دانا جودة.. ولادة خلف القضبان

دانا جودة.. ولادة خلف القضبان

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تكن دانا عناد سبتي جودة تعدّ الأيام انتظارًا لمولودتها فحسب، بل كانت تعيش حملها يومًا بيوم خلف القضبان، وهي تعرف أن موعد الولادة يقترب بينما لا تزال أسيرة لدى الاحتلال.

في 14 سبتمبر/أيلول 2026، تحوّل ذلك الخوف إلى واقع؛ إذ وضعت الأسيرة الفلسطينية، البالغة 35 عامًا، مولودتها داخل سجن “الدامون”، بعد نحو ستة أشهر من الاعتقال الإداري، دون أن تُنقل إلى مستشفى مدني لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

دانا، المنحدرة من بلدة عراق التايه في محافظة نابلس، اعتُقلت وهي حامل، وأمضت فترة حملها في السجن وسط ظروف صحية وإنسانية قاسية، قبل أن تضع مولودتها خلف القضبان.

ولم تخرج دانا من السجن إلا بعد أن وضعت طفلتها، إذ أفرجت سلطات الاحتلال عنها الليلة، ونُقلت إلى مستشفى الاستشاري في رام الله لتلقي الرعاية الطبية.

ولادة خلف القضبان

يؤكد المختص في شؤون الأسرى حسن عبد ربه أن ما جرى مع دانا يمثل حالة طارئة جدًا، مشيرًا إلى أن الاحتلال يواصل ارتكاب جرائمه بحق الأسيرات داخل معتقلاته.

وقال عبد ربه إن عدد الأسيرات والمعتقلات في سجن “الدامون” يتجاوز 90 أسيرة، إلى جانب الأسيرة بشرى الطويل الموجودة في عزل “الرملة”.

وأوضح في حديث لمراسلنا أن دانا احتُجزت وهي حامل طوال ستة أشهر، قبل أن تضع مولودتها داخل السجن دون أن تعمل سلطات الاحتلال على إطلاق سراحها أو نقلها إلى مستشفى مدني لتلقي الرعاية الطبية اللازمة أثناء الولادة.

ويرى عبد ربه أن احتجاز الأسيرة الحامل وتركها تواجه الولادة داخل السجن يمثل “جريمة مركبة” أخلاقية وإنسانية بحقها وبحق مولودتها، محملًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات صحية قد تطرأ عليهما.

وتزداد قسوة المشهد مع حقيقة أن أمر الاعتقال الإداري الصادر بحق دانا، ومدته ستة أشهر، كان مقررًا أن ينتهي في اليوم التالي لولادتها.

أي أن الإفراج عنها جاء بعد أن اضطرت إلى خوض تجربة الولادة داخل السجن، قبل أن تنتقل إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية.

أمومة تحت القيد

لم يكن الحمل بالنسبة إلى دانا رحلة طبيعية تنتظر فيها ولادة طفلها بين أفراد عائلتها، بل كان تجربة امتزج فيها القلق الصحي بالخوف من السجن.

وكانت دانا قد خضعت قبل اعتقالها لعملية قص معدة، ما جعلها بحاجة إلى نظام غذائي خاص، وتناول الفيتامينات، ومتابعة صحية منتظمة، وفق ما أوردته مؤسسات الأسرى.

ومع ذلك، أمضت شهور حملها داخل السجن، في ظل ما تصفه مؤسسات حقوقية وأسرى بظروف قاسية، تشمل الإهمال الطبي ونقص الرعاية الصحية والغذاء الملائم.

وكانت دانا قد عبّرت في وقت سابق عن خشيتها من أن يأتي موعد الولادة وهي لا تزال داخل المعتقل.

وفي يوليو/تموز الماضي، نقلت قناة الجزيرة شهادة الأسيرة المحررة إسراء خمايسة، التي تحدثت عن لقاء جمعها بدانا داخل السجن، وكانت الأخيرة حينها في مرحلة متقدمة من الحمل.

وخلال اللقاء، احتضنت دانا خمايسة وطلبت منها أن تأخذها معها، قائلة: “أسألك بالله أن تأخذيني معك”.

كانت الكلمات تختصر خوف امرأة لم تكن تريد أن تستقبل مولودتها خلف القضبان.

لكن موعد الولادة جاء قبل موعد الحرية.

“جريمة مركبة”

ويصف حسن عبد ربه ما تعرضت له دانا بأنه تأكيد جديد على ما سماه “سادية وإجرام وعنصرية الاحتلال” بحق الأسيرات، ولا سيما الأسيرات الحوامل.

ويحمّل عبد ربه سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامة دانا ومولودتها، مشيرًا إلى أن الظروف التي احتُجزت فيها تركت آثارًا سلبية على حالتها الصحية الجسمانية والنفسية.

وفي السياق ذاته، أكدت مؤسسات حقوقية أن احتجاز الأسيرة وهي حامل، ثم تحويلها إلى الاعتقال الإداري وتركها تواجه فترة الحمل دون رعاية صحية كافية، يمثل انتهاكًا للأعراف والقوانين الدولية.

كما اعتبرت إجبارها على الولادة داخل السجن جريمة مضاعفة، تعكس، وفق وصفها، طبيعة الظروف التي تفرضها إدارة سجون الاحتلال على الأسيرات، في ظل غياب تحرك دولي فاعل.

دانا ليست وحدها

ولا تتوقف قضية الأسيرات الحوامل عند دانا جودة.

فداخل معتقل “الدامون” تقبع أسيرات حوامل أخريات، بينهن منار إبراهيم كراجة، البالغة 28 عامًا، من رام الله، وهي حامل في شهرها السادس، ومعتقلة منذ 30 أبريل/نيسان 2026.

كما توجد الأسيرة براءة بسام حسني أبو خديجة من طولكرم، وهي حامل في شهرها الرابع، واعتُقلت في 26 أغسطس/آب 2026.

وتكشف هذه الحالات عن واقع أكثر اتساعًا من قصة أسيرة واحدة؛ إذ تواجه النساء الحوامل خطر خوض تجربة الحمل والولادة تحت ظروف الاعتقال، وسط مخاوف متواصلة بشأن الرعاية الطبية والغذاء والحالة النفسية.

وتقول مؤسسات حقوقية إن معاناة الأسيرات في “الدامون” لا تقتصر على القيود المفروضة عليهن، بل تشمل أيضًا سياسات التجويع، والإهمال الطبي، والقمع المتكرر، والحرمان من الحقوق الأساسية والعبادات.

طفلة خرجت من السجن مع أمها

خرجت دانا أخيرًا من السجن، لكن بعد أن وضعت مولودتها داخله.

وفي الليلة التالية للولادة، أفرجت سلطات الاحتلال عنها، ونُقلت إلى مستشفى الاستشاري في رام الله لتلقي الرعاية الطبية.

وهكذا انتهت ستة أشهر من الاعتقال الإداري، لكن بعد أن دفعت دانا ثمنًا قاسيًا؛ فقد عاشت حملها خلف القضبان، وخاضت تجربة الولادة في السجن، قبل أن تصل إلى المستشفى بعد الإفراج عنها.

أما طفلتها، فقد بدأت حياتها في المكان الذي كانت أمها تخشى أن تصل إليه: خلف القضبان.

وتبقى قصة دانا، إلى جانب قصص الأسيرات الحوامل في “الدامون”، صورة صادمة لما يمكن أن يعنيه الاعتقال حين يطال امرأة تحمل طفلًا في رحمها؛ إذ لا يعود القيد واقعًا على الأم وحدها، بل يصبح الجنين نفسه جزءًا من تجربة لم يخترها، منذ اللحظة الأولى للحياة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest