بين نار الحصار ومرارة الفقد.. إجرام المستوطنين يهجّر عائلة الطوباسي

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يكن منزل عائلة الطوباسي في قرية جالود جنوب نابلس مجرد جدران وسقف يؤوي أفرادها، بل كان ثمرة أكثر من ثلاثة عقود من العمل والكفاح، وذاكرةً اختزنت سنوات طويلة من التعب والأحلام. غير أن هذه الذاكرة تحولت إلى مشهد من الألم بعدما أُجبرت العائلة على مغادرة منزلها تحت وطأة حصار فرضه المستوطنون استمر ثلاثة أشهر، وانتهى باستيلائهم على المنزل وتهجير أصحابه قسرًا.

حصار بدأ بخيمة وانتهى بتهجير

يروي رب الأسرة أن معاناة العائلة بدأت عندما نصب مستوطنون خيمة على بعد نحو 120 مترًا من المنزل في التاسع عشر من نيسان/أبريل، بعد أن اقتلعوا أشجار الزيتون المحيطة بالمكان، لتبدأ بعدها سلسلة يومية من الاعتداءات والمضايقات التي لم تتوقف ليلًا أو نهارًا.

ويضيف أن المستوطنين صعّدوا اعتداءاتهم بعد أيام، فهدموا جزءًا من المنزل، واقتحموا ساحته، وعبثوا بممتلكاته، قبل أن يفرضوا حصارًا خانقًا على العائلة، حوّل حياتها إلى معاناة متواصلة.

“كل تعبنا راح بلحظة”

بصوت يملؤه الانكسار، تستعيد والدة الأسرة اللحظات التي غادرت فيها منزلها، مؤكدة أن الألم لم يكن في فقدان البناء فقط، بل في ضياع سنوات العمر التي قضتها العائلة في تشييده.

وتقول إن أفراد الأسرة بنوا المنزل بأيديهم حجرًا فوق حجر، وكانت هي وأبناؤها يشاركون في إعداد الإسمنت ونقل مواد البناء، حتى أصبح البيت ثمرة تعب امتد لنحو 35 عامًا، بينما استغرقت عملية بنائه وتجهيزه سنوات طويلة من الجهد المتواصل.

وتضيف أن أصعب ما في المشهد لم يكن مغادرة المكان، وإنما رؤية المستوطنين يستولون على المنزل فور خروجهم، بعدما خلعوا الأبواب خلال دقائق، رغم أنها كانت موصدة بأقفال محكمة، لتتحول المفاتيح التي احتفظت بها إلى ذكرى لا قيمة لها بعد فقدان البيت.

قطع الماء والكهرباء… والاختيار بين الموت والرحيل

لم تقتصر الاعتداءات على الترهيب، بل امتدت إلى حرمان العائلة من أبسط مقومات الحياة، إذ قطع المستوطنون الكهرباء والمياه، وأتلفوا تمديدات المياه القادمة إلى المنزل، ولم يبق للعائلة سوى مولد كهربائي صغير، قبل أن يصبح البقاء مستحيلًا.

ويؤكد رب الأسرة أن الحصار بلغ مرحلة دفعت العائلة إلى المفاضلة بين البقاء تحت الخطر أو الرحيل حفاظًا على حياة النساء والأطفال، قائلاً إن وجود أبنائه وعائلاتهم داخل المنزل جعله يتخذ قرار المغادرة رغم قسوته.

ذكريات تُنتزع من أصحابها

تصف الأم لحظة مغادرة المنزل بأنها الأصعب في حياتها، مؤكدة أن كل زاوية فيه كانت تحمل ذكرى، وأن كل غرفة شهدت سنوات من عمر الأسرة وأحلام أبنائها.

وتقول إن فقدان البيت ليس خسارة مادية فحسب، بل غصة سترافقها ما بقي من العمر، مضيفة أنها كانت تتمنى الموت على أن ترى تعب السنين يذهب في لحظة إلى من استولى عليه بالقوة.

أمل لا يغيب رغم المأساة

ورغم مرارة التهجير، لا يزال رب الأسرة يتمسك بالأمل في العودة إلى منزله، معبرًا عن ثقته بأن هذا الواقع لن يدوم، وأن الحق سيعود إلى أصحابه مهما طال الزمن.

وتشكل قصة عائلة الطوباسي واحدة من عشرات القصص الإنسانية التي تعكس واقع التهجير القسري الذي تتعرض له التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية، حيث تتحول منازل شُيدت بعرق أصحابها إلى أهداف لاعتداءات المستوطنين، فيما يبقى أصحابها يحملون مفاتيح بيوت لم يعودوا قادرين على الوصول إليها، وأملًا لا يزال حيًا بالعودة إليها يومًا ما.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest