
المركز الفلسطيني للإعلام
بعد عام على استشهاده، لا يزال اسم أبو عبيدة حاضرًا في المشهد الفلسطيني والإسرائيلي، بعدما ارتبط لأكثر من عقدين بالإعلام العسكري لكتائب القسام، وتحول ظهوره إلى أحد أبرز ملامح المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.
لم يكن أبو عبيدة مجرد متحدث عسكري يظهر في أوقات التصعيد، فقد ارتبط اسمه بالبيانات التي رافقت العمليات العسكرية، وبالرسائل التي وجهتها كتائب القسام إلى الجمهور الفلسطيني والإسرائيلي، وبخطاب المقاومة خلال محطات مفصلية من الصراع.
ومنذ ظهوره الأول في عام 2004، حافظ أبو عبيدة على هويته خلف الكوفية الحمراء واللثام، بينما أصبح صوته وطريقة ظهوره جزءًا من شخصيته الإعلامية. ومع مرور السنوات، تحول الاسم المستعار إلى علامة مرتبطة بالإعلام العسكري لكتائب القسام.
ومع اندلاع معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، اتسع نطاق حضوره. أصبحت خطاباته وبياناته مادة رئيسية في تغطية الحرب، وتابعتها وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والإسرائيلية، خصوصًا عندما كانت تتعلق بالعمليات العسكرية والأسرى والمفاوضات.
أبو عبيدة.. صوت المقاومة خلال عقدين
امتدت مسيرة أبو عبيدة داخل منظومة الإعلام العسكري لكتائب القسام أكثر من 20 عامًا. بدأ ظهوره خلال معركة أيام الغضب في أكتوبر 2004، قبل أن يصبح الناطق باسم الكتائب والوجه الإعلامي الأبرز لها.
خلال تلك السنوات، تولى إعداد وصياغة البيانات العسكرية، وشارك في بناء خطاب إعلامي يواكب العمليات الميدانية. وتدرج في منظومة الإعلام العسكري حتى تولى قيادة دائرة الإعلام العسكري عام 2017.
اعتمد الخطاب الذي قدمه على الجمع بين الإعلان عن العمليات العسكرية وتوجيه الرسائل السياسية والنفسية. وكان توقيت ظهوره مرتبطًا في كثير من الأحيان بتطورات ميدانية أو سياسية تتطلب موقفًا معلنًا من كتائب القسام.
هذا التداخل بين الميدان والإعلام منح خطابه أهمية خاصة. فالإعلان عن عملية عسكرية أو أسر جنود أو موقف من مفاوضات تبادل الأسرى كان يصل إلى الجمهور عبر خطاب محسوب في توقيته ومضمونه.
من مخيم جباليا إلى قيادة الإعلام العسكري
ولد حذيفة سمير الكحلوت، المعروف باسم أبو عبيدة، في السعودية في 11 فبراير 1985، لعائلة فلسطينية تعود أصولها إلى قرية نعليا المهجرة عام 1948.
عاد مع عائلته إلى قطاع غزة، واستقر في مخيم جباليا شمال القطاع، حيث تلقى تعليمه قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية في غزة لدراسة الشريعة.
نشأ في بيئة دينية وحركية، وشارك في النشاط الدعوي والتنظيمي خلال سنوات شبابه. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى، انخرط في صفوف حركة حماس، ثم انتقل إلى العمل ضمن كتائب القسام.
ارتبط اسمه لاحقًا بالعمل العسكري والإعلامي، وتولى أدوارًا داخل منظومة الإعلام العسكري، قبل أن يصبح الناطق باسم الكتائب وأحد أبرز الشخصيات المرتبطة بها.
أبو عبيدة والعمل العسكري
إلى جانب دوره الإعلامي، ارتبط أبو عبيدة بالعمل العسكري داخل كتائب القسام، وشارك في مواجهة التوغلات الإسرائيلية في شمال قطاع غزة.
وتشير الرواية التي قدمتها كتائب القسام عن مسيرته إلى أنه عمل في المجال العسكري قبل انتقاله إلى موقعه الإعلامي، وشارك في أنشطة مرتبطة بالمقاومة خلال سنوات الانتفاضة وما تلاها.
هذا المسار منح خطابه لاحقًا معرفة مباشرة بطبيعة العمل العسكري، وهو ما ظهر في طريقة تناوله للعمليات والتطورات الميدانية.
الكوفية الحمراء واللثام
لم تكن هوية أبو عبيدة البصرية منفصلة عن دوره الإعلامي. فقد ظهر طوال سنواته بالكوفية الحمراء واللثام، من دون الكشف عن ملامحه.
أسهم ذلك في بناء شخصية إعلامية تقوم على الصوت والرسالة بدل الصورة الشخصية. ومع الوقت، أصبحت الكوفية واللثام جزءًا من الصورة التي ارتبط بها الناطق باسم القسام.
كان ظهوره أمام الكاميرا مختلفًا عن نمط المتحدثين التقليديين. لم يكن الجمهور يرى وجهه، لكنه كان يعرف صوته ونبرته وطريقة حديثه.
وهكذا تحول الصوت إلى عنصر رئيسي في هوية شخصية لم يعرف الجمهور ملامحها.
أبو عبيدة في طوفان الأقصى
مع بدء عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، دخل أبو عبيدة مرحلة مختلفة من حضوره الإعلامي.
ظهر في بيانات متتالية للحديث عن العمليات العسكرية التي نفذتها كتائب القسام، وأعلن مواقفها من ملف الأسرى الإسرائيليين، وتحدث عن تطورات المعارك في قطاع غزة.
في اليوم الأول من العملية، أعلن عن أسر عدد من جنود الاحتلال، لتصبح قضية الأسرى واحدة من أكثر الملفات التي ارتبطت بخطابه خلال الحرب.
لاحقًا، تناول في خطاباته عمليات المقاومة ضد القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، وأعلن عن مواقف الكتائب من المفاوضات وصفقات تبادل الأسرى.
كما وجه رسائل إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، وتحدث عن الوضع الإنساني في غزة، وعن صمود السكان تحت القصف والحصار.
خطاب ينتظره الفلسطينيون ويراقبه الاحتلال
تحول ظهور أبو عبيدة إلى حدث إعلامي بحد ذاته. كان الفلسطينيون يتابعون خطاباته بحثًا عن معلومات حول تطورات المعركة، بينما كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تترقب بياناته وتنقل أجزاء منها وتحلل مضمونها.
ارتبط ذلك بطبيعة البيانات التي كان يقدمها، خصوصًا عندما تتضمن إعلانًا عن عمليات عسكرية أو معلومات تتعلق بالأسرى الإسرائيليين.
وأصبح خطابه جزءًا من الحرب الإعلامية والنفسية بين المقاومة والاحتلال. فالكلمة لم تكن منفصلة عن الميدان، بل كانت تأتي في كثير من الحالات بعد حدث عسكري أو بالتزامن معه.
أكثر من متحدث عسكري
على مدار سنوات ظهوره، تحول أبو عبيدة من ناطق باسم كتائب القسام إلى شخصية إعلامية ذات حضور واسع.
ساعده ثبات صورته الإعلامية على ترسيخ شخصية يعرفها الجمهور من خلال الصوت واللثام والكوفية وطريقة الخطاب.
كما ارتبط اسمه بخطاب المقاومة خلال مراحل مختلفة، من انتفاضة الأقصى إلى الحروب المتكررة على قطاع غزة، وصولًا إلى الحرب التي أعقبت طوفان الأقصى.
وبذلك أصبح أرشيف خطاباته جزءًا من أرشيف الصراع نفسه، بما يتضمنه من بيانات عسكرية ومواقف سياسية ورسائل موجهة إلى أطراف متعددة.
الملاحقة والغياب
عاش أبو عبيدة سنوات عمله في ظل ملاحقة إسرائيلية بسبب دوره في الإعلام العسكري لكتائب القسام.
وخلال حرب غزة، تكرر غيابه عن المشهد الإعلامي، قبل أن يعود في مناسبات ارتبطت بتطورات عسكرية أو سياسية.
وكان غيابه الطويل يلفت الانتباه، خصوصًا لدى جمهور اعتاد ظهوره في مراحل التصعيد.
وفي الفترة الأخيرة من الحرب، غاب أبو عبيدة لأكثر من ثلاثة أشهر، قبل أن يظهر في خطابه الأخير.
الخطاب الأخير لأبو عبيدة
في 18 يوليو 2025، ظهر أبو عبيدة للمرة الأخيرة. جاء الخطاب في مرحلة تصاعدت فيها الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، واشتدت فيها أزمة الجوع والحصار، بينما استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ركز خطابه على مسؤولية الدول العربية والإسلامية والقوى السياسية والنخب تجاه ما يجري في غزة، ووجه انتقادات إلى ما اعتبره تخليًا عن الشعب الفلسطيني.
وقال في خطابه إن مسؤولية مواجهة الاحتلال لا تقع على المقاومة وحدها، بل تشمل الأمة العربية والإسلامية، مستنكرًا استمرار قتل المدنيين وتجويع سكان القطاع.
وحمل الخطاب في مضمونه رسالة سياسية إلى القيادات والنخب، إلى جانب الرسائل التي اعتاد توجيهها بشأن مسار الحرب والمقاومة.
استشهاد أبو عبيدة
في 30 أغسطس 2025، استشهد أبو عبيدة إثر غارة إسرائيلية استهدفته، وفق ما أعلنته كتائب القسام لاحقًا.
أنهت الغارة مسيرة امتدت أكثر من عقدين في الإعلام العسكري للمقاومة، لكنها لم تنه حضور الشخصية التي ارتبطت بصوتها وظهورها بمرحلة كاملة من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
بعد استشهاده، بقيت تسجيلاته وخطاباته متداولة، واستمر اسمه حاضرًا في التغطيات والنقاشات المتعلقة بالحرب.
عام على الغياب
بعد مرور عام على استشهاده، لم يعد تقييم تجربة أبو عبيدة مرتبطًا فقط بعدد البيانات التي أصدرها أو السنوات التي قضاها في الإعلام العسكري.
تتمثل أهميته الإعلامية في أنه نجح في بناء شخصية عامة من دون الكشف عن وجهها، وحافظ على هوية بصرية وصوتية ثابتة، وربط ظهوره بالأحداث التي كانت تحظى باهتمام واسع.
كما أن خطابه أصبح جزءًا من المادة التي يمكن من خلالها قراءة مرحلة إعلامية من مراحل الصراع، خاصة خلال حرب غزة التي شهدت مواجهة واسعة بين الروايات الإعلامية الفلسطينية والإسرائيلية.
رحل أبو عبيدة، لكن صوته بقي في أرشيف الحرب، وبقيت خطاباته مادة يتابعها الفلسطينيون والأحرار في العالم والباحثون في الإعلام والحرب النفسية، لأنها توثق جانبًا من المعركة التي جرت أمام الكاميرا بالتوازي مع ما جرى في الميدان.

