عرس دورا الجماعي.. حين يعيد 88 عريسا وعروسا للفرح الفلسطيني صوته

عرس دورا الجماعي.. حين يعيد 88 عريسا وعروسا للفرح الفلسطيني صوته

“ثلاث سنين حرب، والفرحة هاي فرحة زمان ما سمعناها”.. بهذه الكلمات اختصر العريس وسيم العمايرة مشاعر عشرات الشبان والفتيات الذين اجتمعوا في مدينة دورا بمحافظة الخليل، في عرس جماعي حمل أكثر من مجرد مناسبة للزفاف، وحاول أن يستعيد لحظة فرح غابت طويلًا عن حياة الفلسطينيين تحت وطأة الحرب الإسرائيلية والدمار والضغوط الاقتصادية.

في مشهد اختلطت فيه الزغاريد بالتصفيق والأغاني والأهازيج والدبكات الوطنية، وارتدت فيه العائلات ثياب الفرح بعد سنوات ثقيلة، احتفلت بلدية دورا بزفاف 88 عريسًا وعروسًا، ضمن مبادرة هدفت إلى مساندة الشباب المقبلين على الزواج، وتخفيف جزء من التكاليف التي باتت تشكل عائقًا أمام كثير من الأسر والشبان.

ولم يكن الحفل بالنسبة إلى المشاركين مجرد ليلة زفاف مشتركة، بل مساحة نادرة للفرح والاحتفال، ورسالة بأن الحياة تستطيع أن تجد طريقها حتى في أكثر الظروف قسوة.

بين عشرات العرسان، وقف صفوت عمرو وهو يصف المناسبة بأنها “عرس وطني كبير”، مؤكدًا أن الفرحة لم تقتصر على المشاركين أو عائلاتهم، وإنما امتدت إلى أبناء المدينة الذين حضروا لمشاركة العرسان فرحتهم.

وقال عمرو إن هذه المناسبة “ليست فقط فرحة دورا، بل فرحة وطن”، معربًا عن أمله في أن يتكرر العرس الجماعي كل عام، حتى تدخل الفرحة إلى كل بيت، سواء من خلال المشاركة المباشرة أو الحضور والدعم والمساندة.

أما طه أبو عرقوب، أحد العرسان المشاركين، فرأى في المبادرة فرصة حقيقية لمساعدة الشباب المقبلين على الزواج، مشيرًا إلى أن المبادرة وفرت عليهم الكثير من الأعباء والتكاليف والتفاصيل المرتبطة بتجهيز حفلات الزفاف.

وتمنى أبو عرقوب استمرار المبادرة في السنوات المقبلة، معتبرًا أن الإقبال عليها يمكن أن يكون أكبر في الأعوام القادمة، بعدما لمس الشباب حجم المساعدة التي قدمتها لهم.

عرس دورا الجماعي.. حين يعيد 88 عريسا وعروسا للفرح الفلسطيني صوته

خلف أجواء الفرح، تقف قصة أخرى أكثر قسوة؛ فالحرب الإسرائيلية وحصار الاحتلال ومستوطنيه لمدن الضفة والظروف الاقتصادية الصعبة لم تترك تفاصيل الحياة اليومية بمنأى عن آثارها، وكان الزواج واحدًا من الأحلام التي اضطر كثير من الشباب إلى تأجيلها.

عبدالكريم البستنجي، أحد المشاركين في العرس، تحدث عن تجربة شخصية تعكس واقع شريحة واسعة من الشباب، موضحًا أن الحرب أخرت زواجه، وأن الظروف الاقتصادية لم تكن تسمح له بإتمام الزواج بمفرده في الوقت القريب.

وبيّن أن فرص العمل محدودة، فيما لا تكفي الرواتب المتاحة لتغطية تكاليف تأسيس منزل جديد وتحمل أعباء الأسرة، مشيرًا إلى أن راتبًا يبلغ نحو 2500 شيكل لا يبدو كافيًا بالنسبة إلى شاب يحاول فتح بيت وتأمين احتياجات أسرته.

ويرى البستنجي أن مشاركة الشباب في العرس الجماعي قربت موعد الزواج بالنسبة إليهم، بعدما كانت الظروف تدفعهم إلى تأجيله عامًا إضافيًا أو أكثر.

عرس دورا الجماعي.. حين يعيد 88 عريسا وعروسا للفرح الفلسطيني صوته

لم تتوقف المبادرة عند تنظيم حفل جماعي، بل شملت تقديم مساعدات وتجهيزات للعرسان، في محاولة لتقليل النفقات المرتبطة بتأسيس منزل الزوجية.

وتحدثت العروس بيلسان أبو حماد عن حجم الضغوط التي فرضتها حرب الإبادة الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، مؤكدة أن الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة جعلت كل خطوة في حياة الشباب أكثر كلفة وتعقيدًا.

وأشادت بدور بلدية دورا وأهالي المدينة في تشجيع الشباب على المشاركة، موضحة أن العرسان تلقوا أدوات وتجهيزات منزلية ومستلزمات مختلفة ساعدت في تخفيف الأعباء عنهم في بداية حياتهم الزوجية.

وأضافت أن إقامة مثل هذه المناسبات في ظل الظروف الراهنة تمنح المشاركين فرصة للضحك والفرح، رغم كل ما يحيط بهم من صعوبات.

عرس دورا الجماعي.. حين يعيد 88 عريسا وعروسا للفرح الفلسطيني صوته

الفرحة التي شهدتها دورا دفعت البلدية إلى التفكير في تكرار التجربة، إذ أعلن رئيس البلدية مهند عمرو إطلاق التحضير للنسخة الثانية من “عرس دورا الوطني” خلال عام 2027، بعد ما وصفه بالأثر الكبير الذي تركته المبادرة في نفوس المشاركين وأهالي المدينة.

وقال عمرو إن ما شاهده من فرحة وبسمة على وجوه الأهالي وأبناء الشعب الفلسطيني دفع البلدية إلى مواصلة المبادرة، في محاولة للحفاظ على مساحة للفرح وسط الظروف الصعبة.

وبالنسبة إلى السيدة جهاد شديد، إحدى صاحبات المبادرة، فإن المشهد الذي صنعه أهالي دورا تجاوز حدود المناسبة نفسها؛ فقد شاركت جهات وأفراد في تجهيز العرسان وتقديم المستلزمات والدعم، فيما تحول الحضور الكبير إلى جزء أساسي من الصورة الإنسانية للحفل.

وترى شديد أن الرسالة التي خرجت من دورا يمكن أن تنتقل إلى مناطق فلسطينية أخرى، بحيث لا يبقى العرس الجماعي تجربة محلية، بل تتحول الفكرة إلى مساحة أوسع لمساندة الشباب الفلسطينيين.

عرس دورا الجماعي.. حين يعيد 88 عريسا وعروسا للفرح الفلسطيني صوته

في مدينة أنهكتها تداعيات الحرب والعدوان الإسرائيلي المتواصل والظروف الاقتصادية، بدت ليلة العرس الجماعي في دورا كأنها استراحة قصيرة من واقع ثقيل؛ عشرات العائلات اجتمعت حول أبنائها، والشباب الذين أجلوا أحلامهم وجدوا أخيرًا فرصة لارتداء بدلات الزفاف والاحتفال ببداية جديدة.

لكن خلف الأغاني والزغاريد، بقيت كلمات العرسان تختصر المشهد الفلسطيني الأوسع: حرب إسرائيلية إجرامية عطلت فرص العمل، وارتفاع في تكاليف الحياة، وشباب يحاولون بناء أسرهم في ظروف لا تشبه تلك التي حلموا بها.

ومع ذلك، خرجت دورا في تلك الليلة برسالة مختلفة؛ فحين ضاقت مساحات الفرح، اجتمع الناس لصناعتها، وحين أثقلت الحرب كاهل الشباب، حاول المجتمع أن يحمل عنهم جزءًا من الطريق.

وهكذا، لم تكن زغاريد العرسان الـ88 مجرد احتفال بزواج جديد، بل لحظة إنسانية استعادت فيها مدينة فلسطينية صوت الفرح، وأثبتت أن الحياة، رغم كل ما يحيط بها، ما زالت تبحث عن نافذة لتطل منها على المستقبل.

عرس دورا الجماعي.. حين يعيد 88 عريسا وعروسا للفرح الفلسطيني صوته

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest