
المركز الفلسطيني للإعلام
تتخذ الانتهاكات الإسرائيلية في مدينة القدس والمسجد الأقصى مسارات متوازية لا تقتصر على الاقتحامات والطقوس التوراتية داخل المسجد، بل تمتد إلى محيطه وأبوابه والشوارع المؤدية إليه، بالتزامن مع إجراءات تستهدف الحد من قدرة الجهات الفلسطينية والمقدسية على توثيق ما يجري ونقل صورته إلى العالم.
ويرى الباحث المتخصص في شؤون القدس زياد ابحيص أن موسم الأعياد الأخير كشف عن أشكال جديدة من العدوان على المسجد الأقصى، شملت استعراض الهيمنة داخله، وتعزيز الحضور اليهودي عند أبوابه، وإطلاق مسارات طويلة الأمد لتغيير الوقائع القائمة، إلى جانب فرض حصار إعلامي على المسجد واحتكار الصورة والرواية الصادرة منه.
ويحذر ابحيص من أن هذه التحولات لا تجري بصورة منفصلة، بل تتكامل فيها أدوار المقتحمين من جهة، والجهات التي لا تشارك في الاقتحامات من جهة أخرى، ضمن ما يصفه بمسار متكامل لتهويد الأقصى وتغيير واقعه.
استعراض الهيمنة داخل المسجد الأقصى
شهد المسجد الأقصى خلال موسم الأعياد الأخير مظاهر متعددة لاستعراض ما يصفه ابحيص بالهيمنة، إلى جانب الطقوس الدينية التي يؤديها المستوطنون.
وتضمنت هذه المظاهر ترديد أغانٍ كتبها حاخامات، وتحمل مضامين توراتية، من بينها أغنية “سيُبنى الهيكل”، التي تردد في لازمتها عبارة “سيُبنى الهيكل وستمتلئ مدينة صهيون”، فيما شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في إحدى حلقات الغناء والرقص والتصفيق.
وشملت المظاهر كذلك رفع العلم الإسرائيلي داخل المسجد، باعتباره، وفق ابحيص، تعبيراً عن محاولة إظهار “السيادة الإسرائيلية” على الأقصى، إلى جانب ارتداء ملابس تحمل شعارات تدعو إلى هدم مباني المسجد وإقامة الهيكل مكانها.
ويركز المقتحمون هذه الطقوس، بحسب الباحث، في الساحة الشرقية من المسجد، في محاولة لتكريسها باعتبارها مساحة دينية يهودية ثابتة داخل الأقصى.
تحويل أبواب الأقصى إلى بؤر للطقوس
لم تقتصر الممارسات على داخل المسجد، إذ شهد موسم الأعياد توسيعاً لنهج تحويل أبواب الأقصى ومحيطها إلى مواقع للطقوس التوراتية.
ويربط ابحيص تصاعد هذا النهج بقرار المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2017 السماح للمستوطنين بأداء طقوسهم عند أبواب المسجد، مشيراً إلى أن البداية كانت من باب القطانين، حيث أدى وجود المستوطنين إلى إغلاق محال تجارية في السوق، قبل أن تتولى شرطة الاحتلال فرض الإغلاق تدريجياً منذ عام 2022.
ويحدث هذا الإغلاق خلال ثلاثة أعياد توراتية رئيسية هي الفصح والعُرش والأنوار، ولمدة تصل إلى 23 يوماً سنوياً، وفق المعطيات التي أوردها الباحث.
وامتدت بؤر الطقوس لاحقاً إلى باب السلسلة أحياناً، وساحة الإمام الغزالي أمام باب الأسباط بصورة متكررة منذ عام 2023، فيما أضيف إليها خلال موسم الأعياد الأخير باب حطة في الجدار الشمالي للمسجد.
كما شهدت طرق القدس مواكب صلاة متنقلة، ولا سيما في طريق الواد الذي تتفرع منه الطرق المؤدية إلى الأبواب الغربية للأقصى، الأمر الذي يرى ابحيص أنه أدى إلى تشكيل طبقة من العزل حول المسجد، تعيق وصول المصلين إليه وتؤثر في الحركة التجارية والحياة اليومية في الأسواق والشوارع المحيطة.
ويلفت الباحث إلى أن معظم المشاركين في بؤر الطقوس خارج الأقصى ينتمون إلى اليهود الأرثوذكس “الحريديم”، الذين يتمسكون بالرأي الحاخامي التقليدي الرافض لاقتحام المسجد قبل تحقق شروط دينية محددة، إلا أنهم باتوا، وفق تقديره، جزءاً من مسار الهيمنة على أبواب الأقصى ومحيطه.
مسارات جديدة لتغيير واقع الأقصى
شهد موسم الأعياد الأخير، بحسب ابحيص، إطلاق مسارين جديدين في محاولات تغيير الوقائع المرتبطة بالمسجد.
وتمثل المسار الأول في نقل الطقوس التوراتية إلى مقبرة باب الرحمة، أمام باب الرحمة من الخارج، حيث أقام مستوطنون طقوسهم بمحاذاة قبري الصحابيين شداد بن أوس وعبادة بن الصامت، خلال معظم ليالي الأعياد المركزية، وفي بعض أيامها نهاراً.
وذهب منظمو هذه الطقوس إلى الادعاء بأن الجدار الشرقي للمسجد الأقصى “أكثر قدسية لليهود” من جداره الغربي، في تحول يراه الباحث محاولة لإعادة صياغة العلاقة مع محيط الأقصى من الجهة الشرقية.
أما المسار الثاني، فيتمثل في المطالبة بفتح المسجد أمام اقتحامات المستوطنين أيام السبت، بذريعة تزامن معظم الأعياد مع هذا اليوم.
وتوجهت الجهات الداعية إلى هذا المطلب إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، التي طلبت رأي بن غفير ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وأعلن بن غفير تأييده للمطلب، فيما تنتظر المحكمة موقف نتنياهو قبل جلستها المقبلة المقررة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أي قبل أقل من أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.
حصار الصورة واحتكار الرواية
يمثل التعتيم الإعلامي على ما يجري داخل الأقصى جانباً آخر من المشهد، وفق ابحيص، الذي استشهد بيوم 13 سبتمبر/أيلول 2026، حين شهد المسجد نفخ البوق 30 مرة، دون أن يتمكن أي مصدر عربي أو إسلامي من توثيق ذلك من داخل المسجد بالصورة أو التسجيل.
ولم تُعرف الواقعة، بحسب الباحث، إلا بعد يومين، عندما أعلن عنها المستوطنون، ما يعكس، في تقديره، حجم التعتيم المفروض على المسجد واحتكار الاحتلال والمستوطنين للصورة والرواية الإعلامية الخارجة منه.
ويربط ابحيص هذا الوضع بإجراءات تراكمية بدأت، وفق عرضه، بالضغط على الأوقاف الأردنية في القدس لتحييد دورها الإعلامي، ثم منع المرابطين من الوجود في الساحات المكشوفة أثناء اقتحامات المستوطنين، وملاحقة الأشخاص الذين يصورون داخل المسجد وإبعادهم، وصولاً إلى حظر منصات إعلامية مقدسية على دفعتين خلال عامي 2023 و2026.
ويعتبر أن تراكم هذه الإجراءات أدى إلى تقليص مصادر الصور والمعلومات القادمة من داخل الأقصى، بحيث بات الاحتلال يمتلك قدرة أكبر على التحكم فيما يُنقل عن المسجد وما يُحجب عنه.
قفزة كبيرة في أعداد المقتحمين
تكشف الأرقام التي أوردها ابحيص عن ارتفاع ملحوظ في أعداد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد خلال موسم الأعياد الأخير.
فبحسب محافظة القدس، بلغ عدد المقتحمين خلال ثلاثة أسابيع 11,409 مستوطنين، وهو رقم يقترب من إجمالي عدد المقتحمين المسجل طوال عام 2015، والذي بلغ 11,489 وفق أرقام الأوقاف الإسلامية آنذاك.
وسجل الأسبوع الأخير من الموسم الجزء الأكبر من الاقتحامات، إذ دخل المسجد بين الأحد 27 سبتمبر/أيلول والخميس 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026 نحو 9,123 مستوطناً، بمتوسط يومي بلغ 1,825 مقتحماً خلال خمسة أيام.
ويمثل هذا الرقم، وفق تحليل ابحيص، زيادة بنحو 80 بالمئة خلال أربع سنوات، ونحو 440 بالمئة مقارنة بموسم الأعياد نفسه عام 2016.
هل يمكن مواجهة التحولات والحفاظ على الوضع القائم؟
وتشير المعطيات التي يستعرضها الباحث زياد ابحيص إلى أن ما يجري في القدس لا يقتصر على ارتفاع أعداد الاقتحامات، بل يترافق مع محاولات لتغيير طبيعة الحضور داخل المسجد وعلى أبوابه وفي محيطه، وفتح مسارات جديدة للطقوس والممارسات التوراتية، بالتوازي مع إجراءات تحد من التوثيق الإعلامي لما يحدث.
وبين استعراض الهيمنة داخل الأقصى، وتوسيع بؤر الطقوس في محيطه، والسعي إلى فتحه أمام الاقتحامات أيام السبت، ونقل الطقوس إلى مقبرة باب الرحمة، وصولاً إلى احتكار الصورة وارتفاع أعداد المقتحمين، تتشكل صورة لمسار متدرج يستهدف الوقائع القائمة في المسجد ومحيطه، ويجعل مستقبل هذه الوقائع مرتبطاً بمدى القدرة على مواجهة هذه التحولات والحفاظ على الوضع القائم في أحد أكثر المواقع حساسية في القدس.
