
المركز الفلسطيني للإعلام
“اليوم بتتعرض للموت، بتتعرض للقتل يوم يوم.. لا عنا معدات صيد، لا عنا لانشات، لا عنا حسكات، لا عنا مكان، ولا عنا غزول أساسية”.. بهذه الكلمات يختصر الصياد نضال الداعور واقع مهنة تحولت من مصدر رزق لعشرات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة إلى مغامرة يومية محفوفة بالخطر والفقر ونقص أبسط مقومات العمل.
قبل الحرب، كان البحر جزءًا أساسيًا من حياة الصيادين في غزة، وكانت مهنة الصيد مصدر الدخل الرئيسي لآلاف العاملين وعائلاتهم، إلا أن حرب الإبادة الإسرائيلية خلفت دمارًا واسعًا في القوارب والموانئ ومعدات الصيد، وضيقت قدرة الصيادين على الوصول إلى البحر والعمل فيه.
ويقول الداعور إن الميناء الذي كان يعج بالقوارب لم يعد يضم سوى بقايا مراكب تحولت إلى أكوام من الحديد، فيما فقد الصيادون القوارب والشباك والحساسات والمعدات التي يحتاجون إليها لاستئناف مهنتهم، مضيفًا أن الصياد لم يعد قادرًا على ممارسة عمله كما كان قبل الحرب.

وبحسب معطيات قطاع الصيد، تضرر أو دُمر أكثر من 85 بالمئة من أصول المهنة في غزة، بما يشمل القوارب والمحركات والشباك، فيما كانت تقديرات الأمم المتحدة قد أشارت إلى تضرر أو تدمير نحو 72 بالمئة من أسطول الصيد في مراحل سابقة من الحرب.
وكان أكثر من 6 آلاف شخص في غزة يعتمدون على قطاع الصيد كمصدر رئيسي للدخل قبل الحرب، بينهم نحو 4200 صياد وأصحاب قوارب مسجلين، فيما كان القطاع يوفر سبل العيش لنحو 110 آلاف شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة.
البحر.. مساحة ضيقة بين الرزق والخطر
لم يعد خروج الصياد إلى البحر رحلة بحث عادية عن الأسماك، بل أصبح قرارًا يحمل احتمال الإصابة أو الاعتقال أو الموت. ويؤكد الداعور أنه واحد من الصيادين الذين أصيبوا في البحر جراء إطلاق النار الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن الخطر يرافق الصيادين بشكل يومي.
ويشرح أن الصياد يبدأ رحلته منذ ساعات الفجر الأولى، محاولًا الوصول إلى شباكه واستعادتها، من دون أن يملك الوقت الكافي للتخطيط أو معرفة ما إذا كان سيتمكن من العودة سالمًا.

وحتى المساحات القريبة من الشاطئ لم تعد توفر الأمان، في ظل استمرار القيود والمخاطر التي تحيط بالصيد، الأمر الذي دفع بعض الصيادين إلى استخدام وسائل بدائية، والاستعانة بقوارب صغيرة أو معدات مستأجرة، في محاولة للحفاظ على مصدر رزقهم.
صيد قليل.. ودخل لا يكفي
ولا تتوقف أزمة الصياد عند المخاطر التي يواجهها في البحر، إذ إن الكميات التي يتمكن من اصطيادها أصبحت محدودة للغاية، بينما ارتفعت تكلفة المعدات بصورة تفوق قدرة معظم العاملين في المهنة.
ويشير الداعور إلى أن الحسكات التي كانت تكلف قبل الحرب نحو 12 مليونًا أصبحت، وفق تقديره، تصل إلى 400 مليون، ما دفع الصيادين إلى استئجار المعدات بدلًا من شرائها.

وعندما يعود الصياد بكمية قليلة من الأسماك، تتوزع حصيلتها بين عدد من العاملين، وتُخصم منها تكاليف استئجار القارب والمعدات، ليجد الصياد نفسه في نهاية الرحلة أمام دخل ضئيل لا يتناسب مع حجم المخاطر التي تحملها.
وتشير بيانات الأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة إلى أن متوسط الصيد اليومي في غزة خلال الفترة الأولى من الحرب تراجع إلى نحو 7.3 بالمئة فقط من مستويات عام 2022، فيما قدرت خسائر الإنتاج السمكي بنحو 17.5 مليون دولار خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى نيسان/أبريل 2024.
مهنة مدمرة وأسر تنتظر
لم يضرب الدمار القوارب والمعدات وحدها، بل طال الموانئ ومرافق التخزين والإصلاح ومزارع الاستزراع السمكي، ما جعل إعادة تشغيل القطاع مهمة شاقة حتى في حال توفر إمكانية الوصول الآمن إلى البحر.
وبحسب إفادات الصيادين، فقد قتل وأصيب واعتُقل عدد منهم خلال محاولاتهم ممارسة عملهم، فيما تعرضت قوارب ومعدات للمصادرة أو التدمير، لتتراكم الخسائر فوق سنوات من القيود المفروضة على مساحة الصيد.

ويستذكر الداعور حادثة صياد أصيب إثر انفجار حسكة، قائلًا إن الشاب بقي في المستشفى مصابًا في رجله وظهره، فيما ضاعت معدات الصيد والشباك التي يعتمد عليها هو وأسرته في تأمين لقمة العيش.
وبذلك، لم تعد أزمة الصيد في غزة أزمة مهنة فقط، بل تحولت إلى أزمة معيشية وغذائية تمس آلاف الأسر، في وقت بات فيه السمك الذي كان عنصرًا أساسيًا في غذاء سكان القطاع نادرًا وباهظ الثمن.
مطلب الصياد.. أن يعود إلى البحر حيًا
ورغم كل ما جرى، لا يزال الصيادون يحاولون التمسك بمهنتهم، ويطالبون بتوفير القوارب والشباك والمعدات، وإعادة تأهيل الموانئ، وفتح مساحة بحرية واضحة وآمنة يستطيعون العمل فيها دون أن تتحول كل رحلة إلى مقامرة بالحياة.
ويقول الداعور إن مطلب الصياد بسيط: أن يعرف أين يستطيع الصيد، وأن يكون قادرًا على العودة إلى منزله دون خوف من الاعتقال أو الإصابة أو الاستشهاد.
على شاطئ غزة، لم يعد الصياد يبحث عن رحلة وفيرة أو شباك ممتلئة بالأسماك، بل أصبح حلمه الأول أن يعود من البحر حيًا، وأن يجد في اليوم التالي ما يكفيه ليحاول من جديد. فالبحر الذي كان بابًا للرزق، أصبح بعد الحرب شاهدًا على خراب مهنة كاملة، وعلى صيادين يحاولون انتزاع لقمة عيشهم من بين الركام والخوف.

