انهيار عمارة «السعادة».. مبنى واحد يفتح ملف آلاف الأبنية المهددة في غزة

انهيار عمارة «السعادة».. مبنى واحد يفتح ملف آلاف الأبنية المهددة في غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد خطر الحرب في قطاع غزة مرتبطًا بالقصف وحده؛ فالمباني التي أصابتها الصواريخ والقذائف وبقيت قائمة تحولت إلى خطر مؤجل يهدد سكانها والنازحين الذين اضطروا إلى الاحتماء فيها، في ظل غياب المساكن الآمنة ونقص المعدات اللازمة لفحص الأبنية المتضررة أو تدعيمها أو إزالتها.

وجاء انهيار عمارة «السعادة» في مدينة غزة، الأربعاء، ليكشف جانبًا من هذا الخطر، بعدما انهارت البناية فوق أسر نازحة لجأت إليها، مخلفة شهداء وجرحى ومفقودين، فيما واجهت فرق الإنقاذ صعوبات كبيرة في الوصول إلى العالقين تحت الركام بسبب محدودية المعدات والآليات الثقيلة.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن البناية مكونة من ست طبقات، تضم كل طبقة أربع شقق سكنية، وكانت قد تعرضت لاستهداف مباشر خلال الحرب، ما أدى إلى إضعاف بنيتها قبل انهيارها فوق الأسر النازحة التي لجأت إليها قسرًا، في ظل انعدام أماكن الإيواء البديلة والآمنة.

وحمل المكتب الإعلامي الحكومي الاحتلال الإسرائيلي والمجتمع الدولي المسؤولية عن انهيار المبنى، وقال إن مصير عشرات الضحايا من الأطفال والنساء لا يزال مجهولًا تحت الأنقاض، مشيرًا إلى أن استمرار رفض إدخال المعدات والآليات ومستلزمات الإنقاذ يعيق عمليات انتشال الضحايا والتعامل مع الكارثة. وهذه اتهامات ومواقف أعلنها المكتب في بيانه عقب الانهيار.

مأساة «السعادة» ليست حادثًا منفردًا

ولا تتوقف خطورة ما جرى عند مبنى واحد؛ فالحادث أعاد فتح ملف الأبنية التي تعرضت لأضرار إنشائية واسعة خلال الحرب، وبقيت قائمة من دون معالجة أو تقييم هندسي شامل، بينما يواصل السكان والنازحون الإقامة في مناطق تحيط بها منشآت متضررة.

وحذر المكتب الإعلامي الحكومي من أن آلاف الأبنية المتصدعة في قطاع غزة ما زالت مهددة بالانهيار في أي وقت، فيما لا تزال أعداد كبيرة منها مأهولة بالسكان والنازحين، في ظل عدم وجود بدائل أو مساحات كافية لإقامة مراكز إيواء جديدة.

ويكشف ذلك عن أزمة مزدوجة: مبانٍ فقدت جزءًا من قدرتها الإنشائية، وسكان لا يملكون في كثير من الحالات مكانًا آخر للذهاب إليه. وبالتالي، فإن إخلاء المبنى المتضرر لا يمكن أن يكون حلًا قائمًا بذاته، ما لم يترافق مع توفير مأوى بديل وآمن.

مفقودون تحت الأنقاض.. ومعدات غائبة

وفي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات البحث عن المفقودين تحت أنقاض «السعادة»، تواجه فرق الإنقاذ مشكلة أخرى تتمثل في نقص الآليات الثقيلة ومعدات رفع الركام وقطع الغيار والوقود.

وأشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن ضحايا انهيار «السعادة» ينضمون إلى أكثر من 8500 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض في مختلف محافظات قطاع غزة، وفق البيانات التي أوردها في بيانه، مؤكدًا حاجتهم إلى تدخل عاجل لانتشالهم.

وتحتاج عمليات البحث في الأبنية المنهارة إلى آليات ثقيلة قادرة على رفع الكتل الخرسانية وإزالة الركام بصورة متدرجة، فضلًا عن معدات الإنقاذ والوقود وقطع الغيار. ويجعل غياب هذه الإمكانات عملية الوصول إلى العالقين أكثر بطئًا وتعقيدًا، خصوصًا في الأبنية التي انهارت طبقاتها فوق بعضها.

ومن هنا، طالب اتحاد بلديات قطاع غزة الجهات المانحة وكافة الجهات ذات العلاقة بالتدخل بصورة عاجلة لتوفير الآليات والمعدات الثقيلة اللازمة للبحث والإنقاذ وإزالة الأنقاض، ودعم فرق الإنقاذ وتمكينها من الوصول إلى المصابين والعالقين وانتشال الشهداء والمفقودين.

كما طالب بتوفير قطع الغيار والزيوت ومستلزمات الصيانة والتشغيل للآليات والمعدات الموجودة في القطاع، لضمان استمرار عملها ورفع قدرتها على الاستجابة لحالات الطوارئ.

الجبهة الشعبية: معدات للإنقاذ والترميم

وفي أعقاب انهيار العمارة، طالبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتحرك عاجل للتعامل مع تداعيات الحادث، ودعت إلى إدخال معدات الإنقاذ والوقود ومستلزمات إزالة الأنقاض والترميم.

كما طالبت بإدخال الكرفانات وصيانة البنية التحتية والبيوت المؤقتة، في ظل اقتراب فصل الشتاء واستمرار اضطرار أعداد كبيرة من السكان إلى العيش في ظروف إيواء هشة.

ووصفت الجبهة انهيار «السعادة» بأنه «جريمة صهيونية مكتملة الأركان»، وحملت الاحتلال المسؤولية عن الكارثة، معتبرة أن استهداف المبنى سابقًا وتركه متضررًا، ثم اضطرار النازحين إلى اللجوء إليه، عوامل أسهمت في وقوع المأساة. وتبقى هذه توصيفات ومواقف سياسية صادرة عن الجبهة عقب الحادث.

«كرفانات» قبل الشتاء

وبالتوازي مع مطالب توفير معدات الإنقاذ، دعا اتحاد بلديات قطاع غزة إلى إدخال بيوت متنقلة آمنة «كرفانات» قبل حلول فصل الشتاء، لاستخدامها بديلًا أكثر أمانًا عن الخيام والمباني المتضررة والآيلة للسقوط.

وتبرز أهمية هذا المطلب في أن إخلاء المباني الخطرة يحتاج إلى بدائل حقيقية؛ فالعائلة التي تُخرج من منزل متضرر من دون توفير مأوى آخر قد تجد نفسها مضطرة إلى العودة إليه، أو الانتقال إلى خيمة لا توفر حماية كافية من الأمطار والبرد.

ويصبح توفير المأوى الآمن، في هذه الحالة، جزءًا من إجراءات الوقاية من الانهيارات، وليس مجرد استجابة إنسانية لأزمة النزوح.

آلاف الأبنية في دائرة الخطر

وتحذر الجهات المحلية والحقوقية من أن المشكلة تمتد إلى عدد كبير من المباني المتضررة، فيما أشار المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين إلى وجود نحو ألفي منزل ومبنى مهدد بالانهيار، داعيًا إلى التعامل العاجل مع هذه الأبنية.

وفي المقابل، تحدث المكتب الإعلامي الحكومي عن آلاف الأبنية المتصدعة المهددة بالانهيار في أي وقت، محذرًا من استمرار سكن المواطنين والنازحين في بعضها في ظل غياب البدائل.

وهذا يعني أن الخطر لا يكمن فقط في الأبنية التي انهارت بالفعل، بل أيضًا في تلك التي ما زالت واقفة، لكنها تحمل أضرارًا قد تتفاقم بمرور الوقت.

فالمبنى المتضرر قد يبدو مستقرًا من الخارج، بينما تكون عناصره الإنشائية قد فقدت جزءًا من قدرتها على تحمل الأحمال، وهو ما يجعل تقييمه هندسيًا وتصنيفه وفق درجة الخطورة خطوة أساسية قبل السماح باستمرار الإقامة فيه.

سباق مع الوقت

وتضع مأساة «السعادة» قطاع غزة أمام سباق مزدوج مع الوقت: سباق للوصول إلى المفقودين والعالقين تحت الأنقاض، وسباق آخر لمنع انهيارات جديدة في مبانٍ متضررة ما زالت مأهولة.

ولذلك لا تبدو الاستجابة المطلوبة مقتصرة على انتشال الضحايا بعد وقوع الانهيار، بل تشمل إجراء مسح هندسي واسع للمباني المتضررة، وتحديد الأبنية الأكثر خطورة، وإخلاء السكان منها، وتوفير بدائل آمنة، إلى جانب إدخال المعدات الثقيلة وقطع الغيار والوقود ومستلزمات الترميم والتدعيم.

ودعا المكتب الإعلامي الحكومي الدول والمنظمات الأممية والدولية إلى التدخل الفوري لرفع القيود عن إدخال آليات ومعدات ومستلزمات الإنقاذ والدفاع المدني، إلى جانب إدخال الاحتياجات الإنسانية والإغاثية إلى القطاع.

ومع اقتراب الشتاء، يصبح خطر المباني المتضررة أكثر إلحاحًا، ليس فقط على من يعيشون داخلها، وإنما على آلاف الأسر التي لا تجد مكانًا آمنًا للابتعاد عنها.

وهكذا، فإن انهيار «السعادة» لا يكشف مأساة مبنى واحد فحسب، بل يفتح ملفًا عمرانيًا وإنسانيًا واسعًا في غزة: مفقودون ينتظرون من ينتشلهم من تحت الركام، وفرق إنقاذ تفتقر إلى المعدات، وأبنية متضررة تنتظر التقييم، وعائلات تبحث عن مأوى، وآلاف المنشآت التي قد تتحول، إذا لم تُعالج، من بقايا حرب إلى مصدر جديد للخطر.

إنقاذ الأرواح هنا لا يبدأ لحظة الانهيار فقط؛ بل يبدأ قبلها، بفحص المبنى، وإخلاء الأخطر، وتأمين مأوى بديل، وتوفير المعدات القادرة على الوصول إلى الركام عندما تقع الكارثة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest