إغلاق الاحتلال للضفة وغزة.. خنق للحياة وتمهيد لواقع أكثر قسوة

حواجز القدس

المركز الفلسطيني للإعلام

مع حلول الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى في السابع من أكتوبر لا يكتفي الاحتلال الإسرائيلي بإجراءات أمنية مؤقتة، بل يعيد تشديد قبضته على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، عبر إغلاق المعابر وتشديد القيود على الحركة، بالتزامن مع تصعيد الاقتحامات والاعتقالات وفرض مزيد من العوائق أمام تنقل المواطنين وإدخال الاحتياجات الأساسية.

وأعلن وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس إغلاقًا شاملًا لمعابر الضفة الغربية وقطاع غزة يومي 5 و7 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع رفع حالة التأهب، فيما واصل جيش الاحتلال حملات الاقتحام والاعتقال في عدد من مدن وبلدات الضفة الغربية.

ويأتي القرار بعد أيام من إغلاق آخر للمعابر المؤدية من الضفة الغربية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال، وسط مخاوف من توسع القيود لتطال الطرق الداخلية التي تربط المدن والبلدات الفلسطينية من شمال الضفة إلى جنوبها.

942 حاجزًا وعائقًا.. الضفة تحت قبضة الإغلاق

يعتمد الفلسطينيون في الضفة الغربية على شبكة واسعة من الطرق والمعابر التي يستطيع الاحتلال إغلاقها أو تعطيلها خلال وقت قصير، فيما ترتبط حركة العمال والموظفين والطلاب والمزارعين والمرضى بين المدن والقرى بإجراءات الاحتلال على الحواجز والبوابات العسكرية.

وبحسب أحدث بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بلغ عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية 942 نقطة حتى 25 سبتمبر/أيلول، بينها 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، و118 عائقًا خطيًا من سواتر ترابية وخنادق وحواجز طرق، تمتد مجتمعة لنحو 107.7 كيلومتر.

وتتركز هذه العوائق في محافظة الخليل بواقع 221 نقطة، ورام الله والبيرة بـ160، ونابلس بـ120، وبيت لحم بـ78، والقدس بـ62 نقطة.

وخلال الأشهر الأخيرة، أضاف الاحتلال 13 بوابة وحاجزًا ثابتًا، استحوذت محافظة جنين على عشرة منها، لترتفع النقاط الثابتة فيها من 16 إلى 26 نقطة.

ولا تقتصر إجراءات التضييق على الحواجز التي ينصبها جيش الاحتلال، إذ شهدت مناطق في الضفة إقامة بوابات يتحكم بها مستوطنون، بينها بوابتان أقيمتا في أراضي كفر نعمة وشرقي أم صفا بمحافظة رام الله، ما فرض قيودًا إضافية على وصول الفلسطينيين إلى منازلهم وأراضيهم.

ويرى المحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن الاحتلال يوظف ذكرى السابع من أكتوبر لتشديد الخناق على الفلسطينيين وتمرير إجراءات ومشاريع أوسع، مشيرًا إلى أن التعامل مع الوجود الديموغرافي الفلسطيني يمثل بالنسبة إلى الاحتلال أزمة وجودية.

الاحتلال يعيد تشكيل واقع الضفة

ويشير شاهين إلى أن تشديد الإغلاق والقيود على الحركة يتزامن مع استغلال الذكرى لتثبيت مزيد من السيطرة على حركة الفلسطينيين ومنافذهم، معتبرًا أن الإجراءات الميدانية المتكررة خلال هذه الفترة تخدم توجهًا أوسع لإعادة تشكيل الواقع على الأرض.

وبحسب رؤيته، فإن الحواجز والإغلاقات لا تعمل باعتبارها إجراءات منفصلة، بل تتحول إلى أدوات ضغط يومية تستنزف الفلسطيني وتعرقل حياته وعمله وتنقله، وتفرض عليه واقعًا أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي هذا السياق، أصبحت الحواجز جزءًا ثابتًا من حياة الفلسطيني في الضفة الغربية، بعدما تحولت من إجراء أمني معلن إلى وسيلة تؤثر بصورة مباشرة في حركة العمال والموظفين والمزارعين والطلاب والمرضى.

ويشير شاهين إلى أن المواطن الفلسطيني يخسر أسبوعيًا ما لا يقل عن ساعة ونصف في الانتظار على الحواجز الإسرائيلية، وهو ما يعني، بحسب تقديره، إهدار ملايين الساعات بالنسبة للموظفين والعمال والمزارعين، وتحويل التنقل اليومي بين المناطق الفلسطينية إلى عبء إضافي يرافق الفلسطيني في تفاصيل حياته.

غزة.. المعابر تتحكم في حياة المرضى والنازحين

وفي قطاع غزة، ارتبطت حركة المرضى والمسافرين وإدخال الإمدادات بعدد محدود من المنافذ التي تتحكم سلطات الاحتلال في عملها وحركتها.

وتظهر بيانات هيئة المعابر والحدود لشهر سبتمبر/أيلول أن معبر رفح بقي مغلقًا 20 يومًا من أصل 30 يومًا، فيما تعطلت حركة المسافرين عبر معبر كرم أبو سالم لمدة 26 يومًا خلال الشهر ذاته.

وخلال سبتمبر، غادر قطاع غزة 1197 مسافرًا، بينهم 485 مريضًا غادروا لتلقي العلاج خارج القطاع، إلى جانب 547 مرافقًا و165 حالة إجلاء، في حين لم تسجل أي حركة تنقل بين قطاع غزة والضفة الغربية.

وترتبط مغادرة المرضى بالحصول على العلاج في مستشفيات خارج القطاع، في ظل عدم توفر كثير من الخدمات الطبية والتخصصية داخله، فيما يؤدي تعطل إجراءات الإجلاء إلى إبقاء حالات تحتاج إلى رعاية متقدمة داخل نظام صحي تعرض لدمار واسع ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

ويقول شاهين إن الاحتلال استخدم في قطاع غزة، عندما توافرت له الظروف الميدانية، القوة العسكرية الواسعة، بينما يتعامل مع الضفة الغربية بأدوات مختلفة في ظل عدم توافر الظروف نفسها.

ويضيف أن هذه الأدوات تتمثل في الضغط اليومي على الفلسطينيين، من خلال الإغلاق والإنهاك النفسي والضغط الاقتصادي، إلى جانب ما يجري في المخيمات الفلسطينية، معتبرًا أن الهدف يتمثل في تحويل الضفة إلى منطقة طاردة عبر جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة ودفع السكان إلى مواجهة ضغوط متواصلة في العمل والحركة والعيش.

الغذاء والوقود والدواء تحت رحمة المعابر

وامتدت القيود الإسرائيلية إلى حركة الشاحنات والإمدادات التي تدخل قطاع غزة، إذ ظل معبرا زيكيم وكسوفيم مغلقين طوال سبتمبر، فيما بقي كرم أبو سالم المنفذ الرئيسي للحركة التجارية والإغاثية، مع تسجيل توقف للحركة عبره لمدة ثلاثة أيام خلال الشهر.

وبلغ عدد الشاحنات التي دخلت عبر كرم أبو سالم 5265 شاحنة خلال سبتمبر، مع تفاوت أصناف المواد التي دخلت وكمياتها.

وفي قطاع الإيواء، دخلت 139 شاحنة محملة بمواد الإيواء، إلى جانب خمس شاحنات محملة بألواح الزينكو، في وقت يعيش فيه أعداد كبيرة من النازحين في خيام ومساكن مؤقتة تفتقر إلى مقومات الحماية الأساسية.

أما الوقود، فسجلت البيانات دخول ست شاحنات بنزين و147 شاحنة سولار و87 شاحنة غاز، وهي إمدادات حيوية لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي ووسائل النقل والخدمات الأساسية.

وفي القطاع الصحي، دخلت 104 شاحنات محملة بالمستلزمات الطبية خلال الشهر، وسط احتياجات متزايدة للأدوية وقطع غيار الأجهزة الطبية، فيما بقي المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع رهائن لعمل المعابر والموافقات اللازمة لمغادرتهم.

مسار واحد.. الحكومة والجيش والمستوطنون

ويؤكد شاهين أن ما يحدث في الضفة الغربية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراءات أمنية منفصلة أو أزمة اقتصادية، مشيرًا إلى تكامل أدوار الحكومة والجيش والمستوطنين في فرض هذه الظروف على الفلسطينيين.

ويقول إن الحكومة والجيش والمستوطنين يتحركون ضمن مسار متكامل، تتوزع فيه الأدوار بين الإجراءات الحكومية والعسكرية، والضغط الذي يمارسه المستوطنون على الفلسطينيين وأراضيهم.

ويضيف أن هذه السياسات دفعت أعضاء في الكونغرس الأميركي إلى المطالبة بتقارير حول الأوضاع في الضفة الغربية، كما استدعت تحركات وإجراءات أوروبية.

الإغلاق كأداة للضغط والتهجير

ويأتي الإغلاق المعلن ليومي 5 و7 أكتوبر في ظل منظومة واسعة من القيود المفروضة أصلًا على حركة الفلسطينيين بين مناطق الضفة الغربية، وعلى حركة المرضى والمسافرين من غزة، وعلى دخول الغذاء والدواء والوقود ومواد الإيواء إلى القطاع.

ففي الضفة الغربية، تنتشر مئات الحواجز والبوابات والعوائق التي تقطع الطرق بين التجمعات الفلسطينية وتعيد تشكيل مسارات الحركة اليومية للسكان، بينما ترتبط حركة المرضى والمساعدات والمواد الأساسية في قطاع غزة بعمل عدد محدود من المعابر التي تخضع لسيطرة الاحتلال.

ويرى شاهين أن الإجراءات التي تفرض ضغوطًا متواصلة على الحياة اليومية تصب في خدمة مخططات التفريغ والتهجير القسري، مشيرًا إلى أن استمرار الإغلاق والحواجز والضغط الاقتصادي والنفسي والاعتداءات على الأرض يجعل الحياة في المكان أكثر صعوبة.

وبحسب شاهين، فإن دفع الفلسطيني إلى مواجهة هذه الظروف بصورة يومية يضعه أمام ضغوط متراكمة قد تدفعه تدريجيًا إلى التفكير في مغادرة المكان الذي يعيش فيه، فيما تستهدف إجراءات التضييق اليومية إضعاف قدرته على البقاء والاستقرار في أرضه.

وهكذا، لا تبدو إجراءات الإغلاق المتزامنة مع ذكرى 7 أكتوبر مجرد تدبير أمني عابر، بل تأتي ضمن واقع أشمل من التحكم بحركة الفلسطينيين، وتقييد وصولهم إلى العمل والتعليم والعلاج والأرض، والتحكم في دخول الإمدادات الأساسية إلى قطاع غزة؛ بما يجعل الحصار والإغلاق والحواجز أدوات مستمرة لإخضاع الحياة الفلسطينية للضغط والاستنزاف.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest