شحّ الغذاء يهدد غزة بموجة مجاعة جديدة.. ومخابز على وشك التوقف

أسواق غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

تتفاقم الأزمة المعيشية في قطاع غزة مع تراجع المعروض من السلع الأساسية في الأسواق، وارتفاع أسعار المواد الغذائية المتبقية إلى مستويات تفوق قدرة غالبية السكان على شرائها، نتيجة قيود الاحتلال الإسرائيلي، في مشهد يعيد إلى الواجهة مخاوف المجاعة التي عانى منها الفلسطينيون خلال السنوات الثلاث الماضية.

وبين رفوف تفتقر إلى الخضروات والفواكه، وطوابير الخبز التي بدأت تتشكل مجددًا، تواجه عائلات نازحة ومقيمة صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها اليومية، فيما يهدد نقص الطحين ووقود التشغيل بتوقف مزيد من المخابز عن العمل.

ولا تقتصر الأزمة على نقص السلع المعروضة، بل تمتد إلى انهيار القدرة الشرائية للأسر التي فقدت مصادر دخلها واستنزفت مدخراتها خلال سنوات حرب الإبادة والحصار والنزوح المتكرر.

ومع محدودية الخيارات الغذائية وارتفاع تكاليف المعيشة، تضطر عائلات إلى تقليص وجباتها اليومية والاعتماد على أصناف محدودة لا تلبي احتياجاتها الغذائية، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الجوع وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والمرضى وكبار السن.

شحّ الطحين يهدد استمرار عمل المخابز

يحذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان له الخميس، من تجدد خطر المجاعة في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن فريقه الميداني رصد شحًا شديدًا في الخضروات والفواكه ومواد غذائية أساسية، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع المتوفرة بما يفوق القدرة الشرائية لغالبية السكان.

وأوضح المرصد أن أزمة نقص الطحين وشح الوقود اللازم للتشغيل تسببتا في إغلاق عدد من المخابز خلال الأيام الماضية، من بينها مخبزان رئيسيان في مدينة غزة توقفا عن العمل أمس الأربعاء، ما أعاد طوابير الخبز الطويلة إلى المشهد اليومي للسكان.

ونقل المرصد عن رئيس جمعية المخابز في قطاع غزة أن سبعة مخابز متبقية تعمل بدعم من برنامج الأغذية العالمي تواجه خطر التوقف خلال 48 ساعة، بسبب عدم السماح بدخول شاحنات الطحين التي تعتمد عليها، حتى صباح الأحد المقبل على أقل تقدير، في ظل غياب اليقين بشأن حركة المعابر.

ويفاقم توقف المخابز معاناة آلاف العائلات التي تعتمد على الخبز بوصفه أحد مصادر الغذاء الأساسية، لا سيما في ظل شح غاز الطهي وصعوبة إعداد الطعام داخل الخيام ومراكز الإيواء المكتظة.

أسواق تفتقر إلى الغذاء وأسر عاجزة عن الشراء

وأفاد المرصد بأن فريقه رصد منذ 20 أكتوبر/تشرين الأول حالة من القلق المتزايد بين السكان، مع اختفاء أصناف من الخضروات والفواكه وشح الطحين وارتفاع أسعاره، بالتزامن مع تراجع قدرة العائلات على توفير وجبات يومية لأفرادها.

وبحسب المرصد، اضطرت أسر عديدة إلى تقنين وجباتها إلى الحد الأدنى، والاعتماد على بدائل غذائية محدودة تفتقر إلى العناصر الأساسية، فيما تواجه أمهات صعوبات متزايدة في توفير الغذاء الملائم لأطفالهن، بما في ذلك الحليب للرضع والمكملات الغذائية الموصوفة للحالات التي تحتاج إليها.

وتكشف شهادات جانبًا من تأثير الأزمة على الفئات الأكثر هشاشة، إذ تتجاوز المعاناة عدم توافر الطعام إلى صعوبة الحصول على غذاء متنوع يتناسب مع الاحتياجات الصحية.

وقال عبد العزيز سعيد، البالغ 65 عامًا، إن معظم المواد الغذائية المتوفرة في الأسواق باتت خارج قدرته على الشراء، وإن الخضروات التي كانت جزءًا أساسيًا من طعامه لم تعد متاحة كما في السابق. وأضاف أن أسرته تعتمد على ما تستطيع توفيره من الخبز والأرز والعدس، وقد تكتفي أحيانًا بوجبة واحدة يوميًا بحسب المتاح.

من جهتها، قالت أم خالد، البالغة 43 عامًا والمصابة بالسكري، إن شح المواد الغذائية وارتفاع أسعار الخضروات جعلا الالتزام بنظام غذائي مناسب لحالتها أمرًا بالغ الصعوبة، مشيرة إلى أنها لا تجد في كثير من الأحيان طعامًا تستطيع شراءه ويلبي احتياجاتها الصحية.

وتعكس الشهادتان كيف يفاقم نقص الغذاء وارتفاع أسعاره معاناة المرضى وكبار السن، الذين يحتاجون إلى وجبات منتظمة ومتوازنة، في وقت تتقلص فيه الخيارات المتاحة أمام السكان يومًا بعد آخر.

قيود دخول البضائع تفاقم أزمة الأسواق

وربط المرصد الأورومتوسطي تراجع المعروض في الأسواق بالقيود المفروضة على دخول البضائع إلى القطاع، موضحًا أن التنسيقات الخاصة بإدخال البضائع التجارية توقفت من 13 أكتوبر/تشرين الأول حتى الإعلان عن استئناف السماح الجزئي بها في 19 من الشهر نفسه، من دون أن يؤدي ذلك إلى تحسن ملموس في الأوضاع المعيشية.

وأشار إلى أن الكميات المسموح بدخولها لا تزال محدودة للغاية، مع استمرار منع دخول الخضروات والفواكه الطازجة، بحسب ما أورده في بيانه. كما نقل عن مواطنين وتجار أن إغلاق المعبر يومي الجمعة والسبت يترك الأسواق في حالة من عدم اليقين بشأن دخول الشاحنات يوم الأحد، بما يهدد باستنزاف المخزون المحدود ورفع الأسعار.

ووفق تقديرات المرصد، لا يتجاوز إجمالي البضائع التي تدخل القطاع، في أفضل الأحوال، نحو 37% من احتياجاته الفعلية. وأكد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تقيد دخول المواد الغذائية الأساسية والسلع الصحية، مقابل السماح المحدود بدخول أصناف ثانوية، معتبرًا أن وجود بعض البضائع في الأسواق لا يعني توافر الغذاء الكافي أو قدرة السكان على شرائه.

وتتضاعف آثار هذه القيود، بحسب المرصد، مع تدمير أجزاء واسعة من مصادر الإنتاج المحلي وفقدان السكان مصادر دخلهم، ما يجعل الأسر أكثر اعتمادًا على البضائع الواردة، ويزيد تأثرها بأي تأخير أو تراجع في الكميات الداخلة إلى القطاع.

وقف المساعدات يوسع فجوة الاحتياجات الغذائية

وتأتي أزمة الأسواق بالتزامن مع إعلان برنامج الأغذية العالمي، في 19 أكتوبر/تشرين الأول، وقف المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل، وفق ما أورده المرصد الأورومتوسطي.

وحذّر البرنامج من استمرار الاحتياجات الإنسانية الكبيرة واحتمال ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بصورة مفاجئة، خصوصًا بين الأطفال والنساء الحوامل. ويرى المرصد أن تراجع المساعدات بالتزامن مع القيود المفروضة على الإمدادات يوسع الفجوة الغذائية التي تواجهها الأسر، ويهدد بتراجع التحسن المحدود الذي تحقق خلال الأشهر الماضية.

وتثير هذه التطورات مخاوف إضافية بشأن الفئات التي تعتمد على المساعدات لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل ومحدودية قدرة الأسر على تعويض النقص من الأسواق.

وتأتي التحذيرات الجديدة فيما لا تزال آثار المجاعة وسوء التغذية السابقين حاضرة في القطاع. ووفق زارة الصحة في غزة، سجلت وفاة ما لا يقل عن 466 فلسطينيًا، بينهم 157 طفلًا، نتيجة سوء التغذية والمجاعة منذ عام 2024، فيما تجاوز عدد حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون الخامسة 158 ألف حالة حتى أغسطس/آب 2026.

كما أشار المرصد إلى أن نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة ثلثي سكان القطاع، ما زالوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق أحدث التقييمات التي استند إليها، محذرًا من أن اضطراب الإمدادات قد يؤدي إلى تدهور سريع في الأوضاع الصحية والغذائية.

تحذير من تجدد المجاعة

وأكد المرصد الأورومتوسطي أن استمرار نقص الغذاء، وتراجع القدرة الشرائية، وتعطل المخابز، وتقليص المساعدات، عوامل تتضافر لتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، محذرًا من أن التحكم في كميات الإمدادات ونوعيتها ومواعيد دخولها يبقي السكان أمام حالة مستمرة من عدم اليقين بشأن قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ودعا المرصد المجتمع الدولي والدول المانحة والمنظمات الإنسانية إلى التحرك العاجل لضمان تدفق منتظم وكافٍ للبضائع والمواد الغذائية والوقود، وإعادة توفير المساعدات الغذائية الشهرية، ودعم تشغيل المخابز وتأمين الطحين والمكملات الغذائية العلاجية، خصوصًا للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وكبار السن والمرضى.

كما طالب بنشر بيانات دورية توضح حجم الاحتياجات الفعلية للقطاع، وكميات البضائع والمساعدات المسموح بدخولها، وما يصل منها فعليًا إلى السكان، بما يساعد على تحديد الفجوة الغذائية ومتابعة آثار القيود المفروضة على الإمدادات.

وفي ظل استمرار شح السلع وارتفاع أسعارها، يبقى تأمين الغذاء اليومي تحديًا متصاعدًا أمام آلاف العائلات في غزة، فيما يثير خطر توقف مزيد من المخابز وتقليص المساعدات مخاوف من اتساع رقعة الحرمان الغذائي، في وقت لا تزال فيه قدرة السكان على الوصول إلى الغذاء الكافي والملائم رهينة انتظام الإمدادات وتوافرها بأسعار يمكنهم تحملها.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest