
المركز الفلسطيني للإعلام
بعد ثلاثة عقود على واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر، أعاد أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب فتح ملف عمليات المقاومة التي شهدها عام 1996، برواية أثارت جدلًا يتجاوز الخلاف التقليدي بين حركتي فتح وحماس إلى سؤال تاريخي وسياسي يمس طريقة قراءة النضال الفلسطيني نفسه.
فالمسألة لا تتوقف عند السؤال عما إذا كانت تلك العمليات ردًّا على اغتيال القيادي في كتائب القسام يحيى عياش، كما سجلت مصادر تلك المرحلة، أم اتُّخذ قرارها بهدف إسقاط شمعون بيريس والتأثير في الانتخابات الإسرائيلية؛ بل تتصل أيضًا بمدى مشروعية اختزال مرحلة من المقاومة الفلسطينية في هدف انتخابي إسرائيلي، وبالمسؤولية السياسية والوطنية عن إطلاق اتهام بهذا الحجم بعد ثلاثين عامًا، وفي توقيت تتقدم فيه الدعوات إلى الحوار والوحدة الفلسطينية.
تصريحات الرجوب جاءت في حديث للتلفزيون العربي ضمن برنامج “وفي رواية أخرى”، وقال له: إن عمليات عام 1996 نُفذت بتوجيه من القيادي في حركة حماس خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي في حينه) بهدف إسقاط حكومة بيريس وإيصال نتنياهو إلى الحكم، مستندًا إلى إفادة محمد أبو وردة، أحد معتقلي كتائب القسام، خلال احتجازه لدى أجهزة الأمن الفلسطينية في أريحا، والتي نُقلت عبر التلفزيون الإسرائيلي حينها. وشكك فيها الصحفي يوسي ميلمان، في تقرير نشرته “لوس أنجلوس تايمز” آنذاك، نظرًا إلى ظروف التحقيق والاحتجاز، بما يجعلها بحاجة إلى الحذر ولا تكفي منفردة لإثبات دوافع العمليات.
ورفضت حركة حماس في بيان لها رواية الرجوب، وقالت إنها “لا أساس لها من الصحة”، معتبرة أنها تتعارض مع مقتضيات المسؤولية الوطنية وأجواء الحوار الفلسطيني.
وبعيدًا عن أي سجال، يمكن وضع تصريحات الرجوب مسألتين أمام الفحص: الأولى تاريخية، تتعلق بما تقوله الوقائع والمصادر عن عمليات 1996 ودوافعها؛ والثانية سياسية، تتصل بجدوى استحضار اتهام كهذا في لحظة فلسطينية يفترض أنها تتجه نحو إعادة بناء الوحدة والثقة بين القوى المختلفة.
لكن ثمة مسألة أعمق ينبغي ألا تضيع وسط الجدل حول نية منفذي العمليات، وهي أن قراءة المقاومة خارج سياق العدوان الإسرائيلي الذي سبقها وأحاط بها تؤدي، بقصد أو من دونه، إلى نزعها من سياقها الفلسطيني وتحويلها من فعل نشأ في مواجهة الاحتلال وسياساته إلى مجرد أداة في لعبة سياسية إسرائيلية داخلية. والخطر هنا لا يتعلق فقط بعملية 1996، بل بمنهج في قراءة التاريخ يبدأ من رد المقاومة ويتجاهل ما سبقه من جرائم واغتيالات واعتقالات واقتحامات وقمع واعتداءات، ثم يطلب تفسير الفعل الفلسطيني بمعزل عن الأسباب التي أنتجته.
ومن ثم، فإن السؤال عن الدوافع السياسية المحتملة لا ينبغي أن يلغي السؤال السابق عليه، ما الذي كان يحدث على الأرض، وما الجرائم الإسرائيلية التي سبقت العمليات، وكيف كانت الفصائل الفلسطينية تنظر إلى الرد عليها؟ فاختزال المشهد في الانتخابات الإسرائيلية يغيّر مركز الثقل في الرواية، بحيث يصبح أثر العملية في السياسة الإسرائيلية أهم من السياق الذي أنتج المقاومة نفسها.
ماذا حدث عام 1996؟
في الخامس من يناير/كانون الثاني 1996، اغتالت إسرائيل الشهيد يحيى عياش، أحد أبرز القادة التاريخيين لكتائب القسام، بواسطة هاتف مفخخ في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة. وجاء الاغتيال بعد أشهر من الهدوء وتراجع العمليات، وفي مرحلة شديدة الحساسية أعقبت اتفاق أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية.
وبعد اغتياله، شهد شهرا فبراير/شباط ومارس/آذار سلسلة من العمليات التي نفذتها حماس، وربطت منذ ذلك الوقت بالثأر لعياش، وأُطلق عليها “عمليات الثأر المقدس”، وهي تسمية لم تظهر لاحقًا كما قد يوحي بعض الطرح.
ففي 26 فبراير/شباط 1996، نقلت صحيفة “واشنطن بوست” إعلان حماس أن عمليتي القدس وعسقلان جاءتا انتقامًا لاغتيال عياش، وعادت الصحيفة في 15 مارس/آذار لتسجل أن الحركة ربطت موجة العمليات بالثأر له. بل إن إسرائيل نفسها كانت تتوقع ردًا قبل وقوع العمليات؛ إذ سجلت وكالة الأنباء اليهودية في 25 فبراير/شباط أن السلطات الإسرائيلية كانت قد فرضت إغلاقًا على الضفة الغربية وقطاع غزة قبل ذلك بنحو أسبوعين، استنادًا إلى معلومات عن استعداد حماس للثأر لاغتيال عياش.
وهذا يثبت حقيقة مهمة وهي أن تفسير العمليات باعتبارها ردًا على اغتيال عياش كان قائمًا عند وقوعها، وليس رواية صيغت بعد ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية. ولذلك، فإن إعادة تفسير تلك المرحلة بعد ثلاثين عامًا باعتبارها خطة هدفها إسقاط بيريس تحتاج إلى دليل مستقل وقوي يتناسب مع خطورة الادعاء، لا إلى النتيجة السياسية للعمليات وحدها.
كما أن وضع عمليات 1996 في سياقها لا يعني افتراض أنها كانت معزولة عن كل ما سبقها أو لحقها من أفعال المقاومة. فالفترة نفسها شهدت عمليات وتحركات لفصائل فلسطينية مختلفة، قبل تلك الموجة وبعدها، بما يجعل التعامل مع 1996 بوصفها حدثًا منفصلًا عن المسار الأوسع للمواجهة أمرًا يحتاج هو الآخر إلى دليل. ومن هنا، فإن أي مراجعة تاريخية جادة تحتاج إلى النظر في تسلسل الأحداث لا إلى انتقاء لحظة واحدة ثم تحميلها تفسيرًا شاملًا لمسار المقاومة.
وتزداد صعوبة قراءة عمليات عام 1996 باعتبارها محاولة لإفشال أوسلو إذا وُضعت في سياق العلاقة بين حماس والسلطة؛ فقد تردد في أواخر 1995 أن تفاهمًا بين الجانبين التزمت بموجبه حماس بالهدوء وعدم تنفيذ عمليات من مناطق السلطة، مع احتفاظها بموقفها من المقاومة. وبعد اغتيال يحيى عياش في يناير/كانون الثاني 1996، أعلنت الحركة إعادة النظر في التزامها، وقالت “لا يمكن أن تخسر دمًا من دون ثأر”.
المقاومة أبعد من “يمين” و”يسار”
المشكلة الأعمق في هذه القراءة أنها تختزل سياقًا نضاليًا فلسطينيًا طويلًا في حسابات انتخابية إسرائيلي، فالمقاومة الفلسطينية لم تبدأ مع أوسلو، ولم تتحدد تاريخيًا بصعود حزب إسرائيلي أو سقوط آخر. فقد مارستها فتح وفصائل منظمة التحرير، ثم أصبحت حماس والجهاد الإسلامي وقوى أخرى جزءًا من هذا المسار. وتغيرت الحكومات الإسرائيلية بين العمل والليكود وائتلافات مختلفة، فيما بقي أصل الصراع قائمًا من احتلال واستيطان وقمع في مقابل مقاومة فلسطينية اتخذت أشكالًا متعددة.
والتاريخ نفسه يجعل اختزال الصراع بثنائية “اليمين واليسار” الإسرائيليين أمرًا مضللًا، فإسحاق رابين، أحد أبرز قادة حزب العمل والذي أصبح لاحقًا شريكًا في اتفاق أوسلو، كان وزيرًا للجيش خلال الانتفاضة الأولى حين اتبعت القوات الإسرائيلية سياسة استخدام القوة والضرب بالهراوات لقمع المتظاهرين الفلسطينيين، وهي المرحلة التي اشتهرت بسياسة “تكسير العظام”.
وفي عهد رابين أيضًا أبعدت إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 1992 نحو 415 فلسطينيًا من حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور جنوب لبنان، في خطوة أدانها مجلس الأمن وطالب بإعادتهم.
أما بيريس نفسه، الذي تفترض الرواية موضع الجدل أن المقاومة أرادت إسقاطه لمصلحة “اليمين”، فقد شنت حكومته في أبريل/نيسان 1996 عملية “عناقيد الغضب” في لبنان، التي انتهت إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وكان أبرز أحداثها مجزرة قانا.
هذه الوقائع لا تلغي الفروق السياسية بين الحكومات الإسرائيلية، لكنها تؤكد أن الاحتلال وسياساته لم يكونا حكرًا على اليمين، وأن تفسير المقاومة الفلسطينية بوصفها أداة في التنافس بين اليمين واليسار الإسرائيليين يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة، ويجعل الانتخابات الإسرائيلية مركزًا لتفسير التاريخ الفلسطيني بدل الاحتلال نفسه.
النتيجة لا تثبت القصد
وهنا يقع الفارق الجوهري في تصريحات الرجوب؛ فهو سياسي وأمني كان في قلب المشهد الفلسطيني في التسعينيات، ويدرك الفرق بين القول إن عمليات 1996 أثرت في الانتخابات الإسرائيلية وأسهمت في إضعاف بيريس، وبين القول إنها نُفذت أصلًا بهدف الدفع باليمين الإسرائيلي إلى الحكم على حساب اليسار. وهذه ليست مسألة تتعلق بالنتيجة فقط، بل بالغاية والنية التي تقف وراء العمليات، وخطورة هذا الطرح بأنه يختزل مسار المقاومة الفلسطينية، التي قدمت آلافًا من خيرة أبنائها في مواجهة مشروع الاحتلال، في حسابات انتخابية إسرائيلية، بينما تظهر الوقائع التاريخية أنها كانت تتحرك في سياق صراع أوسع على الأرض والحقوق الفلسطينية، لا بوصفها طرفًا في منافسة داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
ولعل ما جرى لاحقًا مع خالد مشعل يقدم قرينة لافتة في هذا السياق؛ ففي سبتمبر/أيلول 1997، وبعد وصول نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، حاول الموساد اغتيال مشعل في عمّان في عملية وافقت عليها حكومة نتنياهو، ما يطرح سؤالًا واضحًا حول مدى انسجام فرضية أن حماس كانت تسعى أصلًا إلى إيصال نتنياهو إلى الحكم مع مسار العلاقة اللاحق بين الطرفين.
كما أن ربط عمليات عام 1996 بهدف إيصال اليمين الإسرائيلي إلى الحكم لا ينسجم، وحده، مع المسار الذي تلا الانتخابات. ففوز بنيامين نتنياهو عام 1996 لم يوقف المفاوضات، بل واصلت السلطة المسار التفاوضي مع حكومته، وصولًا إلى توقيع بروتوكول الخليل عام 1997، ثم اتفاق واي ريفر عام 1998. وفي انتخابات 1999 خسر نتنياهو أمام إيهود باراك، الذي استؤنفت في عهده المفاوضات مع ياسر عرفات، وصولًا إلى قمة كامب ديفيد عام 2000، التي انتهت دون اتفاق، ثم دخل المسار السياسي مرحلة الانهيار مع تصاعد المواجهات واندلاع انتفاضة الأقصى.
ولا شك أن الخلاف حول أوسلو كان عميقًا؛ فقد عارضت حماس والجهاد وفصائل أخرى الاتفاق، بينما تبنته قيادة منظمة التحرير وفتح باعتباره طريقًا إلى الدولة. لكن تحويل معارضة أوسلو إلى دليل على أن عمليات المقاومة صُممت لإيصال اليمين الإسرائيلي إلى الحكم فيه قصور كبير، والأهم أن التجربة اللاحقة نفسها تجعل تحميل المقاومة مسؤولية انهيار مسار أوسلو تزويرًا للتاريخ.
فالرئيس الشهيد ياسر عرفات، الذي وقّع اتفاق أوسلو وقاد الرهان الفلسطيني على التسوية، وصل بعد سنوات من المفاوضات إلى مأزق كامب ديفيد عام 2000 من دون اتفاق نهائي على القدس والحدود واللاجئين والاستيطان.
ثم دخل الفلسطينيون بعد ذلك مرحلة الانتفاضة الثانية، وأصبحت حركة فتح نفسها وكتائب شهداء الأقصى جزءًا من المواجهة المسلحة مع إسرائيل، فيما توجد شهادات فلسطينية متعددة تقول إن عرفات دعم أو شجع العودة إلى المواجهة بعد تعثر المسار السياسي، مع بقاء الجدل التاريخي قائمًا حول مدى دوره المباشر في إطلاق الانتفاضة.
وهنا يبرز سؤال منطقي: هل يصح القول إن الشهيد أبو عمار عمل على إسقاط أوسلو؟ بالطبع لا تكفي النتيجة اللاحقة لإثبات مثل هذا القصد السابق. وبالمنطق نفسه، لا يكفي أن عمليات 1996 أضعفت بيريس لإثبات أنها خُططت أصلًا لهذا الغرض. بل إن تجربة عرفات تقدم درسًا سياسيًا مهمًا: فمسار أوسلو اصطدم بجملة من العوامل، في مقدمتها استمرار الاحتلال والاستيطان، وتأجيل قضايا الحل النهائي، وعدم التوصل إلى تسوية في القدس واللاجئين والحدود، وغيرها.
شهادة معتقل.. هل تكفي؟
ويستند جانب أساسي من رواية الرجوب إلى شهادة نقلها عن معتقل فلسطيني، ويقدمها بوصفها دليلًا حاسمًا، من دون التوقف بما يكفي عند السياق الذي أُخذت فيه الشهادة، أو ظروف الإدلاء بها، أو مدى سلامة الاعتراف المنسوب إلى صاحبها إن صح أصلًا. والرجوب، بحكم موقعه الأمني وخبرته في تلك المرحلة، يدرك أن أي معلومة تُنتزع تحت الضغط أو التهديد أو التعذيب لا يمكن التعامل معها بوصفها حقيقة نهائية من دون التحقق من ظروف الحصول عليها ومقارنتها بأدلة مستقلة. والأسئلة هنا واضحة: متى أُخذ الاعتراف؟ وفي أي ظروف؟ وما موقع صاحبها التنظيمي؟ وهل كان في موقع يسمح له أصلًا بمعرفة قرار منسوب مباشرة إلى خالد مشعل؟ وهل تؤيد روايته وثائق أو شهادات مستقلة؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى البيئة الأمنية التي أحاطت بتلك الأحداث؛ ففي مارس/آذار 1996 تحدثت منظمة العفو الدولية عن اعتقال نحو 700 شخص يُشتبه في تأييدهم حماس أو الجهاد الإسلامي بعد العمليات، فيما وثقت هيومن رايتس ووتش تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة أثناء التحقيق مع معتقلين سياسيين وأمنيين لدى أجهزة السلطة، ولا سيما في أعقاب عمليات فبراير/شباط ومارس/آذار. وكان الرجوب في تلك الفترة مسؤولًا عن جهاز الأمن الوقائي، وقد واجهت الأجهزة التي كان يقودها اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة وملاحقة وتسليم مقاومين فلسطينيين. ومن ثم، فإن هذه الخلفية لا يجوز إغفالها عند تقييم إفادة شخص خلال التحقيق والاعتقال من تلك المرحلة، خصوصًا أن الرجوب نفسه كان معتقلًا سابقًا في السجون الإسرائيلية، ويعرف بحكم تجربته أن ظروف الاعتقال والتحقيق يمكن أن تؤثر في مضمون الأقوال ومدى إمكان الاعتماد عليها.
توقيت يعاكس مسار الحوار
ويُعتبر الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، أحد الوجوه التي شاركت لسنوات في اتصالات المصالحة والحوار مع حماس، كما أن خطابه السياسي خلال الأسابيع الأخيرة قام على الدعوة إلى التوافق الوطني والحوار بين الفصائل. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أعلن أنه التقى في تركيا قيادة من حماس، وقال إن ما سمعه منها يمكن أن يشكل أرضية لبناء آليات “تحمي المشروع الوطني”، داعيًا إلى حوار وطني شامل. وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول، أكد في حديث للتلفزيون العربي أنه “لا انتخابات بلا توافق وطني”، وأن تحديد موعدها ينبغي أن يكون ثمرة حوار شامل بين الفصائل. وبعد صدور قرار تأجيل الانتخابات، عاد في 18 أكتوبر/تشرين الأول ليؤكد أن فتح تعمل لإجرائها في أقرب وقت ممكن “بالتوافق مع مختلف القوى الفلسطينية”. ولذلك، كيف يمكن قراءة الاتهام الذي يوجهه اليوم إلى قيادة حماس في ضوء هذا المسار الطويل من الحوار والدعوة إلى التوافق؟
وتزداد حساسية التوقيت إذا نظرنا إلى الواقع الذي تتحرك فيه المقاومة الفلسطينية اليوم، ولا سيما في الضفة الغربية، حيث لا يمكن فصل كثير من العمليات عن سياقين متداخلين: الجرائم والاعتداءات الإسرائيلية التي تشكل أحد دوافع الفعل المقاوم، والفرص الميدانية التي تتيح للمقاوم تنفيذ العملية. وتكشف المعطيات حجم هذا السياق؛ فحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، وُثّق 5,561 اعتداءً للمستوطنين في الضفة الغربية، أسفرت عن استشهاد 29 فلسطينيًا، وفق المركز الدولي لدعم حقوق الشعب الفلسطيني. ومن ثم، فإن فهم سلوك المقاومة يحتاج إلى قراءة البيئة التي تتحرك فيها، لا إلى افتراض دوافع سياسية مجردة بمعزل عن الوقائع الميدانية.
ففي الضفة الغربية تحديدًا، تتأثر قدرة الفصائل على تنفيذ العمليات بوقائع الميدان؛ من وتيرة الاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات والاعتداءات، إلى الفرص الأمنية المتاحة لتنفيذها. وهذه قاعدة أوسع من حالة 1996 نفسها؛ إذ إن تاريخ المقاومة لا يُقرأ فقط من خلال قرارات القيادات المعلنة، وإنما أيضًا من خلال تفاعلها مع سياسات الاحتلال والوقائع الميدانية التي تدفع إلى المواجهة أو تتيح فرص تنفيذها.
ومن هنا يبدو السؤال مشروعًا ما الذي ينسجم مع هذا المسار؛ بناء مساحات الثقة بين الشركاء الفلسطينيين أم إعادة فتح ملفات خلافية عمرها ثلاثة عقود بصيغة اتهامية تمس دوافع النضال الوطني لأحد أطراف الحوار؟ فالمفترض أن الحوار الوطني ليس اجتماعات وبيانات واتفاقات مكتوبة فحسب؛ بل يحتاج إلى لغة سياسية وبيئة ثقة وإدارة مسؤولة للخلاف.
ولا يعني ذلك مطالبة فتح أو حماس بإخفاء خلافاتهما، أو كتابة تاريخ فلسطيني موحد ومصطنع. فمن حق فتح أن تقول إن عمليات 1996 أضرت بمسار سياسي كانت تراهن عليه، ومن حق الآخرين أن يناقشوا خيارات فتح واتفاق أوسلو وتجربة السلطة والتنسيق الأمني، فهذا كله خلاف سياسي مشروع، ومن الطبيعي أن تبقى حوله قراءات مختلفة. لكن شيئًا مختلفًا يحدث حين يتحول تقييم قرار أو مرحلة سياسية إلى اتهامات خطيرة تتجاوز حدود الخلاف السياسي، وتُنسب فيها إلى طرف فلسطيني نوايا دون أدلة؛ فهنا لا يعود الأمر مجرد تسجيل موقف سياسي، بل يصبح طرحًا يمكن أن يلحق ضررًا بالغًا بالمصلحة الوطنية وبصورة النضال الفلسطيني كله.
والفارق هنا مهم بين نقد المقاومة وبين نزع سياقها. فمن حق أي طرف فلسطيني أن يناقش شكل المقاومة وتوقيتها ونتائجها السياسية، لكن لا يصح أن يتحول النقاش في عملية أو مجموعة عمليات إلى إعادة تعريف المقاومة نفسها باعتبارها مجرد أداة في صراع إسرائيلي داخلي. فذلك يزيح جرائم الاحتلال التي سبقت الفعل المقاوم من مركز الرواية، ويجعل الفلسطيني مطالبًا بتفسير مقاومته أكثر مما يُطلب من الاحتلال تفسير أفعاله التي سبقتها.
ومن هنا تأتي مسؤولية ما يمكن تسميته “الدبلوماسية الوطنية”: فالمسؤول الذي يعمل مع طرف فلسطيني آخر لإنهاء الانقسام لا يُطلب منه التخلي عن روايته أو قناعاته، ولا التنازل عن حقه في نقد التجارب والقرارات السابقة، وإنما يُطلب منه أن يدرك أثر اللغة التي يستخدمها، وأن يوازن بين حقه في عرض روايته وبين المسؤولية المترتبة على موقعه في مسار الحوار. فحين يكون الهدف المعلن هو بناء التوافق والشراكة الوطنية، تصبح اللغة جزءًا من هذا المسار، وقد تهدم بعض العبارات ما تحاول اللقاءات والحوارات بناءه.
الرواية.. مسؤولية وطنية
ولعل تاريخ فتح نفسه يقدم سببًا كافيًا لهذا الحذر. ففتح لم تنشأ حركة تفاوضية، وإنما حملت مشروع الكفاح الوطني الفلسطيني لعقود، وقدمت قادة وشهداء وأسرى قبل أوسلو وبعده، ولها في الوقت نفسه تاريخ طويل من المراجعات والانتقادات التي طالت خياراتها ومساراتها ومآلاتها السياسية والوطنية في مراحل مختلفة. لكن نقد تجربتها، مهما كان حادًا، لا يمكن أن يلغي تاريخها في مواجهة الاحتلال، ولا أن يمس حقيقة أن نضالها جزء من التاريخ الأوسع للكفاح الفلسطيني؛ كما أن الاختلاف معها أو نقد خياراتها لا يبرر اختزال هذا التاريخ أو تحويل الخلاف السياسي إلى حكم على مجمل النضال الفلسطيني.
وبعد ثلاثة عقود، يحتاج الفلسطينيون بالفعل إلى قراءة نقدية لتجربتهم الوطنية. لكن مراجعة التاريخ ينبغي أن تساعد على فهمه واستخلاص دروسه، لا أن تعيد إنتاج خصوماته. فمن حق الجميع نقد الحركتين ومراجعة قراراتهما ومساءلة الأخطاء التي ارتكبتاها، لكن بناء ذاكرة وطنية مشتركة يقتضي التفريق بين نقد القرار والطعن في الدافع الوطني.
كما أن بناء هذه الذاكرة المشتركة لا يعني تبرئة أي فصيل من أخطائه، وإنما يعني وضع كل فعل في سياقه التاريخي الكامل: ماذا فعل الاحتلال، وماذا فعلت الفصائل، وما الذي دفع إلى المواجهة، وما الخيارات السياسية التي كانت مطروحة آنذاك، وما النتائج التي ترتبت عليها. وبغير هذا السياق، يمكن أن تتحول مراجعة التاريخ إلى إعادة ترتيب للوقائع بما يخدم خصومة سياسية راهنة بدل أن تساعد على فهم الماضي.
وحقيقة فإن المصادر المعاصرة لتلك المرحلة توثق أن عمليات 1996 جاءت بعد اغتيال يحيى عياش، وأن حماس أعلنت آنذاك أنها جاءت ردًا على اغتياله، أما الانتقال من ذلك إلى الجزم بأن خالد مشعل وجّه العمليات بهدف إسقاط بيريس وإيصال اليمين الإسرائيلي إلى الحكم، فهو ادعاء نفتْه حماس في بيانها، وقالت إنه “لا أساس له من الصحة”. ومن هنا تبرز المسؤولية الوطنية للواء الرجوب: فإما أن يراجع أقواله ويسحبها ويعتذر عنها، وإما أن يقدم الدليل الكافي على هذا الاتهام أمام لجنة وطنية مستقلة. فالمسألة هنا ليست دفاعًا عن طرف ضد آخر، وإنما تتصل بقاعدة أساسية في قراءة التاريخ، وبمسؤولية التعامل مع قضايا تمس الذاكرة الوطنية والحاضر الفلسطيني.

