
المركز الفلسطيني للإعلام
بعد عام على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للسكان، رغم توقف العمليات الإسرائيلية الواسعة التي سبقت الاتفاق؛ فالقتل مستمر، والدمار يتسع، ومئات آلاف الفلسطينيين يعيشون في خيام ومساكن مؤقتة، فيما بقيت عملية إعادة الإعمار تراوح مكانها.
ويقول د. إياد القرا كاتب ومحلل سياسي، إن واقع غزة بعد عام من الاتفاق يكشف فجوة واسعة بين الإعلان عن وقف إطلاق النار وبين التحول الفعلي إلى مرحلة ما بعد الحرب، مشيرًا إلى أن الفلسطيني لا يحتاج إلى خبير ليعرف ما إذا كانت الحرب انتهت، إذ تكفيه رؤية أعداد الشهداء بعد الاتفاق، والخيام الممتدة فوق أنقاض الأحياء، والبيوت التي لا تزال تُهدم أو تنهار، والمستشفيات التي تعمل بنصف طاقتها، والعائلات التي لم تجد مكانًا تعود إليه.
1402 شهيد بعد الاتفاق
ويشير القرا في مقالة تابعها مراسل المركز الفلسطيني للإعلام إلى أن وقف إطلاق النار أوقف الحرب الإسرائيلية الواسعة، لكنه لم يضع حدًا للموت، ولم يُعد الحياة إلى طبيعتها، ولم ينقل قطاع غزة فعليًا إلى مرحلة ما بعد الحرب.
وتكشف الأرقام حجم هذه المفارقة؛ فمنذ إعلان الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى 23 سبتمبر/أيلول 2026، ارتقى 1402 فلسطيني وأصيب 4881 آخرون، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة.
ورغم أن هذه الأرقام أقل من حصيلة الحرب الشاملة التي سبقت الاتفاق، فإنها تؤكد، وفق القرا، أن وقف إطلاق النار لم يتحول إلى وقف فعلي للقتل والاستهداف.
الدمار مستمر
ولا يقتصر المشهد على الخسائر البشرية، إذ بقي الدمار الواسع حاضرًا في مختلف أنحاء القطاع.
وبحسب المعطيات التي يستند إليها القرا، رصدت الأمم المتحدة حتى منتصف يونيو/حزيران 2026 تضرر نحو 201 ألف مبنى، بما يقارب 82% من إجمالي مباني قطاع غزة، بينها أكثر من 134 ألف مبنى مدمر، إلى جانب تضرر أكثر من 328 ألف وحدة سكنية.
ولم يتوقف أثر الدمار عند لحظة توقيع الاتفاق، بل ارتفع عدد المباني المصنفة مدمرة مقارنة بالتقييم الذي أُجري في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما يعكس استمرار تداعيات الحرب وتراكم أضرارها حتى بعد وقف إطلاق النار.
غزة ما زالت في حالة طوارئ
وبعد عام، لا تزال الأزمة الإنسانية تلقي بثقلها على السكان؛ إذ يحتاج 94% من سكان غزة إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى والاحتياجات الأساسية، بينما تعيش 65% من الأسر في خيام أو مساكن مؤقتة.
وتعني هذه الأرقام أن وقف إطلاق النار لم يفتح الطريق أمام عودة طبيعية للحياة، في ظل استمرار الحاجة إلى المساعدات، وصعوبة توفير السكن، وتعطل قطاعات حيوية بفعل الدمار ونقص الإمكانات.
كما لا تزال القيود المفروضة على دخول المعدات ومواد البناء وقطع الغيار والمولدات تعرقل الانتقال من مرحلة الإغاثة العاجلة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وفي ظل ذلك، تواصل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والخدمات الأساسية العمل في ظروف استثنائية، وبمنطق الطوارئ أكثر من العمل ضمن منظومة مستقرة قادرة على تلبية احتياجات السكان.
خطط سياسية بلا تغيير ملموس
وعلى المستوى السياسي، يرى القرا أن ما طُرح من ترتيبات لإدارة قطاع غزة وإعادة إعمارها لم يتحول إلى واقع يلمسه الفلسطيني في حياته اليومية.
ويبرز في هذا السياق ما سُمّي «مجلس السلام»، الذي أُنشئ للإشراف على ترتيبات غزة وإعادة الإعمار، غير أن الخطط المعلنة لم تنتج حتى الآن تغييرًا جوهريًا في واقع السكان.
كما بقيت ملفات التمثيل الفلسطيني والسيادة وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي من القضايا العالقة، في وقت تبدو فيه احتياجات السكان اليومية أكبر من النتائج التي تحققت منذ إعلان وقف إطلاق النار.
من وقف الحرب إلى إدارة الأزمة
ويخلص القرا إلى أن غزة انتقلت، بعد عام من الاتفاق، من الحرب المفتوحة إلى إدارة طويلة للأزمة؛ فحدة العمليات العسكرية تراجعت، لكن القتل لم يتوقف، والنزوح لم ينتهِ، والإعمار لا يزال مؤجلًا، فيما تعمل المساعدات على منع الانهيار دون أن تكون قادرة على إعادة الحياة إلى طبيعتها.
وبهذا المعنى، لا تكمن المشكلة فقط في احتمال عودة الحرب، وإنما في أن آثارها وقيودها قد تتحول إلى واقع دائم تحت عنوان «وقف إطلاق النار».
ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: ما قيمة وقف إطلاق النار إذا بقي الفلسطيني معرضًا للقتل، والنازح عالقًا في خيمته، والبيت ركامًا، والإعمار معلقًا، والحياة اليومية محكومة بمنطق الطوارئ؟
فوقف إطلاق النار، وفق الرؤية التي يطرحها القرا، لا يكتمل بمجرد توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، وإنما عندما يتوقف الموت، ويتمكن النازحون من العودة، ويبدأ الإعمار، وتستعيد المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء قدرتها على العمل بصورة طبيعية.
وبعد عام، تبدو غزة أمام اختبار يتجاوز مجرد بقاء الاتفاق من الناحية الشكلية؛ فالمطلوب هو الانتقال من وقف مؤقت للعمليات إلى نهاية فعلية للحرب وتبعاتها، حتى لا تتحول آثار الدمار والنزوح والأزمة الإنسانية إلى واقع دائم يحمل اسم «وقف إطلاق النار».

