رغم محاولات إحيائها.. سقوط رواية الاحتلال حول طوفان الأقصى

أسير إسرائيلي يقبل رأس قسامي

مع حلول الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعود إلى الواجهة الروايات التي روّجتها إسرائيل في الساعات الأولى للعملية، بعدما كشفت تحقيقات صحفية ودولية لاحقة، إلى جانب شهادات ووقائع ميدانية، تناقض عدد من أكثر القصص التي تصدرت التغطية العالمية آنذاك، فيما لا تزال محاولات إعادة إنتاج تلك الروايات حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي.

وفي هذا السياق، استنكرت حركة حماس بشدة ما ورد في بيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بمناسبة ذكرى السابع من أكتوبر، معتبرة أنه أعاد ترويج روايات قالت إنها ثبت زيفها، ولا سيما ما يتعلق باستهداف المدنيين والاعتداءات الجنسية وإساءة التعامل مع الأسرى لدى المقاومة.

ورأت الحركة أن البيان تبنى الرواية الإسرائيلية واجتزأ الأحداث من سياقها التاريخي، متجاهلاً عقود الاحتلال والحصار والمجازر والانتهاكات بحق الفلسطينيين، كما انتقدت ما وصفته باللغة المخففة في توصيف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من قتل واسع للمدنيين وتدمير للمدن والبنية التحتية.

وأكدت حماس أن الروايات التي رفضتها لم تعد تستند إلى ما قيل في الساعات الأولى للحرب، مشيرة إلى ما قالت إنها تحقيقات حقوقية وصحفية واعترافات وشهادات متواترة كشفت تناقضات جوهرية فيها.

كانت قصة 40 طفلاً إسرائيلياً مقطوعي الرؤوس من أبرز الروايات التي انتشرت عقب السابع من أكتوبر، بعدما نُسبت إلى جنود إسرائيليين في مستوطنة كفار عزة، قبل أن تتداولها وسائل إعلام عالمية على نطاق واسع رغم عدم تقديم دليل يثبت صحتها.

ووصلت الرواية إلى الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي قال في 11 أكتوبر إنه رأى صوراً لأطفال مقطوعي الرؤوس، قبل أن يوضح البيت الأبيض لاحقاً أن بايدن لم يشاهد تلك الصور ولم يتحقق منها بصورة مستقلة، وأن تصريحاته استندت إلى ما نقلته وسائل إعلام ومسؤولون إسرائيليون.

وبمرور الوقت، تراجعت هذه الرواية من صدارة المشهد الإعلامي، بعدما عجز مروجوها عن تقديم الأدلة التي تثبتها، لتصبح واحدة من أكثر الأمثلة تداولاً على الفجوة بين الرواية التي قُدمت في الأيام الأولى وبين ما أمكن التحقق منه لاحقاً.

لم تقتصر الروايات المثيرة للجدل على الأطفال، إذ رافقت أحداث السابع من أكتوبر ادعاءات واسعة بشأن وقوع اعتداءات جنسية في مستوطنة بئيري، ارتبط بعضها بشهادات متطوعين من منظمة زاكا شاركوا في جمع الجثامين.

غير أن تحقيقاً لوكالة أسوشيتد برس كشف أن شهادتين بارزتين جرى تداولهما على نطاق واسع لم تكونا صحيحتين؛ إذ بُنيت إحداهما على تفسير وضعية جثة وملابسها باعتبارها دليلاً على اغتصاب، قبل أن يتضح أن جنوداً إسرائيليين حركوا الجثة، بينما تحدثت رواية أخرى عن امرأة حامل وجنينها، قبل أن يتبين أن ما وصفه المتطوع بأنه جنين كان جسماً محترقاً.

وأكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي لاحقاً أن ادعاءين بشأن العنف الجنسي في بئيري كانا بلا أساس، مشيرة إلى أن التحقيقات لم تجد ما يدعمهما.

في مقابل الروايات التي تصدرت المشهد العالمي، كشفت تحقيقات أممية وإسرائيلية وصحفية لاحقة عن حالات قُتل فيها إسرائيليون بنيران قوات الجيش الإسرائيلي نفسها، في سياق تطبيق إجراء هانيبال الذي يهدف إلى منع أسر الجنود حتى لو أدى ذلك إلى تعريض حياتهم للخطر.

وقال المختص في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي إن الرواية الإسرائيلية التي قُدمت في الأيام الأولى للحرب لم تعد تحظى بالقبول الذي حظيت به في بدايتها، موضحاً أن وسائل إعلام غربية تعاملت في البداية مع روايات عن قتل الأطفال والاغتصاب وغيرها باعتبارها حقائق قبل اكتمال التحقق منها، بحسب “شهاب”.

وبيّن ياغي أن مؤسسات إعلامية وصحفية غربية بدأت لاحقاً في التراجع عن بعض تلك الروايات أو تصحيحها، بعدما تبين أن بعضها استند إلى شهادات غير موثوقة أو معلومات لم تكن مدعومة بالأدلة.

وأشار إلى أن لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة خلصت إلى أن الجيش الإسرائيلي قتل ما لا يقل عن 14 مدنياً إسرائيلياً في حوادث مرتبطة بتطبيق هانيبال في السابع من أكتوبر، كما خلصت إلى أن امرأة من نير عوز قُتلت على الأرجح بنيران مروحية إسرائيلية أثناء اقتيادها إلى غزة.

وفي مستوطنة بئيري، خلصت لجنة التحقيق، وفق ياغي، إلى أن 13 مستوطناً قُتلوا على الأرجح نتيجة قصف الدبابات الإسرائيلية والاشتباك حول المنزل الذي كانوا محتجزين فيه.

كما أفادت تحقيقات صحيفة هآرتس باستخدام أوامر مرتبطة بإجراء هانيبال في عدة مواقع، مع احتمال تعرض مدنيين وأسرى لنيران الجيش، من دون تحديد العدد النهائي للقتلى والجرحى جراء ذلك.

وفي مقابل محاولات إعادة إحياء الروايات المتعلقة بطريقة تعامل المقاومة مع المدنيين والأسرى، برزت شهادات حية ومقاطع مصورة وصور من مراحل الاحتجاز وعمليات التبادل، أظهرت، بحسب ما قدمته الحركة ومصادر مرتبطة بها، تعامل مقاتلين مع أطفال وأسرى بصورة إنسانية، وهو ما عززته شهادات عدد من الأسرى والمستوطنين الذين أُفرج عنهم ضمن صفقات التبادل.

وتحوّلت تلك الشهادات، إلى جانب المشاهد التي ظهرت خلال عمليات تسليم الأسرى، إلى جزء من النقاش حول حقيقة ما جرى في السابع من أكتوبر وما تلاه، بعدما ظهرت أمام الرأي العام صور ومواقف لا تتطابق مع الصورة التي سعت الرواية الإسرائيلية إلى ترسيخها عن معاملة الأسرى.

ويرى متابعون أن أهمية هذه الشهادات لا تكمن في تبرئة طرف من الوقائع محل التحقيق، وإنما في أنها تفرض مقارنة بين الادعاءات التي أطلقت في الأيام الأولى وبين ما ظهر لاحقاً من شهادات مباشرة ومواد مصورة ونتائج تحقيقات.

ويقول ياغي إن السابع من أكتوبر لم يعد مجرد قضية إخفاق أمني وعسكري إسرائيلي، بل تحول أيضاً إلى معركة على الرواية، بعدما حاولت إسرائيل تحويل صدمة الهجوم إلى إطار تفسيري شامل للحرب، بينما بدأت التحقيقات الصحفية والاستقصائية مع مرور الوقت في تفكيك تفاصيل قُدمت في البداية على أنها حقائق ثابتة.

وأضاف أن معيار التحقق الصحفي بدأ يفرض نفسه على الروايات التي أطلقت تحت تأثير الصدمة، ما أدى إلى ظهور فجوة متزايدة بين الرواية الإسرائيلية الأولية وبين ما أمكن إثباته لاحقاً، وهو ما أضعف مصداقية عدد من الادعاءات التي شكلت أساساً للتغطية الإعلامية الأولى.

وبحسب ياغي، فإن التحقيقات التي كشفت عدم صحة بعض القصص الأكثر صدمة، إلى جانب توثيق حالات قتل إسرائيليين بنيران قواتهم واستخدام إجراء هانيبال في عدد من المواقع، أسهمت في تآكل الرواية الإسرائيلية الأولى للسابع من أكتوبر.

وتؤكد حركة حماس، في ختام موقفها، أن الأمم المتحدة مطالبة بالاضطلاع بمسؤولياتها في إنهاء الاحتلال ووقف الحرب على الفلسطينيين، وإغاثة سكان قطاع غزة، ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية.

وبين روايات أطلقت في الساعات الأولى للحرب، وتحقيقات احتاجت إلى أشهر لكشف تفاصيلها، وشهادات أسرى ومستوطنين ومواد مصورة ظهرت تباعاً، باتت معركة السابع من أكتوبر تتجاوز حدود ما حدث في ذلك اليوم إلى سؤال أكبر حول كيفية صناعة الرواية في زمن الحرب، ومن يملك القدرة على فرضها، وكيف يمكن للوقائع الموثقة أن تعيد تشكيلها عندما تسقط الادعاءات أمام التحقيق والشهادة والدليل.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest