أطفال أم الخير.. حين يتحول طريق المدرسة لرعبٍ يوميٍ محفوف بقطعان المستوطنين

أطفال أم الخير.. حين يتحول طريق المدرسة لرعبٍ يوميٍ محفوف بقطعان المستوطنين

في قرية أم الخير ببادية يطا جنوب الخليل، لم يعد الوصول إلى المدرسة رحلة يومية عادية بالنسبة إلى عشرات الأطفال، بعدما تحوّل الطريق الأقصر إلى مسار مغلق بالأسلاك الشائكة، فيما بات الطريق البديل أطول وأكثر خطورة، وسط مخاوف متواصلة من اعتراض المستوطنين للأطفال وعائلاتهم.

هناك، يجد 55 طالباً وطالبة أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم قطع مسافات أطول للوصول إلى مدارسهم، أو الاعتماد على مركبات يوفرها الأهالي، في محاولة لتجنب الطريق الذي كان يشكل المسار الطبيعي للوصول إلى التعليم.

يروي رئيس بلدية أم الخير، خليل الهذالين، أن الأطفال كانوا يعتمدون على طريق يصل إلى مدارس قريبة من تجمعهم، وتبلغ المسافة إليها نحو كيلومترين، قبل أن يتغير الوضع بعد إغلاق الطريق من قبل المستوطنين.

وبحسب الهذالين، فإن إغلاق الطريق انعكس مباشرة على حياة الطلبة، الذين بات وصولهم إلى مدارسهم مرتبطاً بتوفير وسائل نقل بديلة، في ظل ما وصفه بتزايد الاعتداءات والمضايقات في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

ولا تتوقف المخاوف عند الطريق المؤدي إلى المدرسة، إذ يشير الهذالين إلى أن ملعب الأطفال الذي يستخدمه الطلبة أنفسهم يتعرض، وفق إفادته، لمضايقات يومية من المستوطنين، فيما يجري التعامل معه أحياناً كمنطقة عسكرية.

كما يلفت إلى أن نحو 70 في المئة من أراضي الفارية، وفق ما أُبلغ به الأهالي، جرى تحويل تصنيفها من أراضٍ خاصة إلى أراضٍ متنازع عليها، الأمر الذي يزيد حالة عدم الاستقرار التي تعيشها خربة أم الخير.

بالنسبة إلى الطفلة ميرا خليل، لم يعد الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة تقطعها صباحاً، بل أصبح مصدر خوف يومي.

تقول ميرا إن المستوطنين أغلقوا الطريق الوحيد الذي كان الأطفال يستخدمونه للوصول إلى مدارسهم، ما اضطرهم إلى الاعتماد على السيارات وسلوك طريق جديد أطول بكثير.

وتحكي أن الطريق القديم كان الأسهل بالنسبة إليها، بينما أصبح المسار البديل يستغرق وقتاً أطول ويحتاج إلى وسيلة نقل، الأمر الذي تسبب في تأخرها عن المدرسة وفوات الحصتين الأولى والثانية في بعض الأيام.

ويضاف إلى صعوبة المسافة خوف آخر يرافق الطفلة خلال الرحلة، إذ تقول إن احتمال اعتراض المستوطنين لها يجعلها تشعر بالخوف وعدم الأمان، ولا تعرف ماذا يمكن أن تفعل إذا اعترضوا طريقها.

أما الطالب فهد الهذالين، فيقيس التغيير بالأرقام التي عاشها بنفسه؛ فالمسافة التي كان يقطعها سابقاً خلال نحو 5 إلى 10 دقائق، أصبحت تحتاج إلى ما بين 15 دقيقة ونحو نصف ساعة عبر الطريق البديل.

ولا يرى فهد في الطريق الجديد مجرد مسار أطول، بل طريقاً غير آمن، وفق وصفه، بسبب اعتراض المستوطنين للطلبة ووجود أسلحة وكلاب معهم، إضافة إلى مخاوف من تعرض الأطفال للمطاردة أو الهجوم.

ويقول إن المستوطنين أغلقوا الطريق بسياج، ما أدى في إحدى الفترات إلى بقاء الأطفال في منازلهم وعدم تمكنهم من الذهاب إلى المدرسة لنحو عشرة أيام، وهو ما يصفه بأنه حرمان من حقهم في التعليم.

ويختصر فهد مشاعره بالقول إن خوفه الأساسي يتمثل في أن يتعرض للاعتداء أثناء الطريق، بما قد يؤدي إلى إصابته وابتعاده عن الدراسة لأيام أخرى.

وتؤكد معطيات أممية أن ما يعيشه أطفال أم الخير لا يأتي بمعزل عن أزمة أوسع تمس وصول الطلبة إلى التعليم في الضفة الغربية.

فخلال النصف الأول من عام 2026، وثّق قطاع التعليم 224 حادثة مرتبطة بالتعليم في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، طالت 152 مدرسة وأثرت بشكل مباشر على 20,450 طالباً و859 من العاملين في التعليم. وشكلت قيود الوصول 122 حادثة من إجمالي هذه الوقائع، بينما ارتبطت 47 حادثة بعنف المستوطنين.

وفي حالة مشابهة داخل أم الخير نفسها، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن المستوطنين أغلقوا في 13 نيسان/أبريل الطريق الرئيسي المؤدي إلى المدرسة بسياج معدني، ما ترك للطلبة مساراً بديلاً غير آمن قرب بؤرة استيطانية. وعندما حاول الطلاب وعائلاتهم الوصول إلى المدرسة، أُطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاههم، ما أثر على 55 طالباً، بينهم 23 فتاة، مع تسجيل حالات استنشاق للغاز وأعراض توتر حاد.

وتكشف الأرقام الأحدث أن أكثر من 830 ألف طفل عادوا إلى المدارس في الضفة الغربية والقدس الشرقية مع بداية العام الدراسي الجديد، فيما يواجه آلاف آخرون عراقيل مستمرة في الوصول إلى التعليم. وخلال النصف الأول من عام 2026، أثرت الحوادث التعليمية الموثقة على أكثر من 20 ألف طالب، بينما بقيت 19 مدرسة غير متاحة أو مغلقة أو مهجورة حتى أيلول/سبتمبر.

كما أشار تقرير أممي إلى أن 84 مدرسة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، كانت حتى أيلول/سبتمبر مهددة بأوامر هدم أو وقف عمل، بما يؤثر على نحو 12,855 طالباً و1,076 معلماً. وتتركز غالبية هذه المدارس في المناطق المصنفة “ج” والقدس الشرقية.

وتوضح البيانات كذلك أن عنف المستوطنين وقيود الحركة لا يقتصر أثرهما على تعطيل يوم دراسي أو تأخير طالب عن حصة، بل يمتدان إلى مستقبل المجتمعات نفسها؛ فمنذ عام 2023، أُغلقت أو تُركت 10 مدارس كانت تخدم أكثر من 360 طالباً بعد نزوح مجتمعاتها بصورة كاملة، فيما تعرضت سبع منها للتخريب وهُدمت ثلاث، بينها مدرستان على يد مستوطنين، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

في أم الخير، تختصر حكاية ميرا وفهد معاناة أطفال يعيشون بين الخوف والانتظار والحاجة إلى وسيلة نقل للوصول إلى مقاعدهم الدراسية.

فالطفل الذي يفترض أن ينشغل بحقيبته وكتبه وموعد الحصة الأولى، بات مضطراً إلى التفكير في الطريق الذي سيسلكه، وما إذا كان مفتوحاً، وما إذا كان آمناً، وما إذا كان سيتمكن من العودة إلى منزله من دون اعتراض أو اعتداء.

وبين طريق أُغلق بسياج، ومسار بديل أطول وأكثر خطورة، تبقى المدرسة بالنسبة إلى أطفال أم الخير هدفاً يحاولون بلوغه كل صباح، فيما تتحول الرحلة القصيرة إلى اختبار يومي للقدرة على الوصول إلى حق يفترض أن يكون بديهياً: أن يذهب الطفل إلى مدرسته ويعود منها آمناً.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest