![]()
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن الدكتورة ياسمين خميس البوبو مجرد اسم جديد ينضم إلى قوائم ضحايا الحرب في قطاع غزة، بل كانت أكاديمية فلسطينية كرّست سنوات من حياتها للعلم والتعليم، وامرأة اختارت أن تجعل رعاية والدتها المسنة جزءًا أساسيًا من حياتها، قبل أن تنتهي قصتهما معًا تحت أنقاض منزل استهدفته غارة إسرائيلية غربي مدينة غزة.
فجر السبت، تحولت شقة في الطابق الأرضي من عمارة “الأصالة” بحي الرمال، قرب دوار حيدر عبد الشافي، إلى ركام، بعد استهدافها بغارة إسرائيلية أسفرت عن استشهاد خمسة فلسطينيين، بينهم أربع نساء، هن الدكتورة ياسمين ووالدتها الحاجة حلوم البوبو، وميساء خضر أبو داوود وابنتها ماري، إلى جانب الشاب بلال عودة، فيما أصيب آخرون.
لم يكن الضحايا في ذلك المكان يجمعهم سوى السكن والجوار؛ أمّ فلسطينية وابنتها، وأكاديمية ووالدتها، وجميعهم وجدوا أنفسهم في مواجهة غارة واحدة أنهت حياتهم دفعة واحدة.
ابنة اختارت أمها
خلف المسيرة الأكاديمية لياسمين حكاية إنسانية لم تكن معروفة على نطاق واسع، تتمثل في علاقتها بوالدتها الثمانينية، التي اختارت أن تكرس لها جانبًا كبيرًا من حياتها.
بعد وفاة والدها، لم تتزوج ياسمين، وفق شهادات زملائها وأقاربها، وكرّست وقتها لرعاية والدتها ومساندتها، وظلت ملازمة لها خلال سنوات النزوح والحرب. ووصف أقاربها تعلقها بوالدتها بأنه كان استثنائيًا، وأنها كانت شديدة الحرص على رعايتها والقيام بشؤونها.
وفي تفاصيل أكثر قسوة، قالت ابنة شقيقها إيمان إن ياسمين كانت بالنسبة للعائلة مصدرًا للأمل والدفء، وإنها كانت تجمع أفراد الأسرة وتحافظ على روابطها رغم ظروف الحرب والنزوح. كما كشفت أنها زارتها قبل استشهادها بأسبوع فقط، بعد خضوعها لعملية جراحية، وكانت لا تزال تعاني جسديًا من آثارها، لكن ذلك لم يمنعها من الاحتفاظ بروحها الحاضرة ولطفها المعتاد.
ولم تكن تلك العملية آخر ما تعرضت له ياسمين من ألم؛ إذ جاءت الغارة قبل أن يلتئم جرحها، لتضع حدًا لحياتها وحياة والدتها في المكان نفسه.
نصف ساعة قبل النهاية
من أكثر تفاصيل القصة إيلامًا أن ياسمين كانت تتحدث عبر الهاتف مع ابنة شقيقها قبل استشهادها بنحو نصف ساعة، في مكالمة عائلية عادية امتلأت بالضحك والمزاح.
كان أقاربها يتحدثون معها كما اعتادوا، دون أن يعرفوا أن تلك الضحكات ستكون الأخيرة.
ويقول زوج شقيقتها، الأكاديمي والإعلامي الدكتور حسن المدهون، إن ياسمين كانت بالنسبة له بمنزلة الأخت التي لم تلدها أمه، وإنها رافقت العائلة خلال محطات النزوح، وكانت نموذجًا للهدوء والأخلاق والإنسانية.
ويستعيد اللحظات الأخيرة قبل القصف قائلًا إن المكالمة التي جرت قبل نحو نصف ساعة من استشهادها كانت مليئة بالضحك والدعابات العائلية، قبل أن يتحول كل شيء إلى صمت تحت ركام الغارة.
أكاديمية في قلب الحرب
إلى جانب كونها ابنة بارة، كانت ياسمين أكاديمية فلسطينية كرّست مسيرتها للتعليم والتخصص العلمي.
عملت محاضرة في قسم الوسائط المتعددة بكلية الدراسات المتوسطة في جامعة فلسطين، وسبق أن تولت رئاسة قسم تكنولوجيا الوسائط المتعددة، كما تولت منصب نائب عميد الإدارة، وفق ما أوردته المصادر التي تناولت سيرتها.
بدأت رحلتها العلمية بالحصول على درجة البكالوريوس في أنظمة المعلومات الحاسوبية الإدارية من جامعة القدس المفتوحة، ثم واصلت دراستها العليا وحصلت على ثلاث درجات ماجستير في مجالات الإدارة ونظم المعلومات، وعلوم الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات، والتنمية المستدامة.
كما تناولت إحدى رسائلها البحثية موضوع “الصورة الذهنية للجامعات الفلسطينية لدى الطلبة في قطاع غزة والعوامل المؤثرة فيها”، بينما كانت تواصل مسارها الأكاديمي كباحثة في مجال علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
ولم تتخلَّ عن دورها الأكاديمي رغم الحرب؛ إذ أظهرت تفاصيل نشرتها جامعة فلسطين أن ياسمين كانت تناقش شؤون العمل وواجباتها تجاه الطلبة حتى قبل استشهادها بساعات، في صورة تختصر تمسكها برسالتها التعليمية رغم الظروف التي عاشها القطاع.
“أم حقيقية” لطلابها
لم تكن علاقة ياسمين بطلابها علاقة أستاذة بطلابها داخل قاعة دراسية فحسب، وفق شهادات المقربين منها، بل تحولت إلى علاقة إنسانية تركت أثرًا لدى أجيال من الطلبة.
وقالت ابنة شقيقها إنها لم تكن مجرد أستاذة في جامعة فلسطين، بل كانت بمثابة أم حقيقية للطلاب والطالبات الذين دخلوا قاعاتها، مشيرة إلى أن الجميع كان يستشعر دفئها وحرصها على مساعدة الآخرين.
كما وصفها أكاديميون وزملاء بأنها شخصية مخلصة لعملها، حريصة على المبادرة والإنجاز، ومتمسكة برسالتها التعليمية رغم ظروف الحرب.
“لم تكن مجرد أرقام”
في أعقاب استشهادها، توالت رسائل النعي من أكاديميين وصحفيين وحقوقيين، مستحضرة شخصيتها العلمية والإنسانية، ومسلطة الضوء على الخسارة التي يمثلها مقتلها بالنسبة للوسط الأكاديمي الفلسطيني.
ونعاها زملاؤها في جامعة فلسطين، فيما وصفها أكاديميون بأنها شخصية متميزة، وأشار حقوقيون إلى أن استشهادها يضاف إلى سلسلة طويلة من الأكاديميين والباحثين الذين فقدهم قطاع غزة خلال الحرب.
وتقول صديقتها ديما السقا إن فقدان ياسمين لم يكن فقدان زميلة فحسب، بل غياب شخص كانت تلجأ إليه في العمل والحياة، مستذكرة دعمها ونصائحها وحرصها الدائم على السؤال عنها.
أما شقيق ياسمين، فوقف أمام جثمان والدته وشقيقته محاولًا استيعاب حجم الفاجعة، مشددًا على أن والدته امرأة مسنة لا حول لها ولا قوة، وأن شقيقته أكاديمية لا علاقة لها بالتنظيمات أو الأحزاب، قبل أن يطال القصف المكان الذي كنّ فيه نائمات.
أم وابنتها.. وجارتان مسيحيتان
لم تكن ياسمين ووالدتها وحدهما في تلك المأساة؛ فقد استشهدت في الغارة نفسها ميساء خضر أبو داوود وابنتها ماري، وهما امرأتان فلسطينيتان مسيحيتان كانتا تكرسان جانبًا من وقتهما لخدمة أبناء الرعية والنازحين في ملجأ كنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة.
وبذلك جمع القصف في مكان واحد أكاديمية ووالدتها وجارتين مسيحيتين وابنًا لإحداهما، في مشهد أظهر أن آلة الحرب لم تميز بين خلفية دينية أو اجتماعية أو مهنية.
وقد شيّع مسيحيون فلسطينيون جثماني ميساء وماري من كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس في البلدة القديمة بمدينة غزة، وسط صلوات وتراتيل وقراءات دينية، فيما نُعيتا من جانب مؤسسات وقيادات كنسية فلسطينية.
خسارة تتجاوز ياسمين
استشهاد ياسمين لا يقف عند حدود قصة امرأة وأم وابنة وأكاديمية، بل يضاف إلى خسارة أوسع يتكبدها قطاع التعليم العالي في غزة منذ بدء الحرب.
ووفق تقرير للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان صدر في 28 سبتمبر/أيلول 2026، وثق مقتل نحو 194 مفكرًا وأكاديميًا وباحثًا في القطاع، إلى جانب أكثر من 830 معلمًا وموظفًا في قطاع التعليم.
وفي توثيق آخر، أشارت مؤسسة “أصدقاء الجامعات الفلسطينية” إلى مقتل أكثر من 246 أكاديميًا وموظفًا جامعيًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم ثلاثة رؤساء جامعات وتسعة عمداء كليات. ويعود الاختلاف بين الرقمين إلى اختلاف الفئات التي تشملها عمليات التوثيق.
ومن بين الأكاديميين الذين فقدهم القطاع رؤساء جامعات وأساتذة وباحثون بارزون، فيما تعرضت مؤسسات التعليم العالي في غزة لدمار واسع أدى إلى تعطيل الدراسة والبحث العلمي، وهو ما وصفه المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بـ”الإبادة التعليمية”.
وهكذا، تنتهي حكاية ياسمين البوبو عند النقطة التي بدأت منها: أمّ وابنتها، علم وبرّ، جامعة وبيت، حياة كرّستها صاحبتها للآخرين، ثم غارة واحدة جمعت الأم بابنتها تحت الركام.
لكن ما بقي من قصتها ليس فقط صورة أكاديمية رحلت في الحرب؛ بل سيرة امرأة حملت العلم والرعاية والمسؤولية العائلية معًا، وظلت تؤدي دورها تجاه طلابها وعائلتها حتى الساعات الأخيرة، قبل أن تتحول شقتها إلى شاهد جديد على كلفة الحرب التي لا تطال الأجساد وحدها، بل تستنزف أيضًا ذاكرة غزة وعقولها وأجيالها القادمة.

