
المركز الفلسطيني للإعلام
مع اقتراب فصل الشتاء، يواجه النازحون في قطاع غزة خطرًا جديدًا يضاف إلى سلسلة الأزمات التي أنهكت حياتهم، إذ تتجه آلاف العائلات إلى استقبال البرد والأمطار داخل خيام مهترئة لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، وسط نقص حاد في المأوى ووسائل التدفئة والاحتياجات الأساسية.
ويزداد القلق مع تكرار مشاهد الشتاء الماضي، حين تسببت الأمطار والرياح والسيول في غرق خيام وتطاير أخرى وتمزقها، فيما لا تزال أزمة الإيواء قائمة دون توفير بدائل كافية، في وقت تشير تقديرات ميدانية إلى أن نحو 60% من خيام النازحين باتت مهترئة وغير صالحة للاستخدام.
خيام لا تحمي من الشتاء
داخل مخيم الديرة شمال غربي مدينة غزة، يعيش سهيل الدغمة، البالغ 34 عامًا، نزوحه الثامن بعدما أجبر على مغادرة منطقة الفاخورة في جباليا شمالي القطاع إثر تدمير منزله.
ويقول الدغمة إن حياة الخيام تحولت إلى “كابوس يومي”، مستذكرًا ما تعرض له خلال الشتاء الماضي عندما أطاحت الرياح بخيمته وأغرقت مياه الأمطار أغراضه وملابسه.
ويضيف أن خيمته الحالية مهترئة ولا يعتقد أنها قادرة على مواجهة المنخفضات الجوية المقبلة، معربًا عن قلقه من تكرار ما حدث في الشتاء الماضي.
ويناشد الدغمة المؤسسات والمنظمات الإغاثية توفير خيام جديدة قادرة على الصمود أمام الأمطار والرياح، إلى جانب إقامة سواتر رملية تحول دون وصول مياه الأمطار إلى أماكن إقامة النازحين.
أطفال أمام البرد والأمطار
ولا تختلف معاناة وعد مطر، وهي أرملة تبلغ 45 عامًا وأم لستة أطفال، عن آلاف العائلات النازحة التي تستعد للشتاء بإمكانات محدودة.
وتقول مطر إن خيمتها تمزقت منذ العام الماضي، وإنها تحتاج اليوم إلى خيمة جديدة وشادر، لكنها لا تستطيع شراءه، في ظل وصول سعر الشادر في السوق إلى نحو 70 دولارًا.
وتستذكر ما عاشته العائلات النازحة خلال الشتاء الماضي، عندما غمرت الأمطار والسيول الخيام، مشيرة إلى الحاجة إلى الإنارة والبطانيات ووسائل التدفئة للأطفال وكبار السن، فضلًا عن المساعدات العينية والنقدية.
وتزداد المخاوف على الأطفال، وفق مطر، بسبب غياب وسائل التدفئة داخل الخيام، في وقت قد تدفع فيه الحاجة بعض العائلات إلى إشعال النار داخل خيام مصنوعة من النايلون المقوى بأنسجة قطنية، وهو ما ينطوي على مخاطر إضافية.
وكانت مطر تقيم في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة قبل أن تضطر إلى النزوح أربع مرات، لتستقر مع عائلتها في مخيم الديرة، حيث تعيش مع سبعة أفراد، غالبيتهم من الأطفال.
162 ألف خيمة خرجت عن الخدمة
وتشير معطيات ميدانية إلى أن نحو 162 ألف خيمة أصبحت مهترئة وخرجت عن الخدمة، من أصل نحو 270 ألف خيمة تؤوي العائلات النازحة في مختلف محافظات قطاع غزة، بما يعادل قرابة 60% من إجمالي الخيام.
ومع هطول أمطار الخريف الأولى، تجددت مخاوف النازحين من تكرار سيناريو الشتاء الماضي، بعدما كشفت الأمطار والرياح هشاشة الخيام وضعف قدرتها على الصمود أمام الظروف الجوية، في ظل واقع إنساني ومعيشي شديد القسوة.
وحذرت مصادر محلية من أن الشتاء المقبل قد يكون بالغ القسوة إذا استمرت أزمة الإيواء دون تدخل عاجل، مطالبة المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والمؤسسات الإنسانية بتوفير خيام جديدة وإدخال المستلزمات والمواد الإغاثية الخاصة بالشتاء.
أزمة تتجاوز الخيام
ولا تتوقف مخاطر الشتاء عند اهتراء الخيام، إذ يأتي الموسم الجديد في وقت يعيش فيه القطاع أصلًا أزمة واسعة في المأوى والبنية التحتية، مع وجود أعداد كبيرة من المباني المتضررة والآيلة للسقوط وتراكم الركام، وهي تحديات تزيد من صعوبة توفير أماكن آمنة للنازحين. وكانت وزارة الأشغال العامة والإسكان قد حذرت من وجود أكثر من 2000 مبنى متضرر وآيل للسقوط في قطاع غزة، مشددة على الحاجة إلى معدات ثقيلة ووقود ومواد لازمة لمعالجة هذه المخاطر.
وتكشف أحدث خطة شتوية أعدتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” حجم الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المتاحة، إذ يعيش نحو 84% من سكان قطاع غزة، أي أكثر من 1.76 مليون شخص، في مواقع نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وغير ملائمة، مع حماية محدودة من البرد والأمطار الغزيرة والفيضانات.
ومع اقتراب الشتاء، تبدو آلاف العائلات النازحة أمام اختبار جديد، في ظل خيام أنهكها النزوح المتكرر، ومستلزمات أساسية مفقودة، وقدرة محدودة على مواجهة البرد والمياه، بينما تبقى الحاجة إلى استجابة إغاثية عاجلة مرتبطة بقدرة الجهات الإنسانية على توفير مأوى أكثر أمانًا ومستلزمات تحمي النازحين من ظروف الشتاء القاسية.

