أوروبا وصفقات السلاح والاحتلال.. حقوق الإنسان تتراجع أمام المصالح

أوروبا وإسرائيل وصفقات السلاح

رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام

بين إدانة سياسية للحرب في غزة واستمرار التعاون العسكري تبرز لدى هذه الدول الأوروبية، إسبانيا وفنلندا وألمانيا واليونان، ازدواجية المعايير، وتتسع الهوة بين الخطاب السياسي الذي تتبناه هذه العواصم بشأن الحرب الصهيونية على قطاع غزة وبين سياساتها الفعلية عندما يتعلق الأمر بالمصالح العسكرية والأمنية.

ففي الوقت الذي ترفع فيه حكومات أوروبية شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي، وتعلن قيوداً أو عقوبات على دولة الاحتلال، وتلوّح بوقف التعاون العسكري معها، تكشف الوقائع التي أوردتها صحيفة “معاريف” العبرية استمرار أشكال مختلفة من التعاون الدفاعي والأمني بين دولة الاحتلال وعدد من الدول الأوروبية، بما فيها دول اتخذت مواقف سياسية حادة تجاه الحرب.

وتبرز في هذا السياق حالات إسبانيا وفنلندا وألمانيا واليونان، حيث تبدو الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية أكثر قدرة على الصمود من المبادئ التي تتحدث عنها هذه الدول عندما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين.

ولطالما قدمت الدول الأوروبية نفسها باعتبارها من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، وربطت علاقاتها الخارجية بهذه المبادئ، لكن العلاقة مع دولة الاحتلال تكشف، وفق ما يورده تقرير “معاريف”، حدود هذه الشعارات عندما تصطدم بالمصالح المباشرة.

فالدولة التي تستطيع اتخاذ موقف سياسي وإصدار بيانات تدين سياسات الاحتلال، تستطيع في الوقت ذاته الإبقاء على صفقات دفاعية أو التعاون في مجال التكنولوجيا العسكرية، بحجة أن مصالحها الأمنية أو الاقتصادية لا تسمح لها بالقطيعة الكاملة.

وهنا تبرز المفارقة، حقوق الإنسان تبدو مبدأً ثابتاً ما دامت لا تتعارض مع المصالح، لكنها تتحول إلى ملف قابل للتفاوض عندما تدخل الأسلحة والتكنولوجيا والعقود الدفاعية على الخط.

إسبانيا.. حظر مع باب خلفي

تقدم إسبانيا المثال الأكثر دلالة، فقد أقرت مدريد في سبتمبر 2025 قانوناً يفرض قيوداً واسعة على التعامل العسكري مع دولة الاحتلال، في خطوة بدت سياسياً وكأنها تعكس موقفاً صارماً من الحرب في غزة، لكن القانون نفسه يتضمن استثناءات تسمح للحكومة بالموافقة على بعض الأنشطة والصفقات عندما ترى أن تطبيق القيود بصورة كاملة قد يلحق الضرر بـ”المصالح الوطنية العامة”.

وبحسب «معاريف»، استمرت بعض الأنشطة والصفقات الأمنية بعد دخول القانون حيز التنفيذ، مستفيدة من آلية الاستثناءات، وسمحت الحكومة الإسبانية لشركة Airbus بمواصلة استخدام تكنولوجيا صهيونية في مشاريع استراتيجية، بعدما تبين أن وقف استخدامها بالكامل قد يؤثر على القدرات الإنتاجية وفرص العمل والمشاريع الدفاعية التي لا تتوفر لها بدائل فورية.

وهكذا، فإن الحظر الذي قدمته مدريد باعتباره موقفاً سياسياً وأخلاقياً تجاه إسرائيل لم يكن قادراً على الصمود بصورة مطلقة أمام الحسابات الاقتصادية والدفاعية.

فنلندا.. خطاب في الهواء والسلاح في العقود

ولا تبدو الصورة مختلفة كثيراً في فنلندا، ففي الوقت الذي تصاعد فيه الجدل السياسي والشعبي داخل البلاد بشأن الحرب في غزة، واصلت هلسنكي تعاونها الدفاعي مع دولة الاحتلال.

وبحسب تقرير “معاريف”، جرى عام 2024 تمديد اتفاق التعاون الأمني بين البلدين حتى عام 2034، لمدة عشر سنوات، ويشمل البحث والتطوير والمشتريات الدفاعية، كما تعتمد فنلندا على صناعات إسرائيلية في منظومات عسكرية مهمة، من بينها “مقلاع داود” وصواريخ Gabriel، ما يجعل فك الارتباط سريعاً أكثر تعقيداً.

وهنا يظهر التناقض بوضوح، يمكن للحكومة أن تعلن مواقف سياسية ناقدة لدولة الاحتلال، لكن عندما يتعلق الأمر بمنظومات الدفاع والأمن، تصبح الحسابات مختلفة تماما، وفق صحيفة “معاريف” العبرية.

ألمانيا.. انتقاد لا يمنع صفقات السلاح

أما ألمانيا، التي تتبنى خطاباً سياسياً ينتقد بعض سياسات حكومة الاحتلال، فتواصل في الوقت ذاته تعميق علاقاتها الدفاعية معها، وتبرز منظومة “حيتس 3” باعتبارها إحدى أهم صفقات التعاون الدفاعي بين البلدين.

وتكشف هذه العلاقة أن المصالح الأمنية تستطيع أن تتجاوز الخلافات السياسية، خصوصاً في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا وارتفاع المخاوف الأمنية الأوروبية.

فحين يتعلق الأمر بتعزيز القدرات الدفاعية، يبدو أن المبادئ التي تستخدمها برلين في خطابها السياسي تصبح أقل حضوراً أمام الحاجة إلى التكنولوجيا والمنظومات العسكرية.

اليونان.. المليارات صوتها أعلى

وفي اليونان، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً مع استمرار التعاون العسكري مع دولة الاحتلال رغم الانتقادات التي تُوجه للحرب في غزة.

وبحسب تقرير “معاريف”، وقعت أثينا صفقة دفاعية مع دولة الاحتلال تبلغ قيمتها نحو ثلاثة مليارات يورو، في واحدة من أكبر صفقات التصدير الدفاعي في تاريخ العلاقات بين البلدين.

وهكذا، بينما تستمر التصريحات السياسية الأوروبية حول ضرورة احترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين، تواصل الأموال والعقود الدفاعية شق طريقها بعيداً عن لغة البيانات والإدانات.

مبررات وأسباب

وتقدم الحرب في أوكرانيا تفسيراً مهماً لاستمرار هذه العلاقات، فالدول الأوروبية رفعت إنفاقها الدفاعي، وأصبحت تبحث عن منظومات عسكرية أثبتت قدراتها ويمكن إدخالها إلى الخدمة بسرعة.

وفي بعض المجالات، لا تتوفر بدائل أوروبية جاهزة للتكنولوجيا الصهيونية، الأمر الذي يجعل التخلي عن المنظومات الصهيونية مكلفاً ومعقداً، كما تتزايد المخاوف في دول البلطيق من روسيا، ما يدفعها إلى البحث عن قدرات دفاعية إضافية، بينها منظومات صهيونية.

وبذلك أصبحت المعادلة الأوروبية واضحة، عندما يتعلق الأمر بالأمن، تصبح الأولوية للمصلحة الوطنية؛ وعندما يتعلق الأمر بالسياسة، تعود لغة حقوق الإنسان والقانون الدولي إلى الواجهة.

في المقابل، تستفيد دولة الاحتلال من هذه الازدواجية الأوروبية، فالصناعات الدفاعية سجلت في عام 2025 صادرات قياسية بلغت 19.2 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في تقرير “معاريف”، بزيادة تقارب 30% خلال عام واحد وأكثر من الضعف خلال خمس سنوات.

ولا تنظر دولة الاحتلال إلى هذه الصادرات باعتبارها تجارة فقط، بل كوسيلة لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الدول الأخرى وترسيخ حضور صناعاتها العسكرية في أسواقها.

ازدواجية وأزمة مصداقية

المشكلة التي تكشفها هذه الوقائع ليست في أن الدول تبحث عن مصالحها الوطنية؛ فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن الإشكالية تكمن في التناقض بين الخطاب والممارسة.

فإذا كانت حقوق الإنسان والقانون الدولي مبادئ غير قابلة للتجزئة، فلماذا تصبح هذه المبادئ قابلة للاستثناء عندما يتعلق الأمر بعقود السلاح والتكنولوجيا والمصالح الاقتصادية؟

وإذا كانت حماية المدنيين مبدأً أساسياً، فكيف يمكن الجمع بين إدانة الانتهاكات سياسياً والاستمرار في علاقات عسكرية وأمنية مع الطرف الذي توجه إليه تلك الانتقادات؟

تبدو الإجابة، كما تكشفها الحالات الأوروبية نفسها، في أن المبادئ لا تتحرك دائماً بالوزن ذاته داخل دوائر صنع القرار؛ فعندما تدخل المصلحة الوطنية والأمن والاقتصاد والصناعة العسكرية إلى المعادلة، تتراجع الشعارات خطوة إلى الخلف.

وتكشف قصة “حظر السلاح” الأوروبي على دولة الاحتلال، في نهاية المطاف، أزمة أعمق من مجرد اختلاف في السياسات، إنها أزمة مصداقية.

فأوروبا التي تقدم نفسها بوصفها نموذجاً في احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي تجد نفسها أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع ترجمة مواقفها السياسية إلى إجراءات فعلية، حتى عندما تكون كلفة ذلك اقتصادية أو أمنية؟

أم أن المبادئ ستظل قابلة للتطبيق على الخصوم والحلفاء الضعفاء، بينما تصبح المصالح الوطنية مبرراً لتعليقها عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال؟

وهكذا، لا تبدو المسألة مجرد “حظر سلاح” بقدر ما تكشف ازدواجية في المعايير، خطاب أخلاقي في العلن، وحسابات مصلحية في غرف القرار.

وفي المحصلة، فإن الاختبار الحقيقي لأي مبدأ ليس في إعلانه عندما يكون تطبيقه سهلاً، وإنما في القدرة على الالتزام به عندما يتعارض مع المصالح، وفي الحالة الصهيونية، تقول الوقائع التي أوردتها “معاريف” إن جزء من أوروبا لا يزال يجد في المصالح الأمنية والاقتصادية مخرجاً لتجاوز ما تعلنه من مبادئ.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest