
المركز الفلسطيني للإعلام
تتواصل التداعيات الاقتصادية للعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتلقي بظلال ثقيلة على الضفة الغربية، حيث تتفاقم البطالة وتتراجع الأنشطة الإنتاجية والتجارية والزراعية، بفعل حرمان عشرات آلاف العمال من العمل في أراضي عام 1948، وتشديد القيود على الحركة، واحتجاز أموال المقاصة، وتصاعد اعتداءات المستعمرين وعمليات الهدم والاستيلاء على الأراضي.
وخلال ثلاثة أعوام، انتقلت الأزمة من فقدان فرص العمل وتراجع دخل الأسر إلى استهداف أوسع لمقومات الاقتصاد الفلسطيني، مع ارتفاع تكاليف النقل، وتراجع السيولة في الأسواق، وتضرر المنشآت والأراضي الزراعية، وتقلص الثروة الحيوانية، في مشهد يهدد مصادر رزق آلاف العائلات ويعمّق هشاشة الاقتصاد في الضفة الغربية.
العمال.. ثلاث سنوات من البطالة وضيق المعيشة
منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، فقد العامل باسم ياسين، من شمال الضفة الغربية، عمله في أراضي عام 1948، شأنه شأن آلاف العمال الفلسطينيين الذين انقطعت مصادر دخلهم مع تشديد القيود الإسرائيلية على دخولهم إلى أماكن عملهم.
ويقول ياسين إنه يكابد يوميًا لتأمين احتياجات أبنائه، في ظل عجزه عن الحصول على فرصة عمل ثابتة، الأمر الذي دفعه إلى التوجه نحو العمل الزراعي في الأغوار، لكنه لم يجد فيه بديلًا مستقرًا، إذ لا تتاح له سوى أيام عمل متقطعة، بفعل تراجع القطاع الزراعي والإغلاقات المتكررة للحواجز التي تعيق الوصول إلى أماكن العمل.
ويضيف أن السنوات الثلاث الماضية حوّلت تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته إلى معاناة يومية، إذ بالكاد يتمكن من توفير مبالغ محدودة لشراء ما يلزمها من مستلزمات المعيشة.
وتعكس هذه الحالة أزمة عشرات آلاف العمال الذين فقدوا وظائفهم، دون أن يجدوا بدائل قادرة على تعويض دخولهم السابقة، في وقت تتراجع فيه فرص العمل داخل الضفة الغربية وتتقلص قدرة القطاعات الاقتصادية على استيعاب الأيدي العاملة.
ووفق بيانات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، الصادرة مطلع تموز/يوليو الماضي، ارتفع عدد العاطلين عن العمل في فلسطين خلال ألف يوم من العدوان إلى نحو 570 ألفًا من أصل 1.4 مليون شخص ضمن القوى العاملة، فيما تجاوزت الخسائر الاقتصادية للعمال 10 مليارات دولار، وقدرت الخسائر الشهرية بنحو 1.35 مليار شيقل.
وأشار الاتحاد إلى استشهاد 52 عاملًا فلسطينيًا أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم أو خلال وجودهم فيها، إلى جانب تسجيل أكثر من 38 ألف حالة اعتقال لعمال فلسطينيين خلال الفترة ذاتها.
وبحسب البيانات نفسها، بلغت البطالة نحو 80% في قطاع غزة و38% في الضفة الغربية، بما يعكس اتساع الأزمة وتراجع قدرة الاقتصاد الفلسطيني على توفير فرص العمل ومصادر الدخل.
شلل الأسواق وتراجع القدرة الشرائية
ولا تقتصر التداعيات على العمال وأسرهم، بل تمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد، من التجارة والخدمات إلى الصناعة والزراعة، في ظل تراجع الاستهلاك المحلي وانحسار السيولة وارتفاع كلفة النشاط الاقتصادي.
ويؤكد رئيس اتحاد الغرف التجارية الصناعية الزراعية الفلسطينية، عبده إدريس في تصريح صحفي، أن الاقتصاد في الضفة الغربية يمر بأسوأ أوضاعه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، موضحًا أن فقدان عمال أراضي عام 1948 مصادر رزقهم حرم الأسواق الفلسطينية من نحو مليار ونصف المليار شيقل شهريًا، كان هؤلاء العمال يضخونها في الاقتصاد المحلي.
ويفاقم احتجاز سلطات الاحتلال أموال المقاصة الأزمة، وفق إدريس، إذ ينعكس على قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين العموميين، ويضعف قدرتهم الشرائية، فضلًا عن تراكم مستحقات القطاع الخاص لدى الحكومة وتراجع السيولة المتاحة للمؤسسات والشركات.
كما أسهمت إغلاقات الحواجز والبوابات العسكرية في تعطيل حركة المواطنين والعمال والبضائع، ورفع تكاليف النقل بنسبة 20%، بحسب إدريس، الأمر الذي يضيف أعباء جديدة على التجار والمصنعين والمزارعين، ويحد من قدرتهم على إيصال منتجاتهم إلى الأسواق.
وأظهر مسح ميداني أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في كانون الأول/ديسمبر 2025، وجود 925 عائقًا أمام الحركة في الضفة الغربية، بزيادة بلغت 43% مقارنة بالمتوسط السنوي خلال العقدين السابقين.
ولا تقف آثار هذه القيود عند التنقل داخل الضفة، بل تمتد إلى حركة التجارة مع الأردن وأراضي عام 1948، في حين تزيد عمليات هدم المنشآت الاقتصادية والزراعية واعتداءات المستعمرين من حجم الخسائر، وتدفع مزيدًا من أصحاب الأعمال إلى التعثر المالي والعجز عن الوفاء بالتزاماتهم.
وتكشف هذه المعطيات عن أزمة مترابطة تتجاوز تراجع المبيعات والإنتاج، إذ تؤدي خسارة العمال لدخولهم إلى انكماش الاستهلاك، بينما ترفع القيود تكاليف الإنتاج والنقل، وتؤدي أزمة السيولة إلى إضعاف قدرة المؤسسات على الاستمرار، بما يضيّق فرص التعافي الاقتصادي.
الزراعة.. استهداف الأراضي ومصادر الغذاء
يُعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تضررًا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بفعل القيود الإسرائيلية التي تعيق وصول المزارعين إلى أراضيهم وتسويق منتجاتهم، إلى جانب الاستيلاء على الأراضي وتجريفها، وهدم المنشآت الزراعية، واعتداءات المستعمرين المتواصلة.
ويشير مدير دائرة زراعة الأغوار الشمالية، عمر صوافطة، إلى أن الزراعة تمثل رافدًا أساسيًا للاقتصاد الفلسطيني، لكنها تكبدت خسائر متزايدة نتيجة تحويل أراضٍ إلى مناطق عسكرية مغلقة أو الاستيلاء عليها لصالح المشاريع الاستعمارية، فضلًا عن صعوبة الوصول إلى الأراضي وإخراج المنتجات إلى الأسواق.
ويضيف لمراسلنا أن عمليات الهدم طالت منشآت زراعية عديدة، بينها الدفيئات والآبار، بالتزامن مع تجريف الأراضي وتقطيع شبكات المياه، ما أدى إلى تراجع المساحات المستغلة زراعيًا وإضعاف قدرة المزارعين على مواصلة الإنتاج.
ويبرز سهل البقيعة جنوب شرقي طوباس مثالًا على حجم الاستهداف الذي يتعرض له القطاع الزراعي، إذ تواصل سلطات الاحتلال منذ مطلع العام الجاري تجريف مساحات واسعة في منطقتي عاطوف وسهل البقيعة، ضمن المشروع الاستعماري المعروف باسم «الخيط القرمزي»، الذي يستهدف شق طريق عسكري وإقامة جدار فاصل على أراضي طوباس والأغوار الشمالية.
وبحسب معطيات المجلس القروي في عاطوف، أدت عمليات التجريف وتقطيع خطوط المياه إلى جفاف محاصيل زراعية وإتلافها على مساحة 30 ألف دونم من السهل، أي ما يعادل ثلث مساحته البالغة 96 ألف دونم.
ولا يقتصر الضرر على الإجراءات العسكرية والاستيطانية المباشرة، بل يمتد إلى اعتداءات المستعمرين الذين يتعمدون إتلاف المحاصيل، ولا سيما الحقلية، عبر إطلاق مواشيهم في الأراضي المزروعة.
ويوضح صوافطة أن قرابة 20 ألف دونم من الأراضي الزراعية في الأغوار الشمالية تعرضت خلال العامين الماضيين للإتلاف بهذه الطريقة، في وقت تتوسع فيه البؤر الاستعمارية الرعوية قرب المناطق الزراعية، وتُستخدم لمنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها واستغلالها.
ومن الأمثلة على ذلك سهل قاعون التابع لقرية بردلة، حيث أقام مستعمرون بؤرة استعمارية قربه قبل نحو ثلاثة أعوام، ومنذ ذلك الحين حُرم المزارعون من استغلال السهل وزراعته، ما أدى إلى تعطيل مصدر دخلهم وتقويض النشاط الزراعي في المنطقة.
الثروة الحيوانية.. خسارة أكثر من نصف القطعان
وامتدت الخسائر إلى الثروة الحيوانية، بفعل التهجير القسري المتصاعد للتجمعات البدوية والرعوية في الأغوار، تحت وطأة اعتداءات المستعمرين المدعومة من قوات الاحتلال، وما يرافقها من تضييق على الرعاة ومصادرة مقومات معيشتهم.
وبحسب معطيات المجلس القروي في المالح والمضارب البدوية، كانت الأغوار الشمالية تضم 20 تجمعًا بدويًا ورعويًا، هُجّر ثمانية منها كليًا أو جزئيًا نتيجة تصاعد عنف المستعمرين.
ويشير صوافطة إلى أن الأغوار الشمالية فقدت أكثر من 40% من إنتاجها الزراعي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بالتزامن مع تراجع حاد في أعداد الثروة الحيوانية؛ إذ انخفض عدد الأغنام من نحو 30 ألف رأس إلى 17 ألفًا، فيما تراجع عدد الأبقار من قرابة ألفي رأس إلى 500 فقط.
وتعكس هذه الأرقام حجم الضربة التي أصابت أحد أهم مصادر الغذاء والدخل في المنطقة، التي تشكل سلة الغذاء الفلسطينية، خصوصًا أن القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني كان يعاني أصلًا من تراجع تراكمي بفعل السياسات الإسرائيلية على مدى عقود، قبل أن تتفاقم خسائره بصورة غير مسبوقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
الاستيطان والهدم.. استنزاف مقومات الاقتصاد
وتكشف بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن اتساع نطاق الاستهداف الذي طال الأراضي والممتلكات ومقومات الإنتاج في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع تصاعد التوسع الاستيطاني.
ووفق البيانات، أُقيمت 211 بؤرة استعمارية جديدة، واستولت سلطات الاحتلال على نحو 64 ألف دونم من الأراضي، في تطور يضيّق المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين لممارسة أنشطتهم الزراعية والاقتصادية، ويزيد الضغوط على التجمعات السكانية والرعوية.
كما وثقت الهيئة تنفيذ 1814 عملية هدم طالت 5059 منشأة، بينها منشآت سكنية وزراعية واقتصادية، ما ألحق خسائر مباشرة بالممتلكات وأضعف قدرة أصحابها على مواصلة العمل والإنتاج.
وفي القطاع الزراعي، رصدت الهيئة اعتداءات طالت نحو 147 ألف شجرة، بينها قرابة 100 ألف شجرة زيتون، تعرضت للاقتلاع والتجريف والحرق والتخريب، الأمر الذي يهدد مصادر دخل الأسر التي تعتمد على الزراعة، ويحرم المزارعين من عوائد محاصيلهم لسنوات.
وتتجاوز آثار هذه الاعتداءات قيمة الممتلكات المتضررة، إذ يؤدي تدمير الأشجار والمنشآت وشبكات المياه إلى تقويض البنية الإنتاجية للقرى والتجمعات الفلسطينية، ويزيد كلفة استعادة النشاط الزراعي، فيما يسهم الاستيلاء على الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية في تقليص المساحات المتاحة للزراعة والرعي.
وبذلك، تتداخل البطالة مع تراجع الإنتاج والاستيطان وإغلاق الحواجز واحتجاز أموال المقاصة، لتشكل أزمة اقتصادية واسعة تتجاوز آثارها السنوات الثلاث الماضية، وتهدد قدرة قطاعات أساسية على التعافي والاستمرار.
وفي ظل استمرار هذه السياسات، يجد العمال والمزارعون وأصحاب المنشآت أنفسهم أمام مصادر دخل تتآكل وفرص عمل تتقلص وتكاليف تتزايد، بينما تتعرض مقومات الاقتصاد الفلسطيني لمزيد من الاستنزاف، بما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين ويضعف قدرة الأسواق المحلية على استعادة نشاطها.
