بعد 3 أعوام من الإبادة.. ماذا فقدت غزة؟

بعد 3 أعوام من الإبادة.. ماذا فقدت غزة؟

المركز الفلسطيني للإعلام

بعد ثلاثة أعوام من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، يقف قطاع غزة أمام حصيلة كارثية من الخسائر البشرية والمادية، بعدما استشهد أكثر من 74 ألف فلسطيني، وأصيب نحو 175 ألفًا آخرين، فيما امتد الدمار إلى مئات الآلاف من الوحدات السكنية، وطال معظم البنى التحتية والمنشآت الصحية والتعليمية والاقتصادية.

ولم تتوقف تداعيات الحرب عند أعداد الشهداء والجرحى وحجم المباني المدمرة، بل طالت مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من السكن والتعليم والعلاج إلى مصادر الرزق ومقومات البقاء، في وقت يواجه فيه أكثر من مليوني فلسطيني ظروفًا إنسانية قاسية، وسط استمرار النزوح وتراجع الخدمات الأساسية وتعثر جهود التعافي وإعادة الإعمار.

وتكشف البيانات الفلسطينية والأممية حجم التحولات التي فرضتها الحرب على القطاع، إذ تشير التقديرات إلى تضرر نحو 82% من مبانيه، فيما تكبد اقتصاده خسائر واسعة، وتراجعت قدرته على استعادة مقومات الحياة، في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال المواد والمعدات اللازمة لإزالة الركام وإصلاح البنية التحتية وإعادة البناء.

خسائر بشرية تتجاوز 74 ألف شهيد

حتى الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026، ارتفعت حصيلة ضحايا الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة إلى 74 ألفًا و243 شهيدًا، و175 ألفًا و232 مصابًا، وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع.

ولا تزال هذه الحصيلة مرشحة للارتفاع، مع استمرار سقوط ضحايا جدد، إلى جانب استكمال إجراءات توثيق الشهداء الذين لم تكن بياناتهم قد أدرجت في الإحصائية التراكمية. وفي الثالث من أكتوبر الجاري، أعلنت وزارة الصحة إضافة 181 شهيدًا إلى الحصيلة الإجمالية، بعد اعتماد بياناتهم.

ولم يوقف اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، نزيف الدم الفلسطيني؛ إذ سجلت وزارة الصحة، منذ بدء سريانه وحتى الخامس من أكتوبر 2026، استشهاد 1460 فلسطينيًا وإصابة 5116 آخرين، فضلًا عن انتشال جثامين 836 شهيدًا.

وكان الأطفال في مقدمة الفئات التي دفعت الثمن الأشد للحرب، إذ أفادت معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأن 21 ألفًا و500 طفل استشهدوا منذ بدء الإبادة وحتى يوليو/تموز 2026، بينهم أكثر من 520 رضيعًا وُلدوا خلال الحرب واستشهدوا فيها.

وفي أبريل/نيسان الماضي، أشارت الأمم المتحدة إلى أن مكتب مفوضية حقوق الإنسان قدّر أن النساء والأطفال شكلوا نحو 70% من إجمالي الشهداء الذين سقطوا في غزة حتى مارس/آذار 2025، في مؤشر على فداحة الاستهداف الذي طال المدنيين، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا.

دمار يطال 82% من مباني القطاع

وعلى صعيد الخسائر المادية، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، استنادًا إلى أحدث تقييم لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، أن نحو 201 ألف و290 مبنى في قطاع غزة تضررت جراء الحرب حتى 16 يونيو/حزيران 2026، بما يعادل قرابة 82% من إجمالي مباني القطاع.

ووفق البيانات ذاتها، دُمّر 134 ألفًا و422 مبنى تدميرًا كاملًا، فيما لحقت أضرار بالغة بـ13 ألفًا و848 مبنى، في حين بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة 328 ألفًا و627 وحدة، ما يعكس حجم الكارثة العمرانية التي خلفتها الهجمات الإسرائيلية.

ولا تقتصر آثار هذا الدمار على فقدان المنازل، بل تمتد إلى تفكيك النسيج العمراني والاجتماعي، وحرمان آلاف الأسر من أماكن إقامتها ومصادر استقرارها، فضلًا عن تعقيد عودة النازحين إلى مناطقهم، في ظل انتشار الركام والأبنية الآيلة للسقوط ونقص المعدات اللازمة لإزالته.

وفي أبريل/نيسان الماضي، خلص تقرير للأمم المتحدة إلى أن البنية التحتية الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة تعرضت لدمار شبه كامل، في ظل الأضرار الواسعة التي طالت شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق والمرافق العامة.

القطاع الصحي.. منشآت مدمرة وخدمات منهكة

وامتد الدمار إلى القطاع الصحي، الذي واجه خلال الحرب ضغوطًا هائلة بفعل الهجمات ونقص الإمدادات وتزايد أعداد المصابين والمرضى، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية والعيادات والصيدليات والمختبرات.

وقالت منظمة الصحة العالمية، في 24 أبريل/نيسان الماضي، إن أكثر من 1800 منشأة صحية تعرضت لأضرار جزئية أو دُمّرت بالكامل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، في حصيلة تعكس حجم الاستهداف الذي أصاب المنظومة الصحية وقدرتها على تقديم الخدمات.

وأدى هذا الواقع إلى تعقيد وصول المرضى والجرحى إلى العلاج، وزيادة الضغط على المنشآت التي لا تزال تعمل، في وقت يحتاج فيه السكان إلى خدمات صحية متواصلة للتعامل مع الإصابات والأمراض المزمنة وتداعيات الظروف المعيشية القاسية.

التعليم في مهب الدمار

ولم يكن قطاع التعليم بمنأى عن آثار الحرب، إذ تعرضت المدارس لأضرار واسعة، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم المنتظم، وألحق أضرارًا طويلة الأمد بمسيرتهم الدراسية ونموهم النفسي والاجتماعي.

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، في تقرير نشرته خلال مايو/أيار الماضي، بأن 98% من مدارس قطاع غزة تضررت منذ بدء الحرب، وأن أكثر من 93% منها بحاجة إلى ترميم شامل أو إعادة بناء كاملة، فيما تعرضت 81% منها لضربات مباشرة.

وتتجاوز تداعيات هذه الأضرار الخسائر المادية، إذ يواجه الأطفال خطر الانقطاع المطول عن التعليم، وتراكم الفاقد التعليمي، وتراجع فرص التعلم والتأهيل، في ظل نقص المساحات الآمنة والموارد التعليمية اللازمة لاستئناف الدراسة.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، ظل نحو 200 ألف طفل خارج المدارس حتى 25 سبتمبر/أيلول الماضي، رغم بدء العام الدراسي الجديد في 19 من الشهر ذاته.

الاقتصاد.. شبه توقف للنشاط الإنتاجي

وضربت الحرب القطاعات الاقتصادية في غزة، من المنشآت التجارية والصناعية إلى الأنشطة الإنتاجية والخدماتية، ما أدى إلى تدمير مصادر دخل واسعة وتفاقم اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.

وأفادت بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، الصادرة في 24 سبتمبر/أيلول الماضي، بأن الحرب ألحقت أضرارًا بالغة أو دمرت 92% من المنشآت الاقتصادية في القطاع، وأدت إلى توقف شبه كامل للنشاط الإنتاجي في مختلف القطاعات.

ويعني هذا الدمار أن الأزمة لا تقتصر على فقدان الوظائف والممتلكات، بل تمتد إلى إضعاف قدرة المجتمع على التعافي اعتمادًا على موارده الذاتية، في ظل تضرر البنية التحتية وتراجع النشاط التجاري والإنتاجي، وصعوبة إعادة تشغيل المنشآت التي نجت من التدمير.

النزوح.. ملايين الفلسطينيين بلا استقرار

وشكّل النزوح أحد أبرز التحولات التي فرضتها الإبادة على حياة الفلسطينيين، بعدما اضطرت أعداد هائلة من الأسر إلى مغادرة منازلها مرارًا، بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا، لتجد نفسها في كثير من الأحيان أمام ظروف معيشية بالغة القسوة.

وأفادت معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الصادرة في أغسطس/آب الماضي، بأن نحو 2.15 مليون نازح من أصل 2.4 مليون نسمة يعيشون في ظروف إنسانية قاهرة، بينهم نحو 800 ألف يقيمون في خيام غير صالحة للحياة الآدمية.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، أشار المكتب إلى أن 60% من خيام النازحين مهترئة وتحتاج إلى استبدال فوري، بواقع 162 ألف خيمة من أصل 270 ألفًا، ما يضع مئات الآلاف أمام مخاطر إضافية مع اقتراب فصل الشتاء.

وتتفاقم هذه المخاطر مع تدهور أماكن الإيواء وافتقارها إلى الحماية اللازمة من الأمطار والفيضانات، إذ حذّر مكتب «أوتشا»، في الخامس من أكتوبر الجاري، من أن نحو 279 ألف شخص يقيمون في 400 موقع نزوح معرض للفيضانات خلال فصل الشتاء، بما يعادل 13% من إجمالي سكان القطاع.

كما أشار المكتب إلى أن أكثر من 2300 شخص يقيمون في مبانٍ غير آمنة تتطلب الهدم، في ظل اتساع رقعة الدمار وصعوبة توفير بدائل سكنية ملائمة.

ولا يقتصر أثر النزوح على فقدان المسكن، بل يفرض على الأسر أعباء متواصلة تتعلق بتأمين الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، ويقوض شعورها بالأمان والاستقرار، خصوصًا مع اضطرار كثير منها إلى الانتقال بين أماكن الإيواء تبعًا للظروف الأمنية والمعيشية.

الأطفال.. جراح نفسية وحرمان من التعليم

وبالتوازي مع الخسائر الجسدية والتعليمية، تتسع التداعيات النفسية للحرب على الأطفال، الذين عاشوا تجارب القصف والنزوح وفقدان أفراد الأسرة، إلى جانب الحرمان من البيئة الآمنة والخدمات الأساسية.

وقالت «يونيسف»، في سبتمبر/أيلول الماضي، إن نحو مليون طفل في قطاع غزة بحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، في ظل الآثار التي خلفتها الحرب على صحتهم النفسية وقدرتهم على التكيف مع محيطهم.

ويحذر مختصون نفسيون من أن الصدمات المتراكمة قد تنعكس على سلوك الأطفال وقدرتهم على التركيز والتحصيل الدراسي والتفاعل الاجتماعي، فضلًا عن تأثيراتها المحتملة في نموهم النفسي والعاطفي، ما يجعل التعافي بحاجة إلى برامج دعم مستدامة، لا تقتصر على الاستجابة الطارئة.

وتتداخل هذه الأزمات مع الحرمان من التعليم، وفقدان المنازل، ونقص الخدمات الصحية والاجتماعية، بما يضع جيلًا كاملًا أمام تحديات ممتدة حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

71.4 مليار دولار للتعافي وإعادة الإعمار

وتكشف التقديرات الدولية أن إعادة بناء غزة واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة تتطلب موارد مالية ضخمة، في ظل حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية والخدمات العامة.

ووفق التقرير النهائي لتقييم الأضرار والخسائر الاقتصادية واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار، الذي أعده الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بالتعاون مع البنك الدولي، في أبريل/نيسان الماضي، تُقدّر الاحتياجات الإجمالية بنحو 71.4 مليار دولار.

ويتضمن هذا المبلغ نحو 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية، ودعم الانتعاش الاقتصادي.

وقدّر التقرير الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية بنحو 35.2 مليار دولار، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية قرابة 22.7 مليار دولار، في أرقام تعكس اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات والإمكانات اللازمة لتلبيتها.

ولا تتوقف عملية التعافي على توفير التمويل وحده، بل ترتبط كذلك بإزالة الركام، وتأمين المعدات ومواد البناء، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس والمنشآت الاقتصادية، وتوفير مساكن آمنة للنازحين.

وفي ظل القيود الإسرائيلية على إدخال المواد والمعدات اللازمة، تظل جهود التعافي وإعادة الإعمار أمام عقبات كبيرة، بما يطيل أمد المعاناة ويؤخر عودة السكان إلى حياة مستقرة.

غزة أمام خسائر تتجاوز الدمار المادي

وبعد ثلاثة أعوام من الإبادة، لا تقف خسائر غزة عند عشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف المنازل والمنشآت المتضررة، بل تمتد إلى تراجع مقومات الحياة وتفكك مصادر الدخل وحرمان الأطفال من التعليم، فضلًا عن الأعباء النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب.

وتشير الأرقام إلى أن التحدي الأكبر لا يتمثل في إعادة بناء ما دُمّر فحسب، بل في استعادة منظومة الحياة التي أصابها الدمار، وتوفير المأوى والخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل، وتهيئة الظروف التي تتيح للسكان العودة إلى مناطقهم واستئناف حياتهم.

وبدأت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدعم أمريكي، واستمرت تداعياتها وأشكال العدوان والانتهاكات حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، لتبقى غزة أمام واحدة من أوسع الكوارث الإنسانية والعمرانية في تاريخها الحديث.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest