الاستيطان ينهش الضفة.. مخططات إسرائيلية لتقطيع أوصالها وخنق مدنها وقراها

الاستيطان في الضفة

المركز الفلسطيني للإعلام

لا تتوقف ماكينة الاستيطان الإسرائيلية عن ابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية؛ فبين شق الطرق الالتفافية، وتوسيع المستوطنات، وإنشاء البؤر الجديدة، ومصادرة الأراضي، وفرض السيطرة على محاور الحركة، تتبلور خريطة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، هدفها تكريس التجزئة الجغرافية وعزل المدن والبلدات والقرى الفلسطينية عن بعضها بعضًا.

وخلال أسبوع واحد، كشفت مخططات الاحتلال عن تصعيد واسع في مشاريع الاستيطان والضم الفعلي للأرض، بدءًا من رام الله والبيرة، مرورًا ببيت لحم والخليل، وصولًا إلى قلقيلية ونابلس وسلفيت وجنين، بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين التي طالت المواطنين ومنازلهم ومركباتهم وأراضيهم الزراعية.

ويكشف تقرير الاستيطان الأسبوعي للمكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، للفترة بين 26 سبتمبر/أيلول و2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن مشاريع تتجاوز مجرد التوسع العمراني للمستوطنات، لتستهدف إعادة هندسة المجال الجغرافي الفلسطيني بما يخدم شبكة المستوطنات ويقطع التواصل بين التجمعات الفلسطينية.

رام الله.. طريق استيطاني يشطر المنطقة

في محافظة رام الله والبيرة، يتصدر مخطط إعادة فتح الطريق رقم 463 أمام حركة المستوطنين المشهد، في خطوة تهدد بفصل ثماني قرى وحيين كبيرين في شمال المنطقة الحضرية عن جنوبها.

ويمتد الطريق نحو عشرة كيلومترات بين البيرة ومخيم الجلزون شرقًا وعين قينيا غربًا، ويرتبط بما يعرف بـ”الطريق الصيني”، فيما يتطلب فتحه أمام المستوطنين ترتيبات أمنية وعسكرية، بينها إقامة نقاط عسكرية وحواجز، مع احتمال الاستيلاء على أراضٍ بمحاذاته.

ولا تكمن خطورة المشروع في الطريق ذاته فحسب، بل في أثره على حياة عشرات آلاف الفلسطينيين، إذ يمكن أن يعزل قرى رأس كركر والجانية ودير عمار وبيللو وجمالا ودير نظام وكفر نعمة، إلى جانب ضاحية الريحان وحي الطيرة، عن أجزاء من المنطقة الحضرية.

كما يهدد بتعقيد الوصول إلى مرافق حيوية، بينها المستشفى الاستشاري والجامعة العربية الأميركية ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي.

وكشفت صحيفة “هآرتس” عن تحركات مكثفة لفتح الطريق أمام المستوطنين، بالتزامن مع مساعٍ للسيطرة على الأراضي والطرق على امتداد ما يسمى “محور فالرشتاين”، في وقت تتوسع فيه البؤر الاستيطانية وشبكة الطرق المخصصة لخدمة المستوطنين.

وتأتي هذه التحركات في ظل نشاط استيطاني متزايد في محيط كتلتي “تلمون” و”دوليف”، حيث استولى مستوطنون تدريجيًا على مساحات من بساتين الزيتون وينابيع المياه التابعة للقرى الفلسطينية، بالتزامن مع أعمال تسوية أراضٍ ووضع بوابات ومكعبات إسمنتية ورفع الأعلام الإسرائيلية في محيط حي الطيرة.

بيت لحم والخليل.. حزام استيطاني يضيق على الجنوب

وفي جنوب الضفة، تتقدم مشاريع الاحتلال لإنشاء مستوطنات جديدة وتوسيع القائم منها، بما يعزز التواصل الاستيطاني بين القدس والخليل والبحر الميت.

وفي هذا السياق، تتجه سلطات الاحتلال إلى إقامة مستوطنة جديدة جنوب تجمع “غوش عتصيون” تحت اسم “غد نتان”، في موقع استراتيجي على الطريق بين التجمع الاستيطاني والخليل و”كريات أربع”.

كما صادقت حكومة الاحتلال على إقامة ست مستوطنات جديدة ضمن “غوش عتصيون”، عبر شرعنة بؤر استيطانية وتحويلها إلى مستوطنات مستقلة، بينها “مسوعوت هار”، و”غفعات أدولام”، و”بني كيدم”، و”يتسيف/أفيا”، و”ياعر هكرن”، و”سديه بار”.

ويضع هذا التوسع قرى وبلدات فلسطينية عدة تحت ضغط استيطاني متصاعد، بينها الولجة وبتير ونحالين ووادي فوكين وجبعة، كما يعزز مخاطر قطع التواصل الجغرافي بين بيت لحم والخليل.

وفي الخليل، صادقت سلطات الاحتلال على مخططين استيطانيين يشتملان على 567 وحدة استعمارية، بينها 342 وحدة في مستوطنة “عسائيل” المقامة على أراضي السموع، و225 وحدة في مستوطنة “بيت حجاي” المقامة على أراضي الريحية في بلدة دورا.

قلقيلية.. 400 وحدة جديدة على طريق العزل

وفي محافظة قلقيلية، طرحت سلطات الاحتلال عطاءً لبناء 400 وحدة استعمارية جديدة في مستوطنة “كرني شومرون”، في خطوة تنقل المشروع إلى مرحلة متقدمة من التنفيذ.

وتقام المستوطنة على أراضي عزون وجينصافوط وكفر لاقف، فيما يستهدف التوسع ربطها بمستوطنات “قدوميم” و”معالي شومرون” و”إيمانويل”، بما يوسع الكتلة الاستيطانية في عمق الضفة الغربية.

ولا ينفصل بناء الوحدات الجديدة عن شق الطرق وتسييج الأراضي ومصادرة المساحات الزراعية، إذ صدرت خلال سبتمبر/أيلول أوامر بمصادرة 160 دونمًا من أراضي جيوس و21 دونمًا من أراضي إماتين.

كما تتواصل محاولات تحويل البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية المنتشرة بين جينصافوط وجيت وحجة إلى مستوطنات مستقلة أو أحياء تابعة لمستوطنات أكبر.

الأقصى في مرمى الاستيطان والاقتحامات

وبالتوازي مع تمدد الاستيطان في الضفة، تصاعدت الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، حيث اقتحم نحو 1317 مستوطنًا المسجد خلال أسبوع واحد، بالتزامن مع ما يسمى “عيد العرش” اليهودي.

وشهدت الاقتحامات أداء طقوس تلمودية علنية في باحات المسجد، وسط انتشار واسع لقوات الاحتلال وتشديد الإجراءات على أبواب البلدة القديمة والمسجد الأقصى.

وبحسب التقرير، ارتفع عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى منذ بداية العام إلى 52,277 مستوطنًا.

كما شملت الإجراءات إغلاق طرق مؤدية إلى المسجد وإجبار أصحاب محال في سوق القطانين على إغلاق متاجرهم خلال الاقتحامات.

المستوطنون يفتحون جبهة واسعة ضد الفلسطينيين

وعلى الأرض، ترافقت المشاريع الاستيطانية مع موجة اعتداءات واسعة على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية.

ففي الخليل، هاجم مستوطنون مواطنين في خربة صافا ببيت أمر وأطلقوا النار باتجاههم، فيما هدمت قوات الاحتلال منشآت وجرفت أراضي زراعية في خربة حمصة غرب الخليل.

وفي مسافر يطا، خرب مستوطنون ممتلكات المواطنين وسرقوا مزرعة حمام، وطاردوا مركبات عمال وأطلقوا النار عليها، ما أدى إلى إصابة أحد العمال، فيما تعرض الفتى مصطفى الجبور لاعتداء بالضرب في منطقة حوارة شرق يطا.

كما قاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير اقتحامًا للحرم الإبراهيمي شارك فيه مئات المستوطنين.

وفي رام الله، استهدفت سلطات الاحتلال 56.026 دونمًا من أراضي كفر مالك بأمر عسكري يقضي بإزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون بذريعة أمنية، بينما تعرضت أراضٍ في سنجل وترمسعيا لسرقة ثمار الزيتون.

وفي قرية المغير، هاجم مستوطنون مركبة إسعاف وسرقوا معدات زراعية، وأحرقوا مركبتين وخيمة، وكتبوا شعارات عنصرية على منازل المواطنين.

كما اقتلعت قوات الاحتلال في بيت عور الفوقا عشرات أشجار الزيتون وجرفت أراضي وأشجارًا حرجية، وأخطرت بتجريف 29 دونمًا أخرى.

وفي رنتيس، أحرق مستوطنون ثلاث مركبات وكتبوا شعارات عنصرية على جدران منازل المواطنين، بينما اعتدى مستوطنون في برقا على أراضٍ زراعية وأطلقوا مواشيهم بين أشجار الزيتون.

وفي بيت ريما، جرفت قوات الاحتلال مساحات واسعة واقتلعت مئات الأشجار المعمرة.

نابلس وسلفيت وجنين.. الأرض تحت الهجوم

وفي محافظة نابلس، اعتدى مستوطنون على شبان واحتجزوا مركبتهم في منطقة العرمة ببيتا، بينما أحرق عشرات المستوطنين منزلين لعائلة الطوباسي في جالود، بعد محاولة العائلة العودة إليهما تنفيذًا لقرار قضائي، كما أحرقوا مركبة للعائلة وحاولوا إحراق مدرسة قبل أن يتصدى لهم الأهالي.

وفي قريوت، هاجم مستوطنون منازل المواطنين بالحجارة واعتدوا على مسنة وحاولوا إحراق منزلها.

أما في سلفيت، فمنع مستوطنون مزارعين من ديراستيا من الوصول إلى أراضيهم لقطف الزيتون، واقتحموا ملعب قراوة بني حسان وأجبروا الشبان على مغادرته تحت تهديد السلاح.

كما اقتحم عشرات المستوطنين بلدة كفل حارس بحماية قوات الاحتلال، ودهموا المقامات الدينية الإسلامية وأدوا طقوسًا تلمودية وخربوا ممتلكات المواطنين.

وفي جنين، سرق مستوطنون ثمار الزيتون من أراضي خربة مسعود، فيما نظم ما يسمى مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية مسيرة بين مستوطنتي “غانيم” و”كاديم”، في تحرك يستهدف الترويج لإعادة إقامة المستوطنتين.

وبينما تتوزع هذه المشاريع والاعتداءات على محافظات الضفة، يجمعها مسار واحد: توسيع المستوطنات، السيطرة على الأرض، تغيير شبكة الطرق، التضييق على حركة الفلسطينيين، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جزر منفصلة تحاصرها المستوطنات والطرق والحواجز.

وهكذا لا يجري الاستيطان في الضفة الغربية عبر بناء وحدات جديدة فحسب، بل عبر منظومة متكاملة تعيد تشكيل الأرض وحركة السكان، وتدفع تدريجيًا نحو واقع جغرافي أكثر تجزئة، فيما تتواصل عمليات المصادرة والتهجير والاعتداء على الفلسطينيين تحت حماية جيش الاحتلال.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest