
المركز الفلسطيني للإعلام
بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، أعلن «مجلس السلام» الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعهدات مالية بنحو 18 مليار دولار لإعادة إعمار القطاع، محتفيًا بما وصفه بإنجازات خطته ومستندًا إلى ما تحقق من خطوات سياسية وأمنية خلال العام الأول.
لكن هذه الوعود لا تزال بعيدة عن ترجمتها إلى واقع ملموس؛ إذ لم تبدأ عملية إعادة الإعمار الشاملة، ولا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي تسيطر على مساحات واسعة من القطاع، فيما تتواصل الهجمات وسقوط الشهداء، وتتأخر ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي ونقل الإدارة إلى لجنة فلسطينية، إلى جانب عدم نشر القوة الدولية المقترحة.
وبين الأرقام المعلنة وحجم الكارثة الإنسانية، تتكشف فجوة واسعة بين الخطط المطروحة على المستوى الدولي واحتياجات أكثر من مليوني فلسطيني يحاولون استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة وسط الدمار والنزوح وتدهور الخدمات الأساسية.
تعهدات بالمليارات.. أين التنفيذ؟
في تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية في 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، نقلًا عن هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أُعلن عن تعهدات مالية بنحو 18 مليار دولار لإعادة إعمار غزة.
وقال مسؤول في مجلس السلام إن المرحلة المقبلة تتضمن برنامجًا يمتد ستة أشهر، ويضم 66 مبادرة للتعافي، تشمل إزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وتوفير مساكن مؤقتة، وتنفيذ مشروعات مرتبطة بالبنية التحتية.
وكان المجلس قد أعلن، في تقرير قدمه إلى مجلس الأمن الدولي في مايو/أيار الماضي، أن التعهدات المالية بلغت نحو 17 مليار دولار، مؤكدًا استعداده للانتقال إلى مرحلة التنفيذ بعد استكمال الترتيبات الأمنية والسياسية اللازمة.
كما أعلن، خلال اجتماعه التأسيسي في واشنطن يوم 19 فبراير/شباط 2026، إنشاء صندوق لإعمار غزة وتطويرها بإدارة البنك الدولي، بهدف توفير آلية لتمويل المشروعات والإشراف على تنفيذها.
غير أن الإعلان عن التعهدات وإنشاء الصندوق لا يعني أن الأموال صُرفت بالفعل، أو أن المشروعات بدأت على الأرض.
وأفادت صحيفة «واشنطن بوست»، في تقرير نشرته يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بأن المجلس يمتلك مشروعات معدّة للتنفيذ وموارد أولية، لكن الخلافات مع الحكومة الإسرائيلية بشأن نزع سلاح حركة حماس، ودخول الإدارة الفلسطينية، وترتيبات نشر القوة الدولية، تعرقل الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار.
وتزداد الفجوة وضوحًا عند مقارنة التعهدات بحجم الاحتياجات الفعلية؛ إذ قدّرت المؤسسات الدولية احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار أو أكثر، ما يعني أن المبلغ المعلن، حتى في حال توفيره وصرفه كاملًا، لن يغطي سوى جزء من الكلفة الإجمالية للدمار الذي أصاب القطاع.
ووفق التقييم النهائي السريع للأضرار والاحتياجات الذي أعلنه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بالتعاون مع البنك الدولي في أبريل/نيسان 2026، تبلغ احتياجات التعافي وإعادة الإعمار نحو 71.4 مليار دولار على مدى العقد المقبل، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية وإصلاح البنية التحتية الحيوية ودعم الانتعاش الاقتصادي.
خطة سياسية لم تدخل حيز التنفيذ الكامل
يستند مجلس السلام إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الصادر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والذي أيد الخطة الأمريكية الشاملة بشأن غزة، ورحب بإنشاء المجلس ضمن ترتيبات الإدارة الانتقالية.
كما أجاز القرار إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وتشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى المسؤوليات الإدارية والمدنية في القطاع خلال المرحلة الانتقالية.
وقال المجلس، في تقريره، إن 28 دولة انضمت إلى عضويته، وإنه أحرز تقدمًا في إنشاء الهياكل السياسية والمالية والأمنية اللازمة لتنفيذ الخطة.
وفي 30 يوليو/تموز 2026، نشر المجلس خارطة طريق تضمنت ترتيبات تدريجية لإدارة غزة والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، مع التأكيد على توحيد السلطة والقانون والسلاح في القطاع.
ونصت الوثيقة على وقف العمليات العسكرية واستكمال الانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع الترتيبات الأمنية الفلسطينية والدولية، غير أن الخلافات بشأن هذه الملفات أبقت الانتقال إلى المرحلة التالية متعثرًا.
وتبرز في هذا السياق عقبة أساسية تتمثل في عدم تمكّن اللجنة الوطنية الفلسطينية المكلفة بإدارة الشؤون المدنية والخدمات وإعادة الإعمار من دخول القطاع ومباشرة مهامها من داخله.
وبحسب تقرير نشرته شبكة «الجزيرة» في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تواصل اللجنة، التي يرأسها علي شعث وتضم شخصيات فلسطينية متخصصة، عملها من القاهرة، دون أن تتسلم مسؤولياتها ميدانيًا.
ويتزامن ذلك مع عدم انتشار القوة الدولية المقترحة، واستمرار الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
وبذلك، لا يقتصر التعثر على تأخر أعمال البناء، بل يمتد إلى طبيعة الجهة التي ستدير عملية التعافي، والظروف السياسية والأمنية التي ستسمح بتنفيذها، ومدى قدرة الفلسطينيين على استعادة إدارة شؤونهم المدنية في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية.
عام على الاتفاق.. الاحتلال يواصل السيطرة والهجمات
في مقابل الخطاب السياسي الذي يقدّم الاتفاق باعتباره محطة تاريخية، لا تزال الوقائع الميدانية تكشف محدودية التغيير الذي طرأ على حياة الفلسطينيين.
ففي بيان بمناسبة مرور عام على بدء تنفيذ الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أشاد مجلس السلام بدور ترامب وفريقه، وفي مقدمتهم جاريد كوشنر والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية ماركو روبيو، في التوصل إلى الاتفاق ووضع إطار سياسي وأمني لمستقبل القطاع.
واعتبر المجلس أن العام الأول شهد استكمال ملف الأسرى الإسرائيليين، وإنشاء آليات دولية للإدارة الانتقالية، ووضع خطط للتعافي وإعادة الإعمار.
لكن تقارير لوكالتي «رويترز» و«أسوشيتد برس» بمناسبة الذكرى الأولى أظهرت فجوة بين الأهداف المعلنة والواقع، في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وتعثر الانسحاب وإعادة الإعمار.
وبحسب تقرير لـ«رويترز» نُشر في 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو ثلثي مساحة القطاع، فيما أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء الاتفاق عن استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني، وفق بيانات السلطات الصحية في غزة.
وأشارت «أسوشيتد برس» إلى أن الاتفاق أوقف العمليات العسكرية الكبرى وأتاح استكمال تبادل الأسرى، لكنه لم يحقق استقرارًا دائمًا، في ظل استمرار الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية والإدارة الفلسطينية ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي.
وعلى الصعيد الإنساني، ورغم التحسن النسبي في دخول المساعدات مقارنة بفترات الحرب السابقة، لا يزال أكثر من مليون فلسطيني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وفق التقرير المشار إليه في المادة الأصلية.
كما يعيش أعداد كبيرة من السكان في الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، وسط دمار واسع طال المنازل والمرافق الصحية والتعليمية وشبكات المياه والصرف الصحي.
ولم يترافق وقف إطلاق النار مع انسحاب إسرائيلي كامل أو إطلاق عملية إعمار شاملة، فيما لا تزال عائلات نازحة تواجه صعوبات في العودة إلى مناطقها واستعادة مساكنها ومصادر رزقها.
خلافات حول الإدارة ومستقبل الدور الفلسطيني
لا تتوقف التحديات أمام تنفيذ الخطة عند التمويل والانسحاب، بل تشمل أيضًا الخلافات بشأن طبيعة الإدارة المقبلة للقطاع، ودور القوى الفلسطينية، وآليات الإشراف الدولي.
وفي مسعى لتأكيد الدعم الدولي للخطة، استشهد مجلس السلام بموقف وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، التي دعت إلى التعامل مع خطة ترامب باعتبارها إطارًا يمكن البناء عليه لدفع الأطراف نحو التنفيذ، رغم تحفظاتها على بعض جوانبها.
وفي مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في 18 يونيو/حزيران الماضي، اعتبرت كلينتون أن خطة النقاط العشرين توفر إطارًا يجمع النفوذ السياسي والموارد المحتملة لدفع الأطراف نحو التنفيذ، ودعت الحكومات الأوروبية والقوى الدولية إلى المشاركة في تطويرها بدل الابتعاد عنها.
لكنها أقرت بوجود اعتراضات تتعلق بآليات الحكم الفلسطيني والتمثيل السياسي وطبيعة الإدارة الدولية المقترحة، ما يعني أن موقفها لا يمثل تأييدًا غير مشروط لجميع بنود الخطة، ولا يبدد الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي والإدارة الفلسطينية وإعادة الإعمار.
وتبقى مسألة تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم بأنفسهم اختبارًا أساسيًا لأي ترتيبات انتقالية، في ظل الحاجة إلى إعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وإزالة الركام، وإعادة بناء المنازل والبنية التحتية.
استبعاد «أونروا» يثير تساؤلات بشأن الخدمات
ومن الملفات التي تثير تساؤلات بشأن مستقبل التعافي في غزة موقف مجلس السلام من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، في وقت لا يزال فيه السكان بحاجة ماسة إلى خدماتها في التعليم والصحة والإغاثة.
ونقلت «فوكس نيوز» عن منشور للمجلس على منصة «إكس» موقفًا يستبعد التعاون مع الوكالة، استنادًا إلى اتهامات تتعلق بمدى استيفائها المعايير التي يعتمدها المجلس لشركائه.
وتظل هذه الاتهامات تعبيرًا عن موقف المجلس، ولا تمثل بحد ذاتها إثباتًا بحق الوكالة أو العاملين فيها دون نتائج تحقيقات مستقلة.
ويثير استبعاد «أونروا» تساؤلات بشأن الجهات التي ستتولى تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، ودور الوكالة في التعافي وإعادة تشغيل المرافق، في وقت تتطلب فيه احتياجات القطاع تنسيقًا واسعًا وموارد كبيرة ووصولًا مستقرًا إلى السكان.
بين الأرقام المعلنة واحتياجات غزة
بعد عام على الاتفاق، يركز مجلس السلام على استكمال ملف الأسرى الإسرائيليين، وتأسيس مؤسساته، وحشد التعهدات المالية، والحصول على دعم سياسي دولي، باعتبارها خطوات تمهد لمرحلة جديدة.
لكن الأهداف الأكثر ارتباطًا بحياة الفلسطينيين لم تتحقق بعد؛ فالانسحاب الإسرائيلي الكامل لم يُنجز، وإعادة الإعمار الشاملة لم تبدأ، واللجنة الفلسطينية لم تتسلم إدارة القطاع من داخله، والقوة الدولية المقترحة لم تنتشر، فيما لا يزال السكان يواجهون آثار الدمار والنزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية.
ويظل تنفيذ الخطة في عامها الثاني مرهونًا بتحويل التعهدات والقرارات إلى خطوات ملموسة، تسمح بإدخال مواد البناء والمعدات، وإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وإعادة بناء المنازل والمرافق، وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم.
وبين احتفاء مجلس السلام بالذكرى الأولى واستمرار المعاناة في غزة، لا تقاس جدوى الاتفاق بعدد الاجتماعات أو قيمة التعهدات المالية المعلنة، بل بمدى قدرته على إنهاء الهجمات، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، وإعادة بناء المنازل والخدمات الأساسية، واستعادة الفلسطينيين قدرتهم على إدارة حياتهم ومستقبلهم.
فحتى تتحول مليارات الدولارات من أرقام معلنة إلى مساكن ومرافق وخدمات ومصادر رزق، وتتحول القرارات السياسية إلى واقع ينهي السيطرة العسكرية ويمنح الفلسطينيين حقهم في إدارة شؤونهم، ستظل وعود التعافي وإعادة الإعمار معلقة بين الورق والواقع، وسيظل السلام المعلن عاجزًا عن تحقيق مضمونه على الأرض.
