
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن المشاهد التي بثتها قناة الجزيرة للقائد العام السابق لكتائب القسام محمد الضيف، ضمن حلقة برنامج «ما خفي أعظم»، مجرد مادة وثائقية تستعيد محطات من حياته ومسيرته؛ فقد تحولت إلى مساحة واسعة للتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، امتزجت فيها مشاعر الحزن باستحضار الذكريات، واستعادة مواقف وشخصيات غابت عن المشهد، فيما أعادت لقطات ظهوره أمام الكاميرا فتح الحديث عن سنوات طويلة ظل فيها اسمه حاضراً ووجهه بعيداً عن الأضواء.
وأثارت الحلقة اهتماماً لافتاً بعدما عرضت مشاهد مصورة يظهر فيها الضيف متحدثاً عن جوانب من حياته وسنوات تخفيه، إلى جانب شهادات ووثائق تناولت مراحل مختلفة من مسيرته، وصولاً إلى قيادته كتائب القسام.
«لم نودعه كما يليق به»
ومن بين أكثر العبارات التي لفتت الانتباه في التفاعل مع الحلقة، تعبير أحد المغردين عن أسفه لغياب الوداع الشعبي الذي يليق بالضيف، معتبراً أن من أكثر ما يؤلم في رحيله أنه لم يحظ بجنازة تليق بمكانته، ولم يتمكن محبوه من وداعه كما أرادوا.
ولم يكن هذا التعليق معزولاً عن موجة من المنشورات التي استحضرت معنى الغياب، إذ تجاوزت ردود الفعل مجرد التعليق على المشاهد المعروضة، لتتحول إلى استعادة للسنوات التي ارتبط فيها اسم الضيف بحالة من الغموض والتخفي، قبل أن يظهر صوته وصورته في تسجيلات لم يشاهدها الجمهور من قبل.
كما عادت إلى التداول هتافات ارتبطت باسمه، وفي مقدمتها «حط السيف قبال السيف، إحنا رجال محمد ضيف»، وهو الهتاف الذي صدحت به حشود في ساحات المسجد الأقصى عام 2021، خلال أحداث معركة «سيف القدس»، قبل أن يمتد صداه إلى مناطق مختلفة من فلسطين.
صورة واحدة تختصر حجم الفقد
لكن المشهد الأكثر تأثيراً في التفاعل كان صورة اجتماع المجلس العسكري لكتائب القسام بكامل أعضائه، برئاسة الضيف، داخل أحد الأنفاق في غزة، في لقطة قالت الجزيرة إن جميع من ظهروا فيها قد استشهدوا.
وأعادت الصورة إلى الواجهة حجم الخسارات التي شهدتها قيادة القسام خلال الحرب، بعدما اجتمعت وجوه غابت تباعاً في مشهد واحد، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التعبير عن وقع الصورة وما تحمله من دلالات الفقد.
وكتبت الصحفية فاطمة عبد الله، في تعليقها على المشهد، أن الصورة جمعت الخسارات دفعة واحدة، وأعادت إلى الذاكرة حجم ما غاب عن الفلسطينيين، مضيفة أنها بدت وكأنها تستحضر مجالس كاملة ووجوهاً كان لها حضورها في الذاكرة.
كما تفاعل مغردون مع الصورة باعتبارها مشهداً يلخص مرحلة كاملة من الحرب، وما شهدته من خسارة شخصيات قيادية، فيما رأى آخرون أن اجتماع هذه الوجوه في لقطة واحدة جعل وقع الغياب أكثر ثقلاً على المتابعين.
وقال الصحفي محمود هنية “جميع من في هذه الصورة استُشهد”، وأضاف: ما أقسى الجملة التي قالها الزميل تامر المسحال، جميع قادة المقاومة التاريخيين في غزة، جميع القادة المؤسسين، خير من أنجبت فلسطين، رجال لم ولن تلد أجيال الأمة مثيلا لهم.
هؤلاء من خذلتهم أمتهم.. هؤلاء كل أمتهم “خصومهم أمام الله”.
كما قال فيصل بن علي السعيدي: “دار الأرقم بيتٌ متواضع عند الصفا، انطلقت منه دعوةٌ بلغت المشرق والمغرب، وغار ثورٍ صخرةٌ لا تتَّسع لأكثر من اثنين، كان بابًا إلى الهجرة وقيام الدولة، وحلقات العلم على الحُصر أخرجت للأمة دواوين تنهل منها إلى اليوم”.
صورة نادرة تعود إلى مطلع التسعينيات
وامتد التفاعل من مشاهد الحلقة إلى الصور والوثائق المرتبطة بالمراحل الأولى من مسيرة الضيف، إذ نشر الكاتب ياسين عز الدين صورة قال إنها تُنشر للمرة الأولى، وتعود إلى فترة وجود الضيف في الضفة الغربية مطلع تسعينيات القرن الماضي، خلال مشاركته في جهود تأسيس الجناح العسكري هناك.
وأوضح عز الدين أن الصورة تجمع الضيف بالشهيد القسامي أمجد أبو خلف، أحد أفراد وحدة الأهوال في الخليل، مشيراً إلى أنها التُقطت داخل أحد الكهوف.
وأعادت الصورة فتح النقاش حول الحضور المبكر للضيف في الضفة الغربية، والمرحلة التي سبقت توليه قيادة كتائب القسام، كما أضافت مادة بصرية نادرة إلى السرد المتداول عن مسيرته، بعدما ارتبطت صورته في أذهان الجمهور لسنوات طويلة بالتخفي والظهور المحدود.
من استعادة السيرة إلى قراءة التاريخ
وامتد التفاعل إلى استحضار شخصيات الضيف والقادة الذين ظهروا في الحلقة، إذ رأت المغردة سناء أن جيلها لم يعاصر الصحابة، لكنه شهد رجالاً في غزة ذكّروه بسير العظماء، ووصفت الضيف بأنه «جبل الإيمان».
كما كتبت المغردة ياسمين خالد معبرة عن امتنانها لمعايشة زمن هؤلاء القادة وشهود مواقفهم، فيما رأى المغرد ناجي أن كل شخصية ظهرت في البرنامج تمثل تاريخاً قائماً بذاته، بالنظر إلى ما ارتبط بها من محطات وتضحيات.
ولم تقتصر التعليقات على مشاهد الظهور والاجتماعات، بل امتدت إلى تفاصيل شخصية من حياة الضيف، ولا سيما ما كشفته الحلقة بشأن فقدانه نجله علي في غارة إسرائيلية عام 2014.
وفي هذا السياق، استحضر متفاعلون سنوات التخفي والملاحقة التي عاشها الضيف، وما رافقها من حرمان ومعاناة شخصية، معتبرين أن ما عرضته الحلقة كشف جانباً إنسانياً لم يكن حاضراً بالقدر نفسه في الصورة العامة التي عرفه بها الجمهور.
«غزة والضفة أسرة واحدة»
ومن بين المحطات التي استعادها المتفاعلون أيضاً، ما كشفه الأسير المحرر عبد الناصر عيسى بشأن علاقته بالضيف، وتخطيطهما مع يحيى عياش عام 1995 للنهوض بالعمل العسكري في الضفة الغربية.
واستحضر عيسى عبارة قال إن الضيف كان يرددها باستمرار: «غزة والضفة أسرة واحدة»، وهي عبارة أعادت إلى النقاش حضور العلاقة بين جغرافيا فلسطين في الذاكرة السياسية والوطنية، ووجدت صداها في التعليقات التي تناولت وحدة القضية الفلسطينية.
وفي قراءة أوسع لمضمون الحلقة، رأى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم القرا أنها تجاوزت توثيق سيرة شخصية إلى تقديم سردية سياسية وتاريخية عن المراحل التي سبقت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، معتبراً أن الأحداث لم تكن منفصلة عن مسار طويل من التطورات.
وبين مشاهد الظهور النادرة، وصورة المجلس العسكري، والصورة القديمة التي أعادت الضيف إلى بداياته في الضفة الغربية، والتعليقات التي استحضرت الوداع الغائب، بدت موجة التفاعل أكبر من مجرد اهتمام بحلقة تلفزيونية؛ إذ أعادت فتح مساحة من الذاكرة الفلسطينية، تداخلت فيها السيرة الشخصية مع الفقد الجماعي، واستعادة الوجوه التي غابت عن المشهد خلال الحرب.
وهكذا، لم يكن السؤال الذي تكرر في كثير من التعليقات متعلقاً بما كشفته الحلقة من أسرار فحسب، بل بما حملته المشاهد والصور من إحساس متجدد بغياب شخصيات لم تتح للجمهور فرصة وداعها، ولا استيعاب حجم الخسارة التي تركتها وراءها.

