
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
لم يعد الجدل بشأن ما جرى ويجري في قطاع غزة مقتصراً على صور الدمار وأعداد الضحايا، إذ يأخذ فيلم وثائقي جديد النقاش إلى داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية نفسها، عبر شهادات 24 ضابطاً وجندياً ومطلعاً على عمل أجهزة الاستخبارات، يكشفون تفاصيل عن أنظمة الاستهداف وآليات اتخاذ القرار خلال الحرب على القطاع.
ويعرض فيلم «NAZA» الذي أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، شهادات مطولة لمشاركين في العمليات العسكرية والاستخبارية الصهيونية، تحدثوا عن أنظمة وتقنيات استخدمت في تعقب الفلسطينيين وتحديد الأهداف، وعن معرفة مسبقة بوجود مدنيين في عدد من المواقع التي تعرضت للقصف.
وعُرض الفيلم ضمن منافسات مهرجان البندقية السينمائي الدولي، حيث كان الفيلم الوثائقي الوحيد المتنافس على جائزة الأسد الذهبي، وحظي باستقبال لافت من الجمهور، إذ استمر التصفيق بعد عرضه نحو 25 دقيقة، بحسب تقارير إعلامية.
ما الذي يكشفه الفيلم؟
تكمن أهمية «NAZA» في أنه لا يبدأ من أنقاض المنازل أو من شهادات الناجين، بل من الطرف الآخر للعملية العسكرية، من الأشخاص الذين شاركوا، وفق الفيلم، في جمع المعلومات وتحديد الأهداف ومراقبة الفلسطينيين قبل استهدافهم.
وتحدث المشاركون عن استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات ضخمة من البيانات وتحديد أهداف عسكرية محتملة، إلى جانب استخدام اختراق الهواتف ومراقبة الاتصالات لتحديد مواقع الأشخاص المستهدفين.
وبحسب الشهادات التي يقدمها الفيلم، كانت بعض عمليات القصف تستهدف منازل أشخاص يُصنّفون على أنهم أهداف عسكرية، مع معرفة أن عائلاتهم موجودة داخلها، وأن الهجوم قد يؤدي إلى مقتل أفراد الأسرة أيضاً.
وهنا ينتقل الفيلم من سؤال من قُتل؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: من كان يعرف بوجود هؤلاء المدنيين قبل القصف، وكيف دخلت حياتهم في حسابات العملية العسكرية؟
ولا يقدم الفيلم ما جرى باعتباره سلسلة من الأخطاء الفردية أو تجاوزات ارتكبها جنود منفردون، بل يحاول تفكيك منظومة أوسع تضم الأوامر والسياسات وقواعد الاشتباك واللغة المستخدمة داخل المؤسسة العسكرية لتوصيف الضحايا والخسائر المدنية.
المدنيون كأرقام في منظومة الاستهداف
من أبرز ما يلفت في شهادات الفيلم الحديث عن تقدير أعداد المدنيين الذين يمكن أن يسقطوا خلال بعض الهجمات، وتحويل وجودهم إلى عنصر ضمن حسابات العمليات العسكرية.
ويرتبط اسم الفيلم نفسه باختصار عسكري يُستخدم للإشارة إلى المدنيين المتوقع قتلهم خلال هجوم ما، وهو ما يمنح العنوان دلالته السياسية والأخلاقية: كيف يمكن أن تتحول حياة المدنيين إلى أرقام تدخل في حسابات تنفيذ الضربة؟
وتتضمن الشهادات أيضاً روايات عن تدمير أحياء مع معرفة الجيش بأن مدنيين ما زالوا يحتمون داخل منازلهم، إلى جانب الحديث عن حرق منازل مدنية وقتل فلسطينيين في موقع لتوزيع المواد الغذائية.
وتضع هذه الإفادات الحرب في غزة أمام سؤال يتجاوز حجم القوة المستخدمة إلى طبيعة المنظومة التي أنتجت قرارات القصف، وما إذا كان سقوط المدنيين يمثل نتيجة غير مقصودة أم خسائر كانت معروفة ومحتسبة مسبقاً في بعض الحالات.
ثلاث سنوات للوصول إلى المطلعين
استغرق إعداد الفيلم سنوات من العمل الصحفي والتحقيقي، مستنداً إلى تحقيقات نشرتها صحيفة الغارديان ومجلة +972 وموقع Local Call بشأن أساليب الاستهداف الصهيوني في غزة.
وصُورت مقابلات المشاركين في ظروف أمنية مشددة، ليلاً وعلى أسطح منازل في تل أبيب، مع إخفاء هوياتهم وتعديل أصواتهم وصورهم رقمياً، خشية تعرضهم لعواقب بسبب تحدثهم عن أنشطة الجيش والاستخبارات.
ويقول المخرج يوفال أبراهام، إن فريق الفيلم طلب من هؤلاء الأشخاص ببساطة أن يشرحوا ما فعلوه، وكيف تعمل الأنظمة التي استخدمت خلال الحرب، وبحسب روايته، جاءت الإجابات أحياناً من دون إبداء الندم، وأحياناً أخرى مصحوبة بشعور بالندم، فيما تحدث بعض المشاركين بلامبالاة وآخرون بنبرة فخر.
وبين هؤلاء أشخاص عملوا في وحدات استخبارية صهيونية شديدة السرية، بينها وحدة قال أحد المشاركين فيها إن مهمتها كانت “إحباط السلام”.
من “جنود مارقين” إلى منظومة كاملة
يصر أبراهام وزور على أن فيلمهما لا يبحث عن حالات فردية لجنود ارتكبوا تجاوزات خلال الحرب، وإنما عن النظام الذي جعل هذه الممارسات ممكنة.
ويقول المخرجان إنهما أرادا فحص الأنظمة التي تقف وراء قتل المدنيين الفلسطينيين، والأوامر والسياسات والممارسات واللغة والمنطق الذي يحكمها.
وهذه الزاوية هي الأكثر أهمية في الفيلم، إذ تنقل النقاش بشأن الانتهاكات الصهيونية في غزة من مستوى الجريمة الفردية إلى مستوى المسؤولية المؤسسية.
فإذا كانت عملية الاستهداف تمر عبر سلسلة من المراحل تبدأ بجمع المعلومات وتنتهي بإسقاط القنبلة، فإن السؤال لا يتوقف عند الجندي الذي ينفذ الضربة، بل يمتد إلى من يحدد الهدف، ومن يقدّر وجود المدنيين، ومن يحدد الخسائر المقبولة، ومن يوافق على العملية.
وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات الصهيونية أهميتها، ليس لأنها وحدها تكفي لإثبات مسؤولية جنائية، وإنما لأنها تقدم روايات من داخل المؤسسة العسكرية يمكن مقارنتها بالوقائع الميدانية والوثائق والتحقيقات الحقوقية والصحفية الأخرى.
التكنولوجيا لا تلغي المسؤولية
يفتح الفيلم كذلك ملفاً بالغ الحساسية بشأن الدور المتنامي للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الحرب، فإدخال الخوارزميات والأنظمة الآلية في تحديد الأهداف لا يعني أن المسؤولية تنتقل إلى الآلة، بل يطرح سؤالاً حول الأشخاص والمؤسسات التي تصمم هذه الأنظمة، وتحدد معاييرها، ثم تستخدم مخرجاتها لاتخاذ قرارات قد تنتهي بقتل مدنيين.
وفي حالة غزة، يكتسب الأمر حساسية مضاعفة بسبب الكثافة السكانية العالية، ووجود أعداد كبيرة من النازحين والمدنيين في مناطق العمليات.
ومن ثم، فإن استخدام التكنولوجيا في الحرب لا يحسم النقاش بشأن المسؤولية، بل يجعله أكثر تعقيداً: كلما أصبحت عملية القتل أكثر آلية، من يظل مسؤولاً عن القرار؟
استقبال دولي
لم يمر العرض الأول لـ«NAZA» بهدوء، فقد تلقى الفيلم تصفيقاً استمر قرابة 25 دقيقة، فيما رفع بعض الحاضرين الأعلام الفلسطينية، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الدولي بالحرب على غزة وبالجهود الرامية إلى توثيق ما حدث داخل القطاع.
ووصف المدير الفني لمهرجان البندقية ألبرتو باربيرا الفيلم بأنه عمل سياسي مثير للجدل ومهم من الناحية السينمائية، مشيراً إلى السنوات التي استغرقها إقناع الضباط والمطلعين الصهاينة بالحديث عن عملهم خلال الحرب.
أما صحيفة “الغارديان”، التي شاركت في إنتاج الفيلم، فتقدمه باعتباره خلاصة سنوات من التحقيق في الأنظمة التي استخدمتها الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
يحاول «NAZA» بذلك تغيير زاوية النظر إلى الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بتوثيق ما خلّفته الغارات من قتل ودمار، يسعى إلى الاقتراب من المسافة الفاصلة بين المعلومة والهدف والقنبلة.
وهذه المسافة هي تحديداً ما يجعل الفيلم مهماً في سياق النقاش حول جرائم الحرب المحتملة في غزة؛ إذ يضع أمام الرأي العام شهادات من أشخاص يقولون إنهم كانوا جزءاً من المنظومة التي أنتجت قرارات الاستهداف، ويتيح مقارنتها بما وثقته المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام من وقائع على الأرض.
ولا تنحصر أهمية الفيلم في الكشف عن واقعة أو نظام تقني بعينه، وإنما في محاولته الإجابة عن سؤال أكبر، هل كان قتل المدنيين في غزة استثناءً فرضته ظروف الحرب، أم أن بعض آلياته أُدمجت في طريقة إدارة الحرب نفسها؟
وفي النهاية، يضع «NAZA» المشاهد أمام صورة مختلفة للحرب: ليست فقط قنابل تسقط على المنازل، وإنما منظومة تبدأ خلف شاشات وأجهزة استخبارية، وتتحول قراراتها في غزة إلى قتلى وبيوت مدمرة وأحياء تختفي من الخريطة.

