القذائف غير المنفجرة بغزة.. قنابل موقوتة تهدد الإنسان والأرض وتعرقل إعادة الإعمار

القذائف غير المنفجرة بغزة.. قنابل موقوتة تهدد الإنسان والأرض وتعرقل إعادة الإعمار

المركز الفلسطيني للإعلام

لا تنتهي مخاطر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بانحسار القصف أو توقف أصوات الانفجارات، فبين ركام المنازل المدمرة، وتحت أنقاض المباني، وفي الطرقات والأراضي الزراعية، تختبئ ذخائر وقذائف غير منفجرة، تشكل تهديدًا مستمرًا لحياة الفلسطينيين، وقد تنفجر في أي لحظة، مخلفةً مزيدًا من الضحايا والخسائر.

وقال الخبير في علوم البيئة د. عبد الفتاح نظمي عبد ربه إن الذخائر غير المنفجرة تحولت إلى قنابل موقوتة تلاحق سكان قطاع غزة في تفاصيل حياتهم اليومية، وتمثل امتدادًا خطيرًا لتداعيات الحرب الإسرائيلية خلال الفترة 2023–2026، إذ لا تقتصر مخاطرها على الإصابات المباشرة، بل تمتد إلى البيئة والبنية التحتية والأراضي الزراعية، فضلًا عن عرقلة عودة السكان إلى منازلهم وجهود إعادة الإعمار.

وأضاف عبد ربه في مقابلة مع المركز الفلسطيني للإعلام أن التعامل مع هذه المخلفات يمثل ضرورة إنسانية وبيئية ملحّة، تتطلب تحركًا دوليًا منظمًا لتحديد المناطق الخطرة وإزالة الذخائر وفق إجراءات متخصصة، إلى جانب تكثيف التوعية المجتمعية لحماية المدنيين، ولا سيما الأطفال والنازحين والعائدين إلى المناطق المتضررة.

خطر لا ينتهي بانتهاء القصف

وأوضح عبد ربه أن الذخائر غير المنفجرة (Unexploded Ordnance – UXO) تُعد من أخطر مخلفات الحروب، وتشمل القنابل والقذائف والصواريخ التي لم تنفجر عند استخدامها، أو لم تعمل وفق آلية التفجير المصممة لها، مشيرًا إلى أن بعضها قد يظل قابلًا للانفجار بعد مرور أشهر أو سنوات، حتى لو بدا في صورة جسم معدني مهمل.

وبيّن أن خطورة هذه الذخائر تتضاعف في قطاع غزة بفعل الكثافة السكانية المرتفعة، وضيق المساحة الجغرافية، واتساع نطاق الدمار، واضطرار السكان إلى العودة لمناطقهم أو الإقامة بالقرب من المباني المتضررة، رغم ما قد يحيط بها من مخاطر غير ظاهرة.

وأضاف أن الذخائر قد تُدفن تحت طبقات الركام والأتربة، أو تختلط ببقايا المباني والممتلكات، ما يجعل اكتشافها بالعين المجردة أمرًا صعبًا، ويرفع احتمالات التعامل معها دون معرفة طبيعتها الحقيقية، وهو ما يحول مواقع الدمار إلى مناطق تنطوي على تهديدات قد تستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

الركام يخفي الموت ويهدد أعمال الإنقاذ والإعمار

وأشار عبد ربه إلى أن أكوام الركام المنتشرة في أحياء قطاع غزة وبلداته تشكل بيئة بالغة الخطورة، إذ قد تختبئ القذائف والذخائر بين كتل الخرسانة والحديد والأتربة، أو داخل المباني التي تعرضت للقصف ولم تنهَر بالكامل.

ولفت إلى أن بعض الأجسام المعدنية قد تبدو للسكان مجرد قطع من الخردة، بينما يمكن أن تكون ذخائر خطرة، الأمر الذي يزيد احتمالات وقوع الحوادث، خصوصًا في ظل اضطرار الأهالي إلى إزالة الأنقاض يدويًا بحثًا عن مقتنياتهم أو لتجهيز أماكن مؤقتة للإقامة.

وأضاف أن المخاطر لا تقتصر على السكان، بل تمتد إلى العمال والفرق التي تتولى فتح الطرق وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، إذ قد يؤدي البدء بهذه الأعمال دون تقييم متخصص للمخاطر المتفجرة إلى تعريض حياتهم للخطر وتعطيل مشاريع إعادة الخدمات الأساسية.

وأوضح أن المناطق المشتبه في احتوائها على الذخائر قد تشمل أيضًا الأراضي الزراعية والطرقات ومحيط المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، ما يجعل التعامل مع آثار الحرب بحاجة إلى مسوحات ميدانية متخصصة وتنسيق مستمر بين فرق إزالة الذخائر والجهات الهندسية والبيئية والإنسانية.

وأكد أن إزالة الركام لا ينبغي أن تقتصر على نقل الأنقاض، بل يجب أن تسبقها، حيثما وجدت مؤشرات على وجود مخلفات متفجرة، إجراءات لتقييم المخاطر والتعامل معها بأمان، بما يحمي السكان والعاملين ويمنع وقوع حوادث جديدة.

الأطفال والنازحون والعائدون في دائرة الخطر

وحذّر عبد ربه من أن الأطفال يُعدون من أكثر الفئات عرضة لمخاطر الذخائر غير المنفجرة، إذ قد يدفعهم الفضول إلى الاقتراب من الأجسام الغريبة أو التقاطها، ظنًا منهم أنها ألعاب أو قطع معدنية عادية.

وأضاف أن تضرر المدارس والمساحات الترفيهية، واضطرار الأطفال إلى قضاء أوقاتهم بالقرب من الخيام والأنقاض، يزيد أهمية نشر رسائل التوعية بينهم وبين أسرهم، وتعريفهم بضرورة الابتعاد عن أي جسم مجهول وعدم لمسه أو تحريكه.

وأشار إلى أن النازحين والعائدين إلى مناطقهم يواجهون معضلة قاسية بين الحاجة إلى المأوى واستعادة الممتلكات من جهة، ومخاطر الذخائر الكامنة في محيط منازلهم وأراضيهم من جهة أخرى، لافتًا إلى أن الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة قد تدفع بعض السكان إلى جمع المعادن والخردة من مواقع الدمار دون إدراك حجم الخطر.

وبيّن أن عواقب انفجار هذه الذخائر لا تتوقف عند الوفاة والإصابات المباشرة، بل قد تشمل بتر الأطراف والإعاقات الدائمة والصدمات النفسية وفقدان مصادر الدخل، فضلًا عن زيادة الأعباء على المنظومة الصحية في قطاع غزة، التي تواجه نقصًا في الإمكانات واحتياجات علاجية متراكمة.

وشدد على أن حماية هذه الفئات تتطلب إجراءات وقائية متكاملة، تجمع بين إزالة الذخائر من المواقع المتضررة، وتوفير المعلومات والتحذيرات اللازمة، وضمان عدم تعريض المدنيين لمهام التعامل المباشر مع الأجسام المشبوهة.

تهديد بيئي يعمّق أزمة القطاع

وأوضح عبد ربه أن مخاطر الذخائر غير المنفجرة لا تقتصر على الإنسان، بل تمتد إلى البيئة، إذ إن وجودها في التربة والأراضي الزراعية ومناطق الركام يعرقل استعادة النشاط الزراعي، ويؤخر إصلاح البنية التحتية، ويزيد تعقيد عمليات إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.

وأضاف أن بعض الذخائر ومكوناتها قد تحتوي، بحسب نوعها وحالتها، على مواد كيميائية ومعادن يمكن أن تضر بالبيئة، مؤكدًا أن تحديد طبيعة التلوث ومدى انتشاره يتطلب فحوصًا ميدانية وتحاليل مخبرية متخصصة، ولا يمكن افتراض أن جميع المناطق المتضررة تعاني المستوى نفسه من التلوث.

وأشار إلى أن اختلاط الذخائر بمخلفات البناء والنفايات والمواد الخطرة الأخرى يزيد صعوبة المعالجة، ويجعل إزالة الركام عملية تتطلب تقييمًا دقيقًا للمخاطر وفرزًا آمنًا للمواد، إلى جانب التنسيق بين الجهات المختصة بإزالة الذخائر والفرق الهندسية والبيئية.

وأكد أن استعادة الأراضي الزراعية والمناطق السكنية لا تتحقق بمجرد إزالة مظاهر الدمار، بل تستلزم التأكد من خلو المواقع المستهدفة من المخاطر المتفجرة، وتقييم الآثار البيئية المحتملة ومعالجتها استنادًا إلى نتائج الفحوص المتخصصة.

إزالة الذخائر شرط أساسي لإعادة الإعمار

وأكد عبد ربه أن إعادة الإعمار الآمنة والمستدامة في قطاع غزة لا يمكن أن تتحقق دون التعامل الجاد مع الذخائر غير المنفجرة، موضحًا أن إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات، وفتح الطرق، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، واستصلاح الأراضي الزراعية، كلها أعمال قد تتعطل أو تعرض حياة السكان والعاملين للخطر إذا لم تسبقها عمليات متخصصة لتقييم المواقع المشتبه في احتوائها على ذخائر.

وأضاف أن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعمًا دوليًا عاجلًا لتوفير الخبراء والمعدات اللازمة، وتسهيل وصول فرق إزالة الذخائر، وتدريب الكوادر المحلية، وإجراء مسوحات ميدانية للمناطق المتضررة، وإعداد خرائط للمواقع المشتبه في خطورتها، إلى جانب إنشاء آليات واضحة للإبلاغ عن الأجسام المشبوهة والاستجابة لها.

وشدد على ضرورة إدماج مخاطر الذخائر في خطط التعافي وإعادة الإعمار والتقييم البيئي، باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بالصحة العامة وحماية المدنيين واستدامة الموارد الطبيعية، محذرًا من أن تأخير معالجتها قد يضاعف كلفة الإعمار، ويؤخر عودة السكان إلى منازلهم، ويزيد صعوبة تنفيذ المشاريع الحيوية.

وأوضح أن عمليات إزالة الذخائر ينبغي أن تسير بالتوازي مع إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وفق أولويات تراعي مستوى الخطر واحتياجات السكان، مع ضمان عدم تكليف المدنيين أو العمال غير المتخصصين بمهام التعامل المباشر مع هذه المخلفات.

التوعية المجتمعية.. خط الدفاع الأول

وأشار عبد ربه إلى أن التوعية المجتمعية تمثل خط الدفاع الأول للحد من الحوادث، في انتظار توسيع عمليات المسح والإزالة، مؤكدًا ضرورة إيصال رسائل التحذير إلى الأطفال وأسرهم والنازحين والعائدين والعاملين في إزالة الركام وجمع الخردة.

وأوضح أن قواعد السلامة الأساسية تقتضي عدم الاقتراب من أي جسم مشبوه أو لمسه أو تحريكه أو محاولة فتحه أو نقله، مع إبعاد الآخرين عن الموقع دون تعريض النفس للخطر، وإبلاغ الجهات المختصة أو فرق الطوارئ المعتمدة متى أمكن ذلك بأمان.

وأضاف أن تجنب الحفر العشوائي وجمع المعادن من المواقع التي تعرضت للقصف قبل تقييمها من الجهات المتخصصة يمثل إجراءً ضروريًا للحد من الحوادث، ولا سيما في المناطق التي تشهد عودة السكان أو أعمال إزالة الأنقاض وإصلاح البنية التحتية.

ولفت إلى أهمية تكثيف حملات التوعية في المدارس ومراكز الإيواء والتجمعات السكانية، وتوفير وسائل واضحة للإبلاغ عن الأجسام المشبوهة، وضمان استجابة الفرق المختصة، مشددًا على أن التوعية، رغم أهميتها، لا تغني عن عمليات المسح والإزالة المتخصصة، بل ينبغي أن تسير معها بالتوازي.

مسؤولية دولية لا تحتمل التأجيل

وقال عبد ربه إن بقاء الذخائر غير المنفجرة في قطاع غزة ليس تفصيلًا هامشيًا من تداعيات الحرب، بل خطر مستدام يمس حق الفلسطينيين في الحياة والأمان والعودة إلى منازلهم وأراضيهم، ويثقل كاهل المجتمع الفلسطيني، ويؤخر التعافي الاقتصادي والبيئي، ويجعل آثار الحرب ممتدة لسنوات بعد توقف العمليات العسكرية.

وأضاف أن مواجهة هذا الخطر تستدعي تحركًا دوليًا منظمًا لتوفير التمويل والخبرات والمعدات، ودعم عمليات المسح وإزالة الذخائر، وتوعية السكان، ومساعدة الضحايا وتأهيل المصابين، إلى جانب توثيق الحوادث وتقييم الأضرار البيئية ونشر البيانات الموثوقة التي تساعد على تحديد حجم المشكلة ووضع خطط عملية لمعالجتها.

وأكد أن حماية سكان قطاع غزة لا تتحقق بإزالة الأنقاض وإعادة بناء الجدران وحدها، بل تبدأ أيضًا بتأمين المناطق المتضررة من المخاطر المتفجرة، وتوفير الإمكانات اللازمة للفرق المتخصصة، وضمان عودة السكان إلى بيئة آمنة.

وختم عبد ربه بالتأكيد أن القذائف التي لم تنفجر أثناء الحرب قد تواصل تهديد الإنسان والأرض لسنوات بعدها، وأن إعادة الإعمار الحقيقية لا تعني أن تعود المنازل قائمة فحسب، بل أن يستطيع أصحابها العيش فيها بأمان، بعيدًا عن خطر قد يظل كامنًا تحت الركام أو في الأرض، ينتظر لحظة عابرة ليصنع مأساة جديدة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest