شحن الهواتف بغزة.. حاجة يومية تتحول إلى رحلة محفوفة بالموت تحت نيران الاحتلال

شحن الهواتف بغزة.. حاجة يومية تتحول إلى رحلة محفوفة بالموت تحت نيران الاحتلال

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد رحلة البحث عن مصدر لشحن الهاتف المحمول في قطاع غزة مجرد مهمة يومية لتأمين وسيلة اتصال، بل تحولت إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، في ظل تكرار استهداف نقاط الشحن التي يلجأ إليها المواطنون لتعويض انقطاع الكهرباء وتدمير مصادر الطاقة، حتى باتت أماكن يفترض أن توفر خدمة أساسية للسكان عرضة للقصف وسقوط الضحايا.

ومع استمرار أزمة الكهرباء واتساع رقعة الدمار الذي طال البنية التحتية ومصادر الطاقة، اضطر آلاف المواطنين إلى الاعتماد على نقاط شحن مؤقتة، أقامها مواطنون في مناطق مختلفة من القطاع، لتوفير الحد الأدنى من احتياجات السكان، وإبقاء هواتفهم قيد التشغيل، في ظل ظروف إنسانية ومعيشية بالغة القسوة.

لكن هذه النقاط، التي يقصدها المدنيون لتلبية حاجة لا يمكن الاستغناء عنها، لم تعد بمنأى عن الاستهداف الإسرائيلي، بعدما طالتها هجمات متكررة أوقعت شهداء وجرحى، بينهم أطفال، وفق شهادات مواطنين.

وفي أحدث هذه الهجمات، قصفت طائرة مسيّرة إسرائيلية، يوم الجمعة، نقطة لشحن الهواتف في منطقة “المسلخ التركي” غرب مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، في استهداف أعاد المخاوف من تحول هذه الأماكن إلى بؤر خطر تلاحق المواطنين حتى خلال محاولاتهم تأمين أبسط متطلبات حياتهم اليومية.

نجاة بفارق دقائق

ومن بين الشهادات التي تختصر خطورة هذه الهجمات، قصة المواطنة خديجة الحاج، التي كانت في طريقها إلى نقطة الشحن المستهدفة بمنطقة المسلخ التركي، لكنها نجت من القصف بفارق دقائق قليلة، بعدما تأخر وصولها إلى المكان.

وتروي الحاج، أنها لم تكن تقصد سوى شحن هاتفها المحمول، الذي يمثل وسيلتها الأساسية للاطمئنان على عائلتها والتواصل مع أحبائها ومتابعة أخبارهم، في ظل الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي.

وتوضح أن الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح ضرورة لا غنى عنها في ظروف الحرب، ولا سيما مع تفرق أفراد العائلات بين أماكن النزوح، وصعوبة الوصول إليهم أو معرفة أحوالهم.

وتضيف أن تأخرها عن الوصول إلى نقطة الشحن قبل استهدافها بدقائق حال دون وجودها بين الضحايا، لتجد نفسها أمام مشهد كان من الممكن أن يغيّر حياتها بالكامل.

وتعكس هذه الحادثة حجم المخاطر التي باتت تحيط بالسكان، إذ يضطر المواطن إلى مغادرة مكان إقامته بحثاً عن مصدر للطاقة، دون أن يعرف ما إذا كانت رحلته القصيرة ستنتهي بسلام أم ستتحول إلى مأساة.

استهداف متكرر وضحايا من الأطفال

ولا تبدو حادثة المسلخ التركي معزولة عن استهدافات سابقة طالت نقاطاً مماثلة في مدينة خان يونس، وأوقعت شهداء وجرحى، وفق شهادات مواطنين تحدثوا عن تكرار قصف أماكن تجمع السكان لشحن هواتفهم.

ويؤكد المواطن يوسف بركة أن الاستهداف الأخير ليس الأول من نوعه، مشيراً إلى تعرض نقطة أخرى لشحن الهواتف للقصف في وقت سابق، وكان جميع ضحاياها من الأطفال، وفق روايته.

ويثير تكرار هذه الهجمات مخاوف واسعة لدى السكان، خصوصاً أن هذه النقاط يرتادها مدنيون، بينهم نساء وأطفال وشبان، لا يبحثون سوى عن وسيلة لإعادة تشغيل هواتفهم والتواصل مع عائلاتهم.

ويشير بركة إلى أن استهداف أماكن يتجمع فيها المواطنون لتلبية احتياجات أساسية يضع حياتهم أمام خطر دائم، متسائلاً عن مبررات قصف مواقع يرتادها السكان لهذا الغرض.

الهاتف شريان حياة في زمن الحرب

وتتجاوز أهمية نقاط الشحن مجرد تشغيل الهواتف، إذ باتت الأجهزة المحمولة إحدى الوسائل الأساسية التي يعتمد عليها الفلسطينيون في إدارة تفاصيل حياتهم اليومية خلال الحرب.

فمن خلالها يطمئن المواطنون على أقاربهم، ويتواصل النازحون مع عائلاتهم التي تفرقت في مراكز الإيواء ومناطق النزوح، كما يستخدمونها لطلب المساعدة والإسعاف، ومتابعة الأخبار والتطورات الميدانية، والوصول إلى المعلومات الضرورية.

كذلك أصبحت الهواتف وسيلة لا غنى عنها لإجراء المعاملات المالية عبر المحافظ الإلكترونية، في ظل تعطل كثير من الخدمات التقليدية وصعوبة الوصول إلى المؤسسات والأسواق.

وتقول المواطنة أم سعيد النجار إن أفراد عائلتها، سواء هي أو أبناؤها أو زوجها، يضطرون إلى التوجه لنقاط الشحن بصورة متكررة، في ظل غياب مصادر الكهرباء، متسائلة عن أسباب استهداف أماكن يقصدها المواطنون لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وتوضح أن الظروف المعيشية القاسية تدفع بعض العائلات إلى اصطحاب أطفالها معها أو إرسالهم إلى نقاط الشحن، الأمر الذي يضاعف المخاطر التي يتعرض لها الصغار، ويجعلهم عرضة للقصف في أماكن يفترض أن تكون مخصصة لخدمة المدنيين.

احتياجات الحياة تحت القصف

وتكشف أزمة نقاط شحن الهواتف جانباً إضافياً من تداعيات تدمير البنية التحتية في قطاع غزة، حيث لم يعد انقطاع الكهرباء مقتصراً على حرمان السكان من الإنارة وتشغيل الأجهزة المنزلية، بل امتد ليطال وسائل الاتصال والتواصل وطلب المساعدة وإدارة شؤون الحياة اليومية.

وبينما يحاول المواطنون ابتكار وسائل بديلة للتكيف مع غياب الخدمات الأساسية، يجدون أنفسهم أمام مخاطر جديدة تطال حتى الأماكن التي توفر لهم هذه البدائل.

وهكذا، لم تعد رحلة شحن هاتف محمول في غزة مسألة اعتيادية؛ فخلف كل نقطة شحن عائلات تنتظر اتصالاً للاطمئنان على أبنائها، ونازحون يحاولون الوصول إلى ذويهم، وأطفال يرافقون آباءهم بحثاً عن الكهرباء، فيما بات الوصول إلى مصدر للطاقة محفوفاً باحتمالات القصف والموت.

وفي قطاع أنهكته الحرب، باتت أبسط تفاصيل الحياة اليومية، من تشغيل الهاتف إلى إجراء مكالمة للاطمئنان على قريب، محاطة بمخاطر لا تنفصل عن واقع الدمار وانعدام مقومات الحياة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest