
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
بعد نحو ثلاث سنوات على حرب الإبادة الجماعية، لا يزال الفلسطينيون في قطاع غزة يؤكدون في كل مناسبة أنهم باقون على أرضهم، يقولون ذلك رغم كل الفقد والخسارة: أبناؤهم وبيوتهم وكل ما يملكون. ومن بيوت العزاء وتحت الأنقاض وفي خيام النزوح تتكرر الرسالة نفسها: لا رحيل ولا تفريط ووفاء لأهل التضحيات.
في أحدث هذه المشاهد، وقف المختار منير المصري (أبو جهاد)، مختار مدينة بيت حانون وعائلة المصري، ينعى نجله إبراهيم الذي استشهد بغارة إسرائيلية استهدفته في منطقة تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، وقال: “سنبقى ثابتين متشبثين بأرضنا حتى آخر رجل حيّ فينا.. وسنعود لبيت حانون، وسنعود لفلسطين كل فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، شاء من شاء وأبى من أبى”.
كلمات خالدة
أعاد رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الحقوقي رامي عبده، نشر كلمة المختار على منصة إكس يوم الجمعة 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد الغارة التي اغتالت إبراهيم.
ونشرت صفحات محلية في غزة مقطعاً يوثق لحظة ارتقاء الشاب إبراهيم المصري، نجل «رجل الإصلاح أبو جهاد المصري»، قرب برج الأستاذ في مدينة غزة ظهر الجمعة.
المختار.. من مواساة الناس إلى تلقي العزاء
يعرف أبو جهاد المصري في غزة بدوره في الإصلاح بين العائلات ومواساتها. وتتداول صفحات محلية كلمات سابقة له يواسي فيها عائلات منكوبة، منها كلمته في مؤازرة عائلة أبو وردة.
هذه المرة صار هو من يتلقى العزاء، لكن رسالته لم تتغير: البقاء على الأرض والعودة إلى بيت حانون. وبيت حانون مدينة حدودية في أقصى شمال القطاع، هُجّر منها أهلها ودُمّرت أحياؤها خلال الحرب.
آباء على الطريق نفسه
موقف أبي جهاد واحد من مواقف كثيرة لآباء غزيين ودّعوا أبناءهم وأكدوا أنهم لن يغادروا مرسلين رسائل واضحة بالصمود والتشبث بالأرض رغم ما ألم بهم وبغزة من خسائر جراء عدوان إسرائيل الهمجي.
في أبريل/نيسان 2025 انتشر مقطع للحاج إبراهيم أبو مهادي، وهو يقف أمام جثامين أبنائه الستة. نعاهم بصبر وتسليم أثارا تعاطف المغردين العرب، وقال: “إحنا صامدين على أرضنا، ولن نتخلى عن شبر منها”.
وكتب أحد المتفاعلين المدون فهد التركي: “مصاب عظيم.. عظّم الله أجره وجبر مصيبته”.
وفي هذا المشهد يتحول الأب المفجوع بستة أبناء، في ساعة واحدة، إلى من يطمئن الناس ويثبتهم.
الدكتورة سحر كحيل، زوجة الشهيـد وأم الشهـداء، فقدت عدداً من أفراد عائلتها في استهدافات إسرائيلية متعددة. تروي محطات الفقد التي توالت عليها واحدة بعد أخرى، وكيف تلقّتها بصبر وثبات وإيمان ويقين. وتستعيد اللحظات القاسية لاستهداف أحبّتها في أكثر من مكان، ورحلة النزوح التي تكررت خلال حرب الإبـادة.
وبعد أكثر من تسعة أشهر على وقف إطلاق النار قصفت طائرة إسرائيلية فجر 21 يوليو/تموز 2026 منزل عائلة المصري في حي الصبرة بمدينة غزة والعائلة نائمة، واشتعلت النيران في البيت.
استشهد فراس المصري وزوجته سلسبيل وأطفالهما الأربعة، ثلاث بنات وولد. وفي المقطع الذي حصلت عليه رويترز، ظهر رجال الإنقاذ وهم يحاولون إخماد الحريق وإخراج الجثامين بالأكفان البيضاء. حينها وقف الأب أبو يوسف المصري، بلحيته الرمادية، أمام البيت المحترق يقول: “لم نتمكن من إنقاذ أحفادنا وأبنائنا من النيران والدمار.. استشهد خمسة أو ستة، أغلبهم أطفال ونساء، بلا رحمة ودون أي إنذار مسبق”. ثم أضاف: “لا يوجد هدوء نسبي، ولا يوجد مكان آمن على الإطلاق”.
ولم ينتهِ حزن بعض الآباء بالدفن، فهناك من لم يعثر على جثمان ابنه بعد. ففي يوليو 2026 روت صحيفة لوس أنجلوس تايمز قصة الأب الغزي الزهارنة. بدأت مأساته حين سوّى صاروخ إسرائيلي بالأرض مبنى من خمسة طوابق في مدينة غزة كانت عائلته تحتمي فيه مع نازحين آخرين. وفي الأيام الأولى بعد الغارة انتشل بيديه جثماني ابنيه منذر وعبد الكريم، ودفنهما إلى جانب أخيهما منير، الذي استشهد وعمره 28 عاماً في غارة إسرائيلية في يونيو/حزيران 2025. ومنذ ذلك الحين يواصل البحث بين الركام عن جثمان ابن آخر ما زال تحت الأنقاض.
الصمود كخطاب جماعي
تتشابه هذه الشهادات في معانيها رغم اختلاف أماكنها وتواريخها: الصبر على الفقد، ورفض التهجير، والوعد بالعودة إلى البيوت المدمرة. والصمود عند الفلسطينيين أكثر من شعار، فهو موقف تتوارثه الأجيال منذ نكبة 1948. ولأن أبا جهاد وجيه اجتماعي يسمع صوته، فإن كلمته تتجاوز النعي إلى رسالة للمجتمع كله: الفقد لا يعني الرحيل.

