراض على الاستيطان وعنف المستوطنين، من دون بناء أدوات كافية لوقفهما، وبذلك يرتفع ثمن السياسات الإسرائيلية إعلاميا ودبلوماسيا، فيما يبقى ثمنها العملي قابلا للتحمل.
ومؤشر تحقق هذا السيناريو هو كثرة جلسات المساءلة والبيانات، مقابل بقاء بنود التمويل والتسليح الأساسية قريبة من وضعها السابق.
السيناريو الثاني: اشتراط ملموس للسلاح والتمويل وهو ممكن بشروط، ويتقدم هذا السيناريو إذا استطاع مؤيدو تقييد الدعم تحويل قوتهم داخل الحزب إلى موقف تشريعي موحد، واستقطاب أصوات جمهورية تعارض كلفة الانخراط الأميركي في الحروب الإقليمية.
قد يبدأ الأمر بإجراءات محددة، تعليق فئة من الذخائر، أو تقييد تمويل استخدامات بعينها، أو اشتراط تقارير وشهادات امتثال قبل صرف أموال جديدة، والتركيز على إجراءات محددة قد يكون أكثر قابلية لبناء أغلبية من مطلب قطع العلاقة العسكرية كاملة.
ولا يبدأ هذا الاحتمال من الصفر، فقد أفاد تقرير نشرته “سيمافور” في سبتمبر، بأن السيناتورة الديمقراطية جين شاهين امتنعت عن منح موافقتها على تقدم صفقة بقيمة 2.8 مليار دولار، مع أسئلة بشأن استخدام السلاح في غزة ولبنان وسورية وإيران، لكن هذا النوع من الاعتراض الإجرائي لا يعادل حظرا قانونيا دائما.
الأثر المحتمل هنا أعمق، فستحتاج دولة الاحتلال إلى احتساب احتمال تأخر إمدادات أو ارتفاع شروط الحصول عليها، وقد يدفع ذلك إلى تعديل سلوك ميداني، خصوصا إذا تزامن الضغط الأميركي مع موقف أوروبي وعربي متماسك.
مع ذلك، سيواجه المسار الفيتو الرئاسي وصلاحيات تنفيذية سبق استخدامها لتسريع الصفقات، ويشير تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس إلى استخدام إدارة ترامب صلاحيات الطوارئ لتجاوز فترة المراجعة المعتادة لبعض مبيعات السلاح لدولة الاحتلال.
مؤشر الانتقال إلى هذا السيناريو هو ظهور شروط ملزمة في قوانين نافذة، وتأثير موثق في التسليم أو الاستخدام، لا الاكتفاء بإعلانات الاعتراض.
السيناريو الثالث: تفاهم على تهدئة إقليمية واحتمال وقوعه متوسط، فقد تدفع الهزيمة ترامب إلى البحث عن إنجاز خارجي يقلل كلفة الحروب ويعيد تقديمه بوصفه قادرا على عقد الاتفاقات، وفي المقابل، قد يقبل الديمقراطيون بتسويات محددة تمنع توسع المواجهات وتخفف الأعباء الاقتصادية والعسكرية.
في هذا المسار، يمكن أن تنشأ مساحة تفاهم حول تثبيت التهدئة في غزة، وتوسيع المساعدات والإعمار، وخفض التصعيد مع إيران، واحتواء جبهتَي لبنان وسورية، لكن ذلك يظل استنتاجا احتماليا، فالنتيجة الانتخابية لا تكشف وحدها قرار الإدارة المقبل.
وتكمن المعضلة الفلسطينية في مضمون التسوية، فإذا اقترنت التهدئة بضمانات ضد التهجير، وانسحاب قابل للتحقق، وربط غزة بالضفة، وتمثيل فلسطيني فعلي، فقد تفتح تحولا ذا قيمة، أما إذا انحصرت في تمويل الإعمار وترتيبات أمنية وتطبيع إقليمي، فقد تمنح السكان انفراجا ضروريا مع إبقاء الحقوق السياسية معلقة.
ومؤشر هذا السيناريو هو تقارب معلن بين الإدارة وقيادات الكونغرس حول أهداف إقليمية محددة، تتبعه خطوات تنفيذية، وليس مجرد استئناف الحديث عن السلام.
السيناريو الرابع: مواجهة داخلية والتفاف تنفيذي وهذا خطر قائم، فقد يختار ترامب تفسير الهزيمة باعتبارها دعوة إلى التشدد، ويستخدم السياسة الخارجية لإظهار أن الكونغرس لا يستطيع شل رئاسته، وعندها يمكن أن تتصاعد المواجهة حول صفقات السلاح والتمويل وصلاحيات الحرب.
في هذا المسار، قد تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تسريع ترتيبات مع البيت الأبيض، أو استثمار الانقسام الأميركي لتجنب تقديم تنازلات، كما قد يؤدي تصعيد إقليمي مفاجئ إلى إعادة تجميع دعم لدولة الاحتلال تحت عنوان الاستجابة لتهديد أمني.
ولا تعني صعوبة تمرير تمويل جديد استحالة استمرار العمليات، إذ ينبغي التمييز بين أموال جديدة تحتاج إلى إقرار، واعتمادات قائمة، وعقود سابقة، وصلاحيات تنفيذية متاحة ضمن حدودها القانونية.
الخطر على الفلسطينيين أن ترتفع حدة السجال في واشنطن بينما يتأخر الأثر الميداني، وتستمر دولة الاحتلال في فرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقا، ومن مؤشرات هذا المسار تكرار اللجوء إلى إجراءات الطوارئ، ورفض مطالب الرقابة، واحتدام النزاع حول تنفيذ القوانين.
الضفة والدولة الفلسطينية.. المسافة الأبعد
قد يوفر الكونغرس الجديد مساحة أكبر لمعارضة الضم والاستيطان والتهجير، وللدفاع عن استمرارية المؤسسات الفلسطينية، لكنه لا يمنح الفلسطينيين تلقائيا مسارا نحو الدولة.
فالانتقال من الاعتراض على إجراءات إسرائيلية إلى دعم تسوية ملزمة يحتاج إلى إرادة رئاسية، وتوافق داخل الكونغرس، وضغط دولي، وشريك فلسطيني قادر على تمثيل موقف سياسي واضح، كما أن الاعتراف الدبلوماسي والتصويت الأميركي في مجلس الأمن لا يتغيران بمجرد انتقال رئاسة اللجان.
والخطر أن تبقى غزة ملف إغاثة، والضفة ملف استقرار أمني، فيما يُرحّل سؤال السيادة وتقرير المصير إلى أجل غير محدد، لذلك، ينبغي قياس التحول بمدى اتصال الإجراءات الأميركية بمنع تفتيت الأرض الفلسطينية، لا بمجرد عودة مفردات حل الدولتين.
مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية
الأرجح أن تتغير شروط إدارة التحالف بوتيرة أسرع من تغير بنيته. فالتعاون العسكري والتكنولوجي والمصالح الإقليمية يمنح العلاقة قدرة على الاستمرار، بينما يجعل الاستقطاب الداخلي الأميركي الدعم غير المشروط أكثر عرضة للنزاع.
وثمة تطور يستدعي الحذر في تفسيره، نقل موقع “بوليتي فاكت” عن ترامب، أمس الثلاثاء، حديثه عن التوجه لإنهاء المساعدات السنوية المباشرة لدولة الاحتلال باتفاق مع نتنياهو، لكن التصريح ليس قرارا منفذا، وتقليص المنح لا يعني بالضرورة تقليص مبيعات السلاح أو التعاون العسكري والتكنولوجي.
وهذا يفتح احتمال إعادة صياغة الدعم بدل إنهائه، منح أقل، مقابل شراء أسلحة وتعاون صناعي وبرامج مشتركة. ولذلك، لا يكفي مراقبة قيمة المساعدات المباشرة؛ بل يجب تتبع مجمل العلاقة الدفاعية وشروطها.
وقد تحاول أي حكومة إسرائيلية مقبلة ترميم صلاتها بالديمقراطيين، وتقديم تنازلات محدودة لإعادة العلاقة إلى مساحة أوسع من التوافق الحزبي، لكن تغيير الوجوه أو الخطاب لن يضمن تغير السياسة تجاه الفلسطينيين، ما لم تتغير حسابات الكلفة.
والتقدير الراجح للمرحلة المقبلة هو مزيج من الضغط المحدود والمساومات على إجراءات محددة، مع فرصة مشروطة لتقييد بعض أشكال التسليح، وسيظهر الاختبار الأول بعد انتقال السلطة داخل الكونغرس، في تشكيل اللجان وأولوياتها، ثم في قوانين الإنفاق وصفقات السلاح الأولى.
بالنسبة للفلسطينيين، تتيح الانتخابات فرصة لتوسيع المساءلة وتحويل التوثيق إلى مطالب قابلة للتنفيذ، حماية المدنيين، وضمان الوصول الإنساني، ومنع التهجير، وتقييد الأسلحة المستخدمة في الانتهاكات، لكنها لا تبرر انتظار أن يحل التناوب الحزبي الأميركي محل الفعل السياسي الفلسطيني والعربي.
وختاما فإنه لن تكون نقطة التحول حين يصبح انتقاد دولة الاحتلال أعلى صوتا في واشنطن، بل حين تصبح مواصلة سياساتها سببا لخسارة دعم تحتاج إليه.
