
المركز الفلسطيني للإعلام
تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في قطاع غزة أزمة متصاعدة في مواردها البشرية، في ظل تجميد شبه كامل للتوظيف التقليدي منذ بدء الحرب، وتراجع أعداد موظفيها المحليين بأكثر من ألف موظف، بفعل الاستشهاد وإنهاء الخدمات والإحالات إلى التقاعد.
وبحسب مصادر أممية ونقابية، لم توظف “أونروا” أي فلسطيني في قطاع غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي في تشرين الأول/أكتوبر 2023 ضمن نظام التوظيف التقليدي المرتبط بالموازنة العامة، باستثناء وظائف طارئة ومؤقتة وبرامج ممولة مسبقًا.
وتشير المصادر لوكالة قدس برس إلى أن الوكالة وظفت بين بداية عام 2023 وبدء الحرب نحو 350 إلى 400 موظف جديد، معظمهم من المعلمين والعاملين في القطاع الصحي، قبل أن يتوقف التوظيف التقليدي خلال أعوام 2024 و2025 و2026، مع الاكتفاء بحالات استثنائية وعقود مياومة قصيرة الأجل.
تراجع أعداد الموظفين
وتراجع عدد موظفي “أونروا” المحليين في قطاع غزة من نحو 13 ألف موظف قبل الحرب إلى ما بين 11 و12 ألفًا حاليًا، وفق المصادر.
ويشمل العدد الحالي نحو 10,500 موظف بعقود مؤقتة غير محددة المدة، إلى جانب موظفين بعقود محددة المدة وعقود مياومة، يتركز معظمهم في قطاعي التعليم والصحة وخدمات صحة البيئة.
كما يعمل مئات الموظفين ضمن مشاريع طويلة الأمد، خصوصًا في مجالات تكنولوجيا المعلومات والمشاريع المؤقتة.
وخلال الحرب، جرى توجيه آلاف الموظفين للعمل في قطاعات الطوارئ، إذ عمل نحو 6500 موظف ضمن فرق الطوارئ في مراكز الإيواء، بينما عمل نحو 1400 موظف في العيادات والنقاط الطبية الطارئة.
كما شارك نحو 2000 معلم وإداري واختصاصي دعم نفسي في مساحات التعلم المؤقتة، فيما يعمل نحو 800 موظف في مجالات صحة البيئة ونظافة المخيمات.
التعليم الأكثر تضررًا
وكان قطاع التعليم من أكثر البرامج تأثرًا بسياسة تقليص العقود وتجميد التوظيف، إذ جرى تجميد عقود المياومة الخاصة بالمعلمين البدلاء، في وقت تعرضت غالبية مدارس القطاع للتدمير.
واعتمدت الوكالة بدرجة أكبر على المعلمين المثبتين، الذين جرى توظيفهم خلال الحرب في مهام الإغاثة والطوارئ والتعليم الإلكتروني ومساحات التعلم المؤقتة، إلى جانب برامج التعليم الصيفي.
وتكشف المقارنة مع ما قبل الحرب حجم التراجع؛ ففي عام 2022، جرى تثبيت ما بين 700 و800 موظف جديد في قطاع غزة، معظمهم ضمن برنامج التعليم، استجابة لمطالب نقابية مرتبطة بتثبيت عقود المياومة.
التقاعد والاستشهاد وإنهاء الخدمات
ولم يقتصر تراجع أعداد الموظفين على تجميد التوظيف، بل شمل أيضًا الإحالات إلى التقاعد والاستشهاد وإنهاء الخدمات.
وبحسب المصادر، أُحيل نحو 570 موظفًا إلى التقاعد خلال الأعوام الأربعة الماضية، بينهم نحو 120 موظفًا في عام 2023، و150 في 2024، و160 في 2025، ونحو 140 موظفًا في 2026.
كما بلغ عدد موظفي “أونروا” الذين استشهدوا خلال الحرب 393 موظفًا وموظفة، وفق آخر التقارير الرسمية للوكالة في عام 2026، في واحدة من أكبر الخسائر البشرية التي شهدتها مؤسسة أممية.
وفي سياق آخر، أنهت الوكالة خدمات عشرات الموظفين خلال السنوات الماضية على خلفية ملفات مرتبطة بما تصفه بـ”الحياد”.
ففي كانون الثاني/يناير 2024، أنهت الوكالة خدمات 12 موظفًا بصورة فورية استنادًا إلى مزاعم إسرائيلية، فيما أُعلن في آب/أغسطس من العام نفسه عن إنهاء خدمات 9 موظفين عقب تحقيق أممي.
وفي حزيران/يونيو 2026، أُعلن كذلك عن إنهاء خدمات 70 موظفًا إضافيًا في قطاع غزة، بينهم 14 موظفًا استشهدوا خلال الحرب، بدعوى ارتباط القرار بأمن عمليات الوكالة وسلامتها وحياديتها.
تجميد قوائم التوظيف
وتشمل تداعيات الأزمة كذلك قوائم الانتظار الخاصة بالتوظيف، والتي كانت تضم قبل الحرب ما بين 2500 و3000 خريج ومهني اجتازوا اختبارات “أونروا” ومقابلاتها وباتوا مؤهلين للتعيين عند توفر الشواغر والموازنات.
وتتركز الغالبية العظمى من هذه القوائم في قطاع التعليم، يليه القطاع الصحي.
وبحسب المصادر، جرى تجميد هذه القوائم في ظل الظروف التي يعيشها قطاع غزة، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على الموظفين الحاليين وتأمين رواتبهم، في ظل الأزمة المالية وإجراءات التقشف.
وامتدت إجراءات التقشف إلى دخول الموظفين، إذ حُرم العاملون من فروق العملة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، والتي تقدر بنحو 20% من قيمة الرواتب، إلى جانب إجراءات أخرى أثرت في دخلهم منذ شباط/فبراير 2026.
هل تتجه الأونروا إلى تقليص دورها؟
في ظل هذه التطورات، بدأ موظفون في “أونروا” يطرحون تساؤلات حول مستقبل الوكالة وبرامجها في قطاع غزة، وما إذا كانت الضغوط السياسية والمالية قد تقود إلى إعادة توزيع بعض مهامها على منظمات دولية أخرى.
وطرح الموظفون احتمال إسناد برنامج التربية والتعليم إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، ونقل برامج الإغاثة إلى برنامج الأغذية العالمي، فيما يمكن أن تتولى منظمة الصحة العالمية بعض المهام المرتبطة بالقطاع الصحي.
وتثير هذه الاحتمالات سؤالًا حول ما إذا كانت العقبات أمام مثل هذا السيناريو سياسية وجماهيرية بالدرجة الأولى، أم أنها ترتبط بعوامل إجرائية وهيكلية ومالية، خصوصًا ما يتعلق بمكافآت نهاية الخدمة ومدخرات الموظفين في حال انتقالهم من “أونروا” إلى جهات دولية أخرى.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه الوكالة ضغوطًا مالية وسياسية متزايدة، بالتزامن مع استمرار الحرب وما خلفته من أضرار واسعة طالت منشآتها وبرامجها وكوادرها.
وبينما لا تزال مسألة نقل برامج “أونروا” إلى منظمات دولية أخرى في إطار التساؤلات المطروحة، فإن تجميد التوظيف وتراجع أعداد الموظفين والخسائر البشرية وإجراءات التقشف، تضع الوكالة أمام مرحلة صعبة قد تعيد رسم طبيعة حضورها ودورها في قطاع غزة.

