
المركز الفلسطيني للإعلام
تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة أزمة غير مسبوقة، مع تراجع قدرات المستشفيات، وتعطل أجهزة التشخيص الطبي، والنقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، فيما ينتظر آلاف المرضى والجرحى فرصة السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، وسط مخاطر متزايدة على حياة الحالات الحرجة.
وقال زاهر الوحيدي، مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة الفلسطينية بغزة، إن القطاع الصحي يواجه واقعًا كارثيًا جراء استمرار العدوان الإسرائيلي واستهداف المنشآت الطبية على مدار ثلاث سنوات، ما أدى إلى تراجع الخدمات الصحية وعجز المرافق المتبقية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وأوضح الوحيدي، في تصريحات صحفية، أن 22 مستشفى فقط لا تزال تعمل في القطاع، من أصل 38 مستشفى كانت تقدم خدماتها قبل الحرب، وجميعها تعمل بقدرات جزئية ومحدودة، بينها خمسة مستشفيات حكومية.
وأضاف أن خدمات الرعاية الصحية الأولية تراجعت بدورها، إذ يعمل 98 مركزًا صحيًا فقط من أصل 157 مركزًا، فيما لا تزال المستشفيات الميدانية تؤدي دورًا مساندًا للمنظومة الصحية رغم محدودية إمكاناتها.
عجز دوائي ومستهلكات طبية مهددة بالنفاد
وفي ما يتعلق بنقص الأدوية والمستلزمات الطبية، بيّن الوحيدي أن نسبة العجز العام في الأدوية بلغت 45%، مع تفاقم النقص في أدوية الطوارئ والعناية المركزة، وعلاجات مرضى الأورام، وأدوية الأمراض المزمنة التي تجاوزت نسبة العجز فيها 48%.
وأشار إلى أن العجز في المستهلكات الطبية وصل إلى 56%، بما يشمل مستلزمات جراحة القلب المفتوح والقسطرة القلبية وجراحة العظام وغسيل الكلى، الأمر الذي يضع الطواقم الطبية أمام تحديات خطيرة في تقديم العلاج اللازم للمرضى.
ولفت إلى أن مرضى غسيل الكلى يواجهون نقصًا حادًا في مادة بيكربونات الصوديوم الضرورية لتشغيل الأجهزة، ولا سيما أجهزة «فريزينيوس»، التي تشكل نحو 48% من إجمالي أجهزة الغسيل الكلوي في القطاع.
شلل في أجهزة التشخيص والتصوير الطبي
وتتفاقم الأزمة مع تراجع القدرة على تشخيص الأمراض والإصابات بدقة، في ظل تعطل أجهزة التصوير الطبي وصعوبة صيانتها ونقص قطع الغيار.
وقال الوحيدي إن قطاع غزة كان يمتلك 17 جهازًا للتصوير المقطعي قبل الحرب، لا يعمل منها حاليًا سوى خمسة أجهزة، وبإمكانات محدودة، لخدمة أكثر من 2.3 مليون نسمة.
وأضاف أن أجهزة الرنين المغناطيسي التسعة الموجودة في القطاع توقفت جميعها عن العمل، ما يحرم الأطباء من إجراء فحوصات ضرورية لتشخيص أمراض الأعصاب والعمود الفقري وتحديد التدخلات الجراحية المناسبة.
وحذّر من أن استمرار تعطل هذه الأجهزة ينعكس مباشرة على فرص المرضى في الحصول على تشخيص دقيق وعلاج مناسب، ويزيد من تعقيد الحالات المرضية وإطالة فترات الانتظار.
21 ألف مريض ينتظرون العلاج خارج القطاع
وفي ملف الإجلاء الطبي، كشف الوحيدي أن نحو 21 ألف مريض بحاجة ماسة إلى السفر للعلاج خارج قطاع غزة، بينهم قرابة 5600 طفل و2800 مريض أورام.
وأوضح أن القائمة تضم 194 حالة مصنفة ضمن الحالات العاجلة المنقذة للحياة، إضافة إلى نحو ألفي حالة طارئة تحتاج إلى تدخل طبي سريع.
وأشار إلى وفاة 2027 مريضًا أثناء انتظار فرصة السفر منذ إغلاق معبر رفح في 5 مايو/أيار 2024، وفق الأرقام التي أوردها، مؤكدًا أن هؤلاء المرضى كانوا بحاجة إلى العلاج خارج القطاع.
كما ذكر أن نحو 1500 مريض سرطان توفوا خلال الحرب من أصل 12 ألف مريض أورام مسجلين في القطاع، بينهم قرابة 600 طفل، في حين لا يزال آلاف المرضى بحاجة إلى العلاج التخصصي.
وتعكس هذه الأرقام حجم المأساة التي يعيشها المرضى المحرومون من العلاج، في ظل محدودية الإمكانات الطبية داخل القطاع وتعذر وصول كثير منهم إلى المراكز العلاجية المتخصصة خارجه.
سوء التغذية يفاقم المخاطر على الأطفال والأمهات
ولا تقتصر تداعيات الأزمة الصحية على الجرحى وأصحاب الأمراض المزمنة، بل تمتد إلى الأطفال والأمهات، في ظل آثار المجاعة وسوء التغذية وتدهور ظروف الرعاية الصحية.
وقال الوحيدي إن سوء التغذية تسبب في وفاة 475 شخصًا خلال عام 2025، بينهم 165 طفلًا دون الخامسة، وفق البيانات التي عرضها، مشيرًا إلى تسجيل 23 ألف طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد أو المتوسط خلال عام 2026، إضافة إلى تسع وفيات جديدة بين الأطفال للسبب ذاته.
وأضاف أن الأمهات الحوامل يواجهن مخاطر صحية متزايدة بسبب فقر الدم والأنيميا، موضحًا أن 30% من الولادات تُسجل مبكرة، وفق الأرقام الواردة في الحوار.
وأشار كذلك إلى تسجيل ارتفاع في حالات الإجهاض، بلغت ذروته في مارس/آذار الماضي، بواقع 377 حالة لكل ألف ولادة، بحسب البيانات التي ذكرها.
نقص الحضانات يهدد حديثي الولادة
وفي ظل تزايد الاحتياجات الصحية، تواجه أقسام الولادة والحضانات ضغطًا متصاعدًا، مع محدودية الأسرة المخصصة لرعاية الأطفال حديثي الولادة والحالات التي تحتاج إلى عناية فائقة.
وأوضح الوحيدي أن عدد الأسرة المتاحة حاليًا للعناية والحضانة يبلغ 117 سريرًا، بينها 48 سريرًا للعناية الفائقة بحديثي الولادة و69 سريرًا للعناية الخاصة، مقارنة بنحو 194 سريرًا قبل الحرب.
وأضاف أن عدد الأسرة تراجع في ذروة الحرب إلى 62 سريرًا فقط، قبل أن يرتفع مجددًا بجهود مشتركة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» ومنظمة الصحة العالمية.
وأشار إلى أن تدمير عدد من المستشفيات وخروجها عن الخدمة، بينها المستشفى الأوروبي ومستشفى النجار ومستشفى الهلال الإماراتي ومستشفى الدرة، أسهم في تقليص القدرة على تقديم الرعاية التخصصية للأطفال.
وتكشف هذه المعطيات أن الأزمة الصحية في غزة لم تعد مقتصرة على نقص الأدوية أو تراجع عدد المستشفيات، بل باتت تشمل حلقات العلاج كافة، من التشخيص والفحوصات إلى العمليات الجراحية والرعاية التخصصية والإجلاء الطبي.
وفي ظل استمرار القيود على دخول المعدات والمستلزمات الطبية وتعذر سفر آلاف المرضى، تتزايد المخاطر التي تهدد حياة أصحاب الأمراض المزمنة ومرضى الأورام والأطفال والجرحى، فيما تظل قدرة المرافق الصحية المتبقية محدودة أمام حجم الاحتياجات المتراكمة.

