عائلات غزة الممزقة.. حربٌ تفصل الأزواج وتبدّد أحلام الأطفال ولمّ الشمل

خيام غزة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تتوقف آثار الحرب على قطاع غزة عند آلاف الشهداء والجرحى وملايين النازحين، بل امتدت إلى داخل الأسر الفلسطينية، ففرّقت الأزواج عن زوجاتهم، والأطفال عن آبائهم، وحوّلت روابط العائلة إلى حكايات انتظار وقلق تتجدد مع كل يوم من أيام النزوح والحرمان.

وبين من اضطروا إلى مغادرة القطاع لتلقي العلاج، ومن بقوا داخله تحت القصف والدمار، تعيش عائلات فلسطينية واقعًا قاسيًا تتداخل فيه المعاناة النفسية مع العجز المالي، وتتبدد فيه أحلام العودة والاجتماع والاستقرار.

وفي تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، رصدت الصحيفة حكايات فلسطينية فرّقتها الحرب، مسلطة الضوء على الثمن الإنساني الممتد للصراع، الذي لم يعد يقتصر على فقدان المنازل والأقارب، بل طال قدرة العائلات على البقاء معًا ومواصلة حياتها الطبيعية.

وجدان أبو مطر.. أم وأب في وقت واحد

تروي قصة وجدان أبو مطر، البالغة من العمر 43 عامًا، جانبًا من هذه المأساة. ففي 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصابت غارة إسرائيلية برج المهندسين قرب منزل عائلتها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بينما كان أفراد الأسرة يستعدون لتناول الغداء.

وأصيبت وجدان وأطفالها الثمانية في الغارة، فيما كانت إصابات بعض الأطفال بالغة. وأمضت ابنتها نور، التي كانت تبلغ 15 عامًا، نحو 33 يومًا في العناية المركزة إثر إصابتها بكسر في الجمجمة ونزيف في الدماغ، بينما عانت طفلتها آمنة، البالغة خمس سنوات، حروقًا شديدة في الصدر.

ومع تفرق أفراد الأسرة بين المستشفيات لتلقي العلاج، بدأت رحلة جديدة من المعاناة. ففي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، غادرت وجدان إلى مصر برفقة ابنتها نور لاستكمال العلاج، فيما بقي زوجها حاتم في قطاع غزة، بعد إصابته بجروح خطيرة في ساقه حدّت من قدرته على الحركة.

وبعد أشهر من التنقل بين أماكن العلاج والإقامة لدى الأقارب، تمكنت وجدان من جمع أطفالها في شقة بمصر، لكنها ظلت بعيدة عن زوجها، الذي يعيش نازحًا في خيمة بالنصيرات، ويعاني تبعات إصابته.

وتقول وجدان إنها أصبحت تقوم بدور الأم والأب معًا، وإن المسؤولية تثقل كاهلها، بينما لا يفارقها القلق على زوجها. وحتى التواصل معه عبر الهاتف يظل مرهونًا بتوفر الإنترنت، الذي يتعرض لانقطاعات وصعوبات متكررة في غزة.

ولا تقف المعاناة عند الانفصال؛ إذ تواجه الأسرة أوضاعًا اقتصادية صعبة، في ظل غياب مصدر دخل منتظم لوجدان، وتوقف راتب زوجها منذ أشهر، وعجزها عن توفير تكاليف المواصلات اللازمة لإرسال خمسة من أطفالها إلى المدرسة، فضلًا عن صعوبة تأمين الأدوية التي لا تزال نور بحاجة إليها.

وتقول وجدان إنها تحلم بتوفير العلاج لأطفالها، وأن تجتمع مجددًا بزوجها ليتمكن هو الآخر من تلقي العلاج، مضيفة أنها لم تعد قادرة على تحمل الأعباء وحدها، وأنها فقدت 35 فردًا من عائلتها خلال الحرب.

وتختصر هذه الحكاية مأساة أسر وجدت نفسها أمام خيارات قاسية: البقاء تحت وطأة الدمار ونقص العلاج، أو المغادرة بحثًا عن فرصة للنجاة، مع ما يترتب على ذلك من انفصال عن بقية أفراد العائلة وصعوبات في إعادة جمع شملها.

عرس مؤجل.. وخطيبة تنتظر في غزة

ولا تقتصر العائلات الممزقة على الأزواج الذين فرقتهم الإصابات والعلاج، بل تشمل أيضًا شبانًا وشابات توقفت مشاريع حياتهم عند حدود الحرب.

وتعرض «الغارديان» قصة المصور الصحفي الفلسطيني سامي أبو طباق، البالغ 29 عامًا، الذي غادر قطاع غزة في أبريل/نيسان 2024، تاركًا خلفه عائلته وخطيبته علا، التي كان من المقرر أن يتزوجها في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

وكان سامي وعلا قد شرعا في تجهيز المنزل الذي كانا يخططان للعيش فيه بعد الزواج، لكن الحرب دمّرت منزله في جباليا، كما لحقت أضرار جسيمة بالمنزل الذي أعده الزوجان لمستقبلهما.

ومع انتقال سامي إلى جنوب القطاع برفقة شقيقته وأطفالها، تعذر عليه الوصول إلى خطيبته لتوديعها. وفي فترات لاحقة، كان يمر بأيام وأسابيع من دون أن يعرف إن كانت على قيد الحياة، خصوصًا عندما كان يسمع أنباء عن قصف مناطق قريبة من منزلها.

ومع اقتراب الهجوم البري الإسرائيلي على رفح عام 2024، شجعته علا على المغادرة خوفًا من استشهاده. وحاول سامي ترتيب خروجهما معًا إلى مصر، لكنه تمكن من المغادرة فيما تعذر على خطيبته الوصول إلى جنوب القطاع لاستكمال إجراءات السفر.

ومنذ ذلك الوقت، بقي كل منهما في مكان مختلف، وتأجل الزواج الذي كان يفترض أن يبدأ حياتهما المشتركة قبل نحو ثلاث سنوات.

ويقول سامي إن الوحدة تثقل حياته اليومية، وإن غيابه عن خطيبته وعائلته يجعله عاجزًا عن الاستمتاع بحياته الجديدة في مصر، رغم ما توفره له من أمان نسبي، كما يشعر بالذنب عندما يأكل أو يعيش في ظروف أفضل، بينما تكافح خطيبته وأقاربه لتأمين الاحتياجات الأساسية داخل غزة.

ورغم المسافة، يحاول سامي صناعة لحظات فرح لعلا، وكان آخرها ترتيب مفاجأة لها في عيد ميلادها، بالتنسيق مع شقيقها داخل القطاع. لكن هذه التفاصيل الصغيرة لا تبدد واقعًا أكبر، عنوانه أن الحرب لم تؤجل الزواج فحسب، بل علّقت حياة كاملة على احتمال لمّ الشمل.

أما علا، التي أكملت دراستها الجامعية في التمريض في الجامعة الإسلامية بغزة، فتحاول البحث عن فرصة للحصول على منحة دراسية خارج القطاع، على أمل أن تفتح لها طريقًا للخروج والالتقاء بخطيبها.

أطفال يدفعون ثمن تفكك الأسرة

ولا تنحصر آثار الانفصال في المعاناة العاطفية للآباء والأمهات، إذ يواجه الأطفال مخاطر إضافية عندما يفقدون الرعاية المباشرة لأحد الوالدين أو كليهما، أو ينتقلون بين أقارب ومنازل مؤقتة في ظل النزوح المتكرر.

وفي تقييم نشرته لجنة الإنقاذ الدولية في 30 مارس/آذار 2026، قُدّر عدد الأطفال المنفصلين عن ذويهم الذين يعيشون لدى أسر مستضيفة في غزة بنحو 20 ألف طفل. وأفاد التقييم بأن 82% من الأسر التي ترعى أطفالًا منفصلين عن ذويهم لم تتلقَّ أي دعم، فيما أظهر أكثر من 40% من هؤلاء الأطفال علامات حزن مستمر أو انسحاب اجتماعي.

وحذرت المنظمة من أن هذه الظروف ترفع مخاطر الاستغلال الاقتصادي وعمالة الأطفال والزواج المبكر، فضلًا عن احتمال تعرض الأطفال لانفصال جديد عن الأشخاص الذين يتولون رعايتهم. كما أشار التقييم إلى أن 39% من الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين لا يُتوقع أن يجتمعوا مجددًا بالوالد الآخر.

وتكشف هذه المؤشرات أن تفكك الأسر لا يمثل أزمة عابرة تنتهي بمجرد توقف القصف، بل تحديًا إنسانيًا واجتماعيًا قد يستمر سنوات، ويحتاج إلى برامج حماية ودعم نفسي واجتماعي، وإلى آليات فعالة لتحديد أماكن الأطفال المنفصلين عن ذويهم وإعادة وصلهم بأسرهم متى أمكن.

لمّ الشمل.. معركة أخرى بعد النجاة

تظهر الحكايات التي نقلتها الصحيفة البريطانية أن النجاة من القصف لا تعني بالضرورة انتهاء المعاناة؛ فقد ينجو أفراد الأسرة من الموت، لكنهم يظلون عاجزين عن الاجتماع، أو توفير العلاج والتعليم، أو بناء حياة مستقرة بعيدًا عن الخوف والقلق.

وفي حالة وجدان، تحولت مسؤولية رعاية الأطفال إلى عبء يومي يتزامن مع القلق على زوجها المصاب والنازح. أما سامي، فيعيش بعيدًا عن خطيبته التي كان يستعد للزواج منها، فيما تواصل هي البحث عن منفذ للخروج من القطاع.

وبين القصتين، تتكرر صورة العائلات التي لم تعد تملك قرارًا كاملًا بشأن مكان عيشها أو مستقبل أبنائها أو موعد اجتماعها مجددًا. فالمغادرة للعلاج قد تعني الانفصال عن الزوج، والخروج بحثًا عن الأمان قد يترك خلفه خطيبة أو والدين أو أطفالًا، بينما لا تكفي الاتصالات الهاتفية لتعويض الغياب أو ضمان استمرار الحياة الأسرية.

وتبقى إعادة جمع شمل العائلات جزءًا أساسيًا من التعافي الإنساني في غزة، إلى جانب العلاج وإعادة الإعمار وتوفير المأوى والتعليم. فإعادة بناء المنازل وحدها لا تعيد للأسرة حياتها إذا ظل أفرادها موزعين بين القطاع والخارج، أو ظل الأطفال محرومين من رعاية ذويهم.

وفي غزة، لا تقاس خسائر الحرب بعدد القتلى والجرحى والمنازل المدمرة فقط؛ فهناك أيضًا أعمار معلقة، وأعراس مؤجلة، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم، وأمهات يحملن أعباء أسرة كاملة، وآباء ينتظرون مكالمة هاتفية أو فرصة للعودة. إنها خسائر لا تظهر جميعها في الإحصاءات، لكنها تترك أثرًا عميقًا في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وقد تظل حاضرة حتى بعد توقف الحرب بسنوات.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest