
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن أزمة الفحم في قطاع غزة مجرد نقص عابر في سلعة تستخدمها المطاعم والمحال، بل تحولت خلال أيام قليلة إلى نموذج مصغر لطبيعة اقتصاد باتت حركة السلع فيه شديدة الحساسية لأي تغيير في آليات التوريد والإدخال.
فمع تراجع الكميات المتاحة في الأسواق، قفز سعر كيلوغرام الفحم من نحو 15 إلى 20 شيكلًا قبل الأزمة، إلى قرابة 60 شيكلًا، قبل أن تبدأ بوادر انفراج مع دخول خمس شاحنات محملة بالفحم إلى القطاع.
وأعلنت مصادر رسمية وتجارية دخول خمس شاحنات فحم إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم، بعد أزمة نقص حادة انعكست بصورة مباشرة على الأسعار والأسواق المحلية.
وقال رئيس جمعية أصحاب شركات النقل الخاص في غزة، ناهض شحيبر، إن الشاحنات دخلت يوم الاثنين، مؤكدًا استمرار حركة إدخال البضائع عبر المعبر، ونفى الأنباء التي تحدثت عن إغلاق شامل للمعبر بسبب الأعياد الإسرائيلية.
فجوة في التوريد
لكن دخول الشاحنات الخمس لا يلغي الأسئلة التي فجرتها الأزمة، ولا يبدد سريعًا آثار النقص الذي شهدته الأسواق خلال الأيام الماضية.
وكشف مصدر تجاري أن الارتفاع لم يكن نتيجة إغلاق المعبر، وإنما ارتبط بمرحلة انتقالية جرى خلالها تغيير الجهة التجارية المسؤولة عن تنسيق إدخال الفحم، وهو ما أحدث فجوة مؤقتة في التوريد ونقصًا في الكميات المتاحة.
وبحسب المصدر، فإن استئناف التوريد يتبعه إدخال دفعات إضافية تباعًا، بما قد يساعد على سد العجز واستعادة قدر من الاستقرار في الأسعار.
وخلال فترة النقص، انضم الفحم إلى قائمة طويلة من السلع التي بات توفرها في غزة غير مستقر، في وقت يعاني فيه القطاع أصلًا من أزمة متفاقمة في مصادر الطاقة.
ووفق ما أوردته مصادر محلية، تحدث أصحاب مطاعم عن اختفاء الفحم من الأسواق وتآكل المخزون، وسط روايات متباينة حول أسباب الأزمة.
وفيما نفت الهيئة العامة للمطاعم وجود قرار بمنع إدخال الفحم بصورة نهائية، أوضحت أن المشكلة ترتبط بإجراءات وشروط جديدة تتصل بإدخال السلعة، من بينها سلامة الفحص الصحي ومطابقة المنتج لمواصفات أوروبية.
المطاعم تدفع الثمن
بالنسبة إلى قطاع المطاعم، لم يتوقف أثر الأزمة عند سعر الفحم نفسه، بل امتد إلى تكلفة الوجبات وحجم الطلب وقدرة أصحاب المنشآت على الاستمرار.
وقال باسم اللحام، مالك مطعم في مواصي خان يونس، إن ارتفاع أسعار الفحم دفع سعر كيلو الكباب لديه إلى 85 شيكلًا، بعدما كان 65 شيكلًا قبل الأزمة، مشيرًا إلى أن تراجع القدرة الشرائية للأسر، بالتزامن مع موسم المدارس وارتفاع النفقات، يجعل تمرير الزيادة إلى المستهلك أكثر صعوبة.
وأشار اللحام إلى أن بعض التجار استغلوا انقطاع التوريد لاحتكار الفحم ورفع أسعاره، محذرًا من أن استمرار الغلاء قد ينعكس على المطاعم والمشاريع التي تعتمد على الشواء بالفحم، وبالتالي على عدد العاملين فيها.
وهكذا تتحول أزمة سلعة واحدة إلى سلسلة من التداعيات تبدأ من التوريد، وتمر بالتاجر والمطعم، وتنتهي عند المستهلك الذي يجد نفسه أمام أسعار أعلى وقدرة شرائية تتراجع باستمرار.
البديل ليس حلًا مستقرًا
ومع شح الفحم، لجأ بعض أصحاب المطاعم إلى الحطب كبديل، إلا أن هذا الخيار لم يكن أكثر استقرارًا، إذ ارتفعت تكلفته أيضًا.
ووفق الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، ارتفع سعر طن الحطب من نحو 4 آلاف إلى 7 آلاف شيكل، في حين لا ينتج الطن سوى نحو 180 كيلوغرامًا من الفحم، ما يجعل الاعتماد على الإنتاج المحلي محدودًا ومكلفًا في الوقت ذاته.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح؛ فالبديل موجود، لكنه لا يستطيع سد الفجوة بسهولة، سواء بسبب كلفته أو محدودية إنتاجه.
وبالتالي، فإن أي اضطراب في وصول الفحم المستورد لا يقود فقط إلى ارتفاع سعر السلعة، وإنما يرفع تكاليف التشغيل في قطاعات كاملة تعتمد عليها، خصوصًا المطاعم والمنشآت التي تستخدم الفحم في إعداد الطعام.
أزمة الفحم.. صورة من اقتصاد هش
ويضع الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أزمة الفحم في إطار أوسع من مجرد اختفاء سلعة من الأسواق، معتبرًا أنها تكشف اختلالات عميقة في نموذج توريد السلع إلى قطاع غزة.
فحين يتوقف دخول سلعة أو تتراجع كمياتها، يظهر الأثر سريعًا في المخزون والأسعار وتكاليف الإنتاج، قبل أن ينتقل في النهاية إلى المستهلك.
وتصبح المطاعم أمام معادلة صعبة: ارتفاع تكلفة التشغيل من جهة، وضعف قدرة الزبائن على تحمل زيادات جديدة في الأسعار من جهة أخرى.
وتتأثر سوق غزة بدرجة كبيرة بالمعابر وكميات الإدخال والتصاريح والفحوص والإجراءات المفروضة على السلع، ولذلك فإن أي تغيير في مسار توريد سلعة يمكن أن يتحول خلال وقت قصير إلى نقص حاد ومضاربات واستنزاف للمخزون.
وهذا ما يجعل أزمة الفحم ذات دلالة أكبر من حجمها الفعلي؛ فهي تكشف مدى هشاشة سوق يمكن لاضطراب محدود في توريد سلعة واحدة أن يدفع أسعارها إلى ثلاثة أضعاف، وأن يربك نشاط المطاعم، ويزيد كلفة الإنتاج، ويضغط في النهاية على المستهلكين.
خمس شاحنات لا تكفي
ورغم أن دخول خمس شاحنات قد يخفف الأزمة تدريجيًا، فإن التطور نفسه يسلط الضوء على حجم الاعتماد على انتظام الإمدادات الخارجية.
وتوقع مصدر تجاري دخول دفعات إضافية من الفحم، بما يساعد على سد العجز واستقرار الأسعار، لكن التجربة الأخيرة أظهرت أن فجوة مؤقتة في التنسيق التجاري كانت كافية لإحداث اضطراب واسع في السوق.
وتأتي الأزمة في وقت يعيش فيه اقتصاد غزة أصلًا واحدة من أسوأ مراحله، إذ تشير بيانات متطابقة استنادًا إلى معطيات للبنك الدولي والأمم المتحدة “أونكتاد” والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى انكماش الناتج المحلي الحقيقي بأكثر من 84% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، فيما تراجع نصيب الفرد السنوي من الناتج المحلي إلى نحو 161 دولارًا.
وبذلك، تبدو قصة الفحم أقرب إلى مؤشر صغير على أزمة أكبر: اقتصاد فقد جزءًا كبيرًا من قدرته الإنتاجية، وأصبح شديد الاعتماد على تدفق السلع عبر نقاط محدودة، بحيث يمكن لتغيير في جهة التنسيق أو شروط الإدخال أو كمية التوريد أن ينتقل سريعًا من حلقات الاستيراد إلى التجار، ثم المطاعم، وصولًا إلى موائد المواطنين.
فالخمس شاحنات قد تخفف أزمة الفحم الآنية، لكنها لا تنهي المشكلة التي كشفتها الأزمة؛ فالمشكلة الأعمق ليست في ندرة الفحم وحده، وإنما في سوق أصبحت استقراريتها نفسها سلعة نادرة.

