عملية حلميش وما وراء الرصاص: ضفة على صفيح ساخن وحسابات إسرائيلية متصاعدة

عملية حلميش وما وراء الرصاص: ضفة على صفيح ساخن وحسابات إسرائيلية متصاعدة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تنتهِ عملية إطلاق النار قرب مستوطنة “حلميش” شمال غربي رام الله، يوم الأحد، عند حدود مقتل إسرائيلي واعتقال منفذها الفلسطيني مصابًا، بل تحولت خلال ساعات إلى حدث أوسع امتدت تداعياته من موقع العملية إلى رام الله وبدّو ومداخل عدد من البلدات والطرق في الضفة الغربية، بالتوازي مع دعوات إسرائيلية لتشديد العقوبات، وصلت إلى المطالبة بإعدام منفذ العملية.

وبقدر ما أعادت العملية النقاش حول قدرة المنظومة الأمنية الإسرائيلية على منع العمليات، فإنها فتحت أيضًا أسئلة أوسع بشأن اتجاهات المشهد في الضفة الغربية: هل نحن أمام عمليات منفردة متفرقة، أم أن جغرافيا التوتر آخذة في الاتساع؟ وهل تتحول الإجراءات الإسرائيلية من الرد الأمني إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في الضفة؟

من شمال الضفة إلى قلبها

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد أن أهمية العملية تتجاوز نتائجها المباشرة، بالنظر إلى وقوعها في نطاق لواء بنيامين، ضمن المنطقة الوسطى من الضفة الغربية، معتبرًا أن ذلك يحمل دلالة على انتقال العمليات من مناطق الشمال إلى وسط الضفة.

وأضاف أبو زيد أن الإجراءات الإسرائيلية اللاحقة تندرج، وفق قراءته، ضمن مسار أوسع يقوم على تقطيع الأوصال الجغرافية وتعزيز السيطرة على المناطق المصنفة “ج”، وهي مناطق تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

وتتضح هذه القراءة من الإجراءات التي أعقبت العملية، إذ أغلقت قوات الاحتلال طرقًا ومداخل في محيط رام الله، ووسعت انتشارها في عدد من المناطق، فيما امتدت الملاحقة إلى مستشفى في رام الله وبلدة بدّو شمال غربي القدس.

وبذلك، لا تبدو العملية في نظر محللين مجرد واقعة أمنية معزولة، وإنما حدثًا كشف مجددًا هشاشة الوضع الميداني في منطقة تخضع أصلًا لانتشار عسكري وحواجز وإجراءات أمنية مكثفة.

ثغرة أمنية رغم الانتشار

وفي السياق ذاته، يرى المحلل السياسي رائد النعيرات أن العملية كسرت افتراض حصر العمليات في شمال الضفة، مشيرًا إلى أنها وقعت في محيط رام الله رغم الانتشار العسكري الإسرائيلي الواسع.

وأضاف النعيرات أن هذه التطورات تفتح النقاش حول مدى قدرة الإجراءات الأمنية الإسرائيلية على احتواء الظاهرة، خصوصًا إذا استمرت العمليات بالظهور في مناطق جغرافية مختلفة.

لكن هذه القراءة لا تعني بالضرورة وجود تحول تنظيمي شامل؛ فحتى الآن لا تكفي عملية واحدة لإثبات انتقال الضفة إلى نمط جديد من العمل المسلح، كما أن عدم وجود إعلان مسؤولية مباشر عن العملية يجعل تحديد طبيعتها التنظيمية أمرًا غير محسوم.

من الرد الأمني إلى إعادة تشكيل الجغرافيا

ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية فادي الشرفا أن الإجراءات الإسرائيلية في أعقاب العملية تتجاوز، في تقديره، فكرة الرد الأمني المباشر، وتأتي ضمن مسار أوسع للسيطرة على الضفة الغربية.

وأوضح الشرفا أن هذا المسار يتحرك عبر ثلاثة مستويات: السيطرة على الجغرافيا من خلال الطرق وقطع التواصل بين المناطق الفلسطينية، والسيطرة الإدارية، إلى جانب تشديد السيطرة الأمنية عبر الجيش والمستوطنين.

وأضاف أن الدعوات الإسرائيلية إلى إعدام منفذ العملية تمثل جانبًا آخر من هذا التصعيد، خصوصًا مع مطالبة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتطبيق عقوبة الإعدام بحق المنفذ.

وهنا تتقاطع الإجراءات العسكرية مع الخطاب السياسي؛ فنتنياهو أعلن عقب العملية توجيه تعليمات للجيش والأجهزة الأمنية بتعزيز العمليات والاعتقالات في الضفة الغربية، بينما تصاعدت المطالبات الإسرائيلية باتخاذ إجراءات أكثر تشددًا.

نتنياهو والانتخابات.. الأمن في قلب الحسابات السياسية

وفي قراءة للسياق السياسي الإسرائيلي، يرى وليد العمري، مدير مكتب الجزيرة في فلسطين، أن بنيامين نتنياهو يوظف العملية سياسيًا في ظل اقتراب الانتخابات، ويحاول الظهور أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره المسؤول عن أمن الإسرائيليين والمستوطنين.

وأضاف العمري أن العملية وقعت في منطقة تشهد أصلًا انتشارًا عسكريًا واستيطانيًا كثيفًا، وبالتالي فإن الحديث عن إجراءات أمنية جديدة لا يأتي في فراغ، بل فوق واقع أمني قائم أصلًا.

ويرى العمري أن إغلاق مداخل رام الله واقتحام عدد من البلدات يمكن أن يفتح المجال أمام مزيد من القيود على حركة الفلسطينيين، فيما قد تؤدي العملية، وفق تقديره، إلى دفع إضافي باتجاه توسيع التجمعات الاستيطانية أو إقامة بؤر جديدة قرب موقعها.

وهذه القراءة تجعل العملية حاضرة في مستويين متوازيين: مستوى أمني يتعلق بمنع الهجمات وملاحقة منفذيها، ومستوى سياسي داخلي يرتبط بكيفية توظيف الملف الأمني في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي.

بدّو.. حين تمتد العملية إلى مكان آخر

كان لافتًا أن تداعيات العملية انتقلت سريعًا إلى بلدة بدّو شمال غربي القدس، التي ينحدر منها منفذ العملية بحسب التقارير الفلسطينية والإسرائيلية.

واقتحمت قوات الاحتلال البلدة وداهمت منزل الأسير قدري سمارة، فيما حاصرت مصلين داخل أحد مساجدها، بالتزامن مع استمرار الإجراءات العسكرية في محيط رام الله.

وهنا تظهر إحدى أكثر سمات المشهد حساسية: فالعملية وقعت قرب رام الله، لكن تداعياتها الأمنية امتدت إلى قرية تبعد جغرافيًا عن موقعها، ما يعكس اتساع دائرة الإجراءات الإسرائيلية من موقع الحدث إلى الأماكن المرتبطة به اجتماعيًا وجغرافيًا.

الفصائل: العملية جزء من سياق أوسع

في المقابل، صدرت مواقف من فصائل فلسطينية باركت العملية وربطتها بالسياق العام للتطورات في القدس والضفة الغربية.

وقالت حركة حماس إن العملية جاءت، وفق توصيفها، ردًا على تصريحات بنيامين نتنياهو واقتحامات المسجد الأقصى، فيما أشادت سرايا القدس بالعملية ودعت إلى تصعيد المواجهة في الضفة والقدس، كما صدرت مواقف مؤيدة من فصائل فلسطينية أخرى.

ولا تعني هذه المواقف، من الناحية التنظيمية، إعلان مسؤولية مباشرة عن تنفيذ العملية؛ إذ إن المباركة السياسية أو الإعلامية للعملية تختلف عن تبني تنفيذها.

لكنها تكشف في المقابل أن العملية دخلت سريعًا في الخطاب السياسي للفصائل، التي قرأتها ضمن سياق أوسع يرتبط بالقدس والمسجد الأقصى والاعتداءات الإسرائيلية والاستيطان.

لا يمكن فصل العملية عن سؤال تقرير المصير

وفي قراءة قانونية وسياسية، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن أي نقاش حول المقاومة الفلسطينية لا ينبغي أن يُفصل عن السياق التاريخي والقانوني للقضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن حق الشعوب في تقرير مصيرها يمثل مبدأ أساسيًا في منظومة القانون الدولي.

وأضاف شاهين لمراسلنا أن القرارات الدولية المتعلقة بتقرير المصير، إلى جانب البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، تضع نضال الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والسيطرة الأجنبية ضمن إطار قانوني دولي، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن ذلك لا يمثل تفويضًا مفتوحًا باستخدام القوة.

وأوضح أن هناك تمييزًا بين حق الشعوب في تقرير المصير من جهة، والقواعد التي تحكم وسائل وأساليب استخدام القوة من جهة أخرى، مؤكدًا ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها حماية المدنيين والتمييز بين المدنيين والمقاتلين.

وتكتسب هذه القراءة أهمية في النقاش حول عملية حلميش تحديدًا، لأنها تنقل النقاش من مجرد سؤال: “ماذا حدث؟” إلى سؤال أوسع يتعلق بالسياق السياسي والقانوني الذي تجري فيه الأحداث، من دون إسقاط القيود التي يفرضها القانون الدولي الإنساني على جميع أطراف النزاع.

الاحتلال والاستيطان.. الجذر الأوسع للصراع

ويرى شاهين أن استمرار الاحتلال لا يمكن أن يتحول بمرور الزمن إلى وضع قانوني دائم، وأن الاستيطان لا ينشئ سيادة، فيما لا يمكن أن ينتج الاستيلاء على الأرض بالقوة حقًا إقليميًا مشروعًا.

وتتقاطع هذه القراءة مع رأي محكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024 بشأن الآثار القانونية لسياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، والذي تناول بصورة مباشرة أثر تلك السياسات في حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

ومن هذا المنظور، يرى شاهين أن المعالجة المسؤولة للقضية تقتضي الجمع بين احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين من جهة، واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال من جهة أخرى.

هل نحن أمام انتفاضة جديدة؟

ورغم التصعيد الذي أعقب العملية، يحذر عدد من المحللين من القفز مباشرة إلى استنتاجات تتحدث عن انتفاضة شاملة أو تحول استراتيجي كامل في الضفة.

ويذهب معن البياري، كاتب ومحلل سياسي، إلى أن المعطيات الحالية لا تشير بالضرورة إلى اندلاع انتفاضة منظمة شبيهة بانتفاضتي 1987 و2000، لكنه لا يستبعد استمرار العمليات الفردية والتوترات المحلية في ظل حالة الاحتقان القائمة.

وأضاف البياري أن انتقال هذه العمليات إلى موجة شعبية واسعة يحتاج إلى ظروف سياسية واجتماعية وتنظيمية مختلفة.

وفي السياق نفسه، يرى أستاذ العلوم السياسية طارق حمود أن أي حراك جديد في الضفة يمكن أن يبدأ بصورة محلية وغير مركزية، لكنه يحتاج إلى تعبئة اجتماعية وإطار سياسي قادر على احتضانه حتى يتحول إلى موجة أوسع.

وهذا يعني أن المشهد الحالي، وفق هذه القراءات، لا يسمح بالجزم بأن عملية حلميش تمثل بداية مرحلة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار عوامل التوتر التي تجعل تكرار العمليات الفردية والاحتكاكات المحلية احتمالًا قائمًا.

عملية واحدة.. وأسئلة كثيرة

في المحصلة، تبدو عملية حلميش أكبر من مجرد حادث أمني محدود، ليس بسبب حجمها العسكري، وإنما بسبب سرعة انتقال تداعياتها إلى مستويات متعددة: انتشار وإغلاقات واعتقالات واقتحامات، ثم خطاب سياسي إسرائيلي أكثر تشددًا، ومواقف فلسطينية مرحبة، وقراءات من خبراء تركز على الجغرافيا والأمن والانتخابات والاستيطان.

ويجمع جزء كبير من هذه القراءات على أن الضفة الغربية لا تزال تعيش بيئة شديدة التوتر، وأن الإجراءات الأمنية الإسرائيلية لم تمنع ظهور عمليات فردية في مناطق مختلفة، في حين يرى محللون أن الردود الإسرائيلية قد تدفع باتجاه مزيد من السيطرة الجغرافية والأمنية.

لكن العملية، في الوقت ذاته، لا تكفي وحدها لإثبات وجود تحول شامل في طبيعة المقاومة أو بداية انتفاضة جديدة.

وهنا تكمن أهمية حلميش: في أنها أعادت إلى الواجهة أسئلة أكبر من العملية نفسها؛ عن مستقبل الضفة، وحدود المقاربة الأمنية، والاستيطان، والقدس، وتقرير المصير، وما إذا كان التصعيد الميداني قادرًا على إنتاج واقع سياسي جديد أم أنه سيقود إلى دورة أخرى من العمليات والاقتحامات والإغلاقات.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest