
المركز الفلسطيني للإعلام
أكد تقدير موقف أعدّه الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا، أن طوفان الأقصى أحدث تحولًا استراتيجيًا في معادلات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكسر افتراضات أساسية في منظومة الأمن والردع الإسرائيلية، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي والإقليمي، لكنه لم يفضِ حتى الآن إلى نتائج سياسية بحجم التحولات التي أحدثها، في ظل استمرار الاحتلال وتفاقم تداعيات الحرب على قطاع غزة، وغياب استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة.
وأوضح التقدير، الذي أُعدّ خصيصًا للمركز الفلسطيني للإعلام، أن حصيلة السنوات الثلاث منذ السابع من أكتوبر 2023 تكشف عن مفارقة بين التحولات التي أحدثها الطوفان والكلفة الإنسانية والعمرانية والاجتماعية الهائلة التي تكبدها الفلسطينيون، ولا سيما في قطاع غزة.
كسر الردع الإسرائيلي دون حسم الصراع
وأشار القرا إلى أن السابع من أكتوبر كشف ثغرات جوهرية في منظومة الاستخبارات والإنذار المبكر وحماية حدود الاحتلال، وأحدث صدمة استراتيجية هزّت أسس العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وأسقطت افتراض القدرة على احتواء غزة وردع المقاومة.
وفي المقابل، استعادت إسرائيل خلال الحرب قدرًا كبيرًا من المبادرة العسكرية، مستفيدة من تفوقها الجوي والناري والاستخباري والدعم الخارجي، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية العسكرية للفصائل، لكنها لم تتمكن من إنهاء المقاومة أو حسم الصراع نهائيًا، وفق التقدير.
وخلص التقدير إلى أن الطوفان كسر معادلات الردع السابقة، دون أن ينتج معادلة ردع فلسطينية مستقرة، ما يطرح تحديات تتعلق بكيفية تطوير استراتيجية المواجهة وتقليل الكلفة التي يتحملها المجتمع الفلسطيني.
غزة بين وقف إطلاق النار وتعثر إعادة الإعمار
وعلى الصعيد الإنساني، نبه التقدير إلى أن قطاع غزة خرج من الحرب أكثر هشاشة، وسط دمار واسع في المساكن والبنية التحتية والاقتصاد والخدمات، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، واستمرار اعتماد قطاعات واسعة منهم على المساعدات الإنسانية.
وبيّن أن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 لم يؤدِّ إلى انتقال فعلي نحو مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية وعمليات النسف بدرجات متفاوتة، وبقيت مساحات واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية أو مقيّدة الوصول، بالتزامن مع تعثر إعادة الإعمار وعجز أعداد كبيرة من النازحين عن العودة إلى منازلهم.
وحذّر من تحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم، بحيث تصبح المساعدات بديلًا عن التعافي الاقتصادي، والإيواء المؤقت نمطًا طويل الأمد، وإعادة الإعمار ملفًا خاضعًا للاشتراطات السياسية والأمنية، بدل التعامل معه باعتباره حقًا إنسانيًا.
عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية
وفي تقديره للتحولات السياسية، أشار القرا إلى أن الطوفان والحرب التي تلته أعادا ملفات الاحتلال والدولة الفلسطينية والاستيطان ومستقبل غزة والقدس واللاجئين إلى صدارة النقاش الدولي، بعد مرحلة اتجهت فيها المنطقة نحو توسيع التطبيع العربي الإسرائيلي وتراجع القضية الفلسطينية على سلم الأولويات.
كما أسهمت الحرب، وفق التقدير، في إضعاف احتكار إسرائيل للرواية الدولية للصراع، مع اتساع حضور الرواية الفلسطينية في وسائل الإعلام والجامعات والبرلمانات والمحاكم الدولية والمؤسسات الحقوقية، وارتفاع الكلفة السياسية والأخلاقية والقانونية للممارسات الإسرائيلية.
لكن التقدير شدد على أن هذا التحول لم يترجم حتى الآن إلى نتائج سياسية نهائية؛ إذ لم ينتهِ الاحتلال، ولم تقم الدولة الفلسطينية، فيما استمرت علاقات إسرائيل الإقليمية والدولية وتحالفاتها الرئيسية.
واعتبر أن النتيجة الأبرز تتمثل في عودة القضية الفلسطينية عاملًا يصعب تجاهله في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، وليس في سقوط التطبيع أو تحقق تسوية سياسية نهائية.
الانقسام الفلسطيني يعرقل استثمار نتائج الطوفان
وعلى المستوى الوطني، رأى التقدير أن استمرار الانقسام وغياب استراتيجية فلسطينية جامعة يمثلان إحدى أكبر الفجوات بين حجم الحدث والتحولات التي أحدثها وبين القدرة على استثمارها سياسيًا.
ولا تزال، بحسب التقدير، أسئلة جوهرية معلقة بشأن الجهة التي تمثل الفلسطينيين وتدير قطاع غزة، والعلاقة بين المقاومة والسلطة ومنظمة التحرير، ومستقبل السلاح، وآليات توحيد غزة والضفة الغربية سياسيًا، وضمان عدم تحول إعادة الإعمار إلى أداة لفصل القطاع عن المشروع الوطني الفلسطيني.
وأكد أن التحدي يتمثل في بناء استراتيجية وطنية موحدة تنظم العلاقة بين المقاومة والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، وتعيد بناء المؤسسات والشرعية، وتربط إعادة إعمار غزة بمشروع وطني شامل.
أربعة سيناريوهات لمستقبل غزة
واستعرض التقدير أربعة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة، أولها التسوية المرحلية القائمة على التفاهم بشأن السلاح والانسحاب الإسرائيلي والإدارة الفلسطينية للقطاع، وتوسيع إعادة الإعمار وتسهيل عودة السكان.
ويتمثل السيناريو الثاني في استمرار حالة “«”اللاحرب واللاسلم”»”، من خلال بقاء الانتشار العسكري الإسرائيلي والضربات المحدودة، مع استمرار المساعدات وبطء الإعمار وغياب التسوية السياسية، بما يحول غزة إلى أزمة أمنية وإنسانية طويلة الأمد.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في العودة إلى المواجهة الواسعة، في حال انهيار المفاوضات أو تعثر الانسحاب أو تصاعد المواجهة الميدانية، وهو ما قد يفاقم معاناة مجتمع أنهكته الحرب وتراجعت قدرته على تحمل جولة جديدة.
ويقوم السيناريو الرابع على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، من خلال استعادة الوحدة الوطنية وتجديد المؤسسات والشرعية، وتوحيد غزة والضفة، ووضع رؤية مشتركة للعمل السياسي والمقاومة والدبلوماسية والقانون الدولي.
وأشار التقدير إلى أن مسار المرحلة المقبلة سيتأثر بمفاوضات السلاح والانسحاب، وطبيعة الانتشار العسكري الإسرائيلي، وسرعة إعادة الإعمار وعودة النازحين، ومستوى التفاهم الوطني الفلسطيني، إلى جانب التطورات المرتبطة بالاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية ومسار التطبيع الإقليمي.
التحدي المقبل: تحويل التحولات إلى نتائج
وخلص القرا إلى أن حصيلة طوفان الأقصى بعد ثلاث سنوات تتلخص في كسر معادلات الردع الإسرائيلية السابقة دون إنهاء التفوق العسكري الإسرائيلي، وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي دون تحقيق الدولة، وإضعاف احتكار إسرائيل للرواية الدولية دون انهيار تحالفاتها الرئيسية.
وأكد أن الحكم التاريخي والاستراتيجي على الطوفان سيظل مرتبطًا بما ستنتجه المرحلة المقبلة، وبقدرة الفلسطينيين على تحويل عودة قضيتهم إلى واجهة الاهتمام العالمي إلى حقوق وسيادة ووحدة وطنية وقوة سياسية وقانونية.
وشدد التقدير على أن التحدي انتقل من صناعة الحدث إلى صناعة النتيجة، محذرًا من أن استمرار الحصار والانقسام والسيطرة الإسرائيلية وتعثر إعادة الإعمار قد يعيد إنتاج واقع تبقى فيه غزة محاصرة، والضفة منفصلة، والمساعدات أداة لإدارة الأزمة بدل حلها.
وعدّ أن معركة ما بعد الطوفان تتمثل في منع إعادة إنتاج منظومة الاحتواء السياسي والأمني والإنساني للقضية الفلسطينية، وربط إعادة إعمار غزة بمشروع وطني جامع يضع إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الفلسطينية في صلب أي ترتيبات مستقبلية.

