
المركز الفلسطيني للإعلام
حذّر الدكتور ياسر أبو جامع، المدير العام لبرنامج غزة للصحة النفسية، من التداعيات النفسية والاجتماعية بعيدة المدى التي يواجهها أطفال قطاع غزة، في ظل تعرضهم المتواصل للحرب والنزوح والفقدان والظروف الإنسانية القاسية، مؤكدًا أن توفير خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي لم يعد استجابة طارئة، بل ضرورة لحماية مستقبل جيل كامل.
وجاءت تصريحات أبو جامع خلال مشاركته في عدد من الفعاليات واللقاءات الأكاديمية، إلى جانب مقالات نُشرت في أيرلندا، تناول خلالها واقع الصحة النفسية في قطاع غزة، وتأثير سنوات متواصلة من التعرض للصدمات والحرمان وانعدام الشعور بالأمان، فضلًا عن الجهود التي يبذلها برنامج غزة للصحة النفسية للاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
صدمات متراكمة
وقال أبو جامع إن أطفال غزة مروا خلال السنوات الماضية بتجارب قاسية ومتكررة، شملت فقدان أفراد من الأسرة، والنزوح، والإصابات، وتدمير المنازل، والانقطاع عن التعليم، فضلًا عن التعرض المستمر للخوف وعدم الاستقرار.
وأوضح أن هذه التجارب لا تقتصر آثارها على اللحظة الراهنة، وإنما يمكن أن تترك تداعيات عميقة على النمو النفسي والاجتماعي للأطفال، وقدرتهم على التعلم، وبناء علاقات آمنة ومستقرة، والتكيف مع محيطهم.
وحذّر من أن غياب الدعم النفسي المناسب في هذه المرحلة قد يؤدي إلى استمرار آثار الصدمات عبر الأجيال، مشيرًا إلى أن الأطفال الذين لا يحصلون على الرعاية والدعم اللازمين يصبحون أكثر عرضة لمضاعفات نفسية واجتماعية قد تمتد إلى مراحل لاحقة من حياتهم.
استجابة طويلة الأمد
وأكد المدير العام لبرنامج غزة للصحة النفسية أن الاستجابة للاحتياجات النفسية للأطفال في القطاع تتطلب ما هو أبعد من التدخلات المؤقتة، داعيًا إلى توفير خدمات متكاملة وطويلة الأمد تبدأ بالدعم النفسي الاجتماعي المجتمعي، وتمتد إلى خدمات الصحة النفسية المتخصصة للأطفال والأسر الأكثر احتياجًا.
وشدد على أهمية تعزيز أنظمة الإحالة والتنسيق بين مختلف مستويات الخدمات، بما يضمن وصول الأطفال إلى التدخل المناسب وفقًا لطبيعة احتياجاتهم، وعدم ترك الحالات الأكثر تعقيدًا دون متابعة متخصصة.
كما أكد ضرورة أن تصبح الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من الاستجابة الإنسانية في قطاع غزة، وربط خدمات الدعم النفسي الاجتماعي بقطاعات الصحة والحماية والتعليم، بما يضمن التعامل مع احتياجات الطفل بصورة متكاملة، بدل حصر التدخل في الجانب النفسي وحده.
بيئة آمنة للأطفال
وأشار أبو جامع إلى أن برنامج غزة للصحة النفسية يواصل، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب، تقديم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، والعمل على تعزيز قدرات العاملين في هذا المجال، إلى جانب تطوير تدخلات تستجيب للاحتياجات المتزايدة للأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
وأضاف أن حماية الصحة النفسية للأطفال لا تقتصر على معالجة آثار الصدمة بعد وقوعها، بل تتطلب أيضًا تهيئة بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا، واستعادة فرص التعلم والتواصل الاجتماعي، ودعم الأسر ومقدمي الرعاية، وتوفير خدمات متخصصة للأطفال الذين يحتاجون إليها.
وأكد أن الأسرة ومقدمي الرعاية يمثلون جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الطفل، وأن دعمهم نفسيًا واجتماعيًا ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الأطفال على التعافي والتكيف مع الظروف المحيطة بهم.
أولوية إنسانية
وكان برنامج غزة للصحة النفسية قد أكد في منشورات سابقة أن حجم الأزمة النفسية في قطاع غزة يتطلب إعطاء الصحة النفسية أولوية أكبر ضمن الاستجابة الإنسانية، خصوصًا في ظل التأثيرات المتراكمة للحرب على الأطفال الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان القطاع.
وأكد أبو جامع أن الاستثمار في الصحة النفسية للأطفال يمثل استثمارًا في مستقبل المجتمع، محذرًا من أن تأجيل الاستجابة للاحتياجات النفسية المتزايدة قد يؤدي إلى اتساع نطاق الآثار طويلة الأمد.
ودعا إلى استمرار الدعم الدولي لخدمات الصحة النفسية في غزة، وتعزيز قدرة المؤسسات المحلية المتخصصة على الوصول إلى الأطفال والأسر، وتقديم خدمات مهنية ومستدامة تتناسب مع حجم الاحتياجات القائمة.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تشير فيه مصادر فلسطينية إلى أن أكثر من مليون طفل في قطاع غزة بحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، في ظل استمرار آثار النزوح والفقدان وتعطل التعليم وتدهور الظروف المعيشية، بما يجعل توفير الرعاية النفسية المتخصصة تحديًا إنسانيًا متزايدًا لا يحتمل التأجيل.

