
المركز الفلسطيني للإعلام
بعد عام على اتفاق التهدئة، لا تزال الاحتياجات الإنسانية في قطاع غزة أكبر بكثير من حجم الإمدادات التي تصل إلى السكان، في ظل استمرار القيود على دخول المساعدات والوقود والمستلزمات الأساسية، وتباطؤ إدخال المواد اللازمة للإيواء وإعادة تشغيل المرافق الحيوية.
وبينما ينتظر مئات آلاف الفلسطينيين تحسنًا ملموسًا في ظروف حياتهم، تكشف الأرقام عن فجوة واسعة بين احتياجات القطاع وما يدخله الاحتلال فعليًا، بما يفاقم الأزمة المعيشية ويعرقل التعافي.
فجوة واسعة بين الاحتياجات والإمدادات
وقال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن القطاع يحتاج إلى إدخال نحو 600 شاحنة يوميًا لتلبية احتياجات السكان، في حين لا يتجاوز ما يدخل فعليًا نحو 35% من الكمية المطلوبة، بما يترك عجزًا يوميًا يُقدّر بنحو 390 شاحنة.
وتعكس هذه الفجوة حجم النقص في المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والوقود ومواد الإيواء، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون ظروفًا إنسانية قاسية بعد حرب مدمرة طالت المنازل والبنية التحتية والمرافق العامة، ودفعت أعدادًا كبيرة من السكان إلى النزوح والاعتماد على المساعدات.
وأكد الثوابتة أن استمرار النقص في الإمدادات لا يقتصر تأثيره على توفير الغذاء، بل يمتد إلى مختلف جوانب الحياة، بما فيها تشغيل المستشفيات والمرافق الخدمية، وإزالة الركام، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وتأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين.
وتبرز خطورة الأزمة في أن الاحتياجات المتراكمة لا يمكن تلبيتها من خلال إدخال كميات محدودة أو متقطعة من المساعدات، بل تتطلب تدفقًا منتظمًا وكافيًا للسلع والمواد الضرورية، إلى جانب السماح بدخول المعدات والآليات اللازمة لإصلاح ما دمرته الحرب.
أبو قمر: الخلل لا يتعلق بعدد الشاحنات وحده
وقال الخبير الاقتصادي محمد أبو قمر إن أزمة الإمدادات إلى قطاع غزة لا تتعلق بعدد الشاحنات التي تدخل فحسب، بل أيضًا بطبيعة حمولاتها ونسبة المساعدات الإنسانية مقارنة بالبضائع التجارية.
وأوضح أبو قمر أن نسبة المساعدات الإنسانية، وفق تقديراته، تراجعت من نحو 70% إلى 30% من إجمالي الشاحنات، مقابل ارتفاع حصة البضائع التجارية من 30% إلى 70%، وهو ما يسلط الضوء على طبيعة الإمدادات الواصلة إلى القطاع ومدى استجابتها للاحتياجات الإنسانية المتفاقمة.
وأضاف أن هذا التحول يفاقم معاناة الأسر الفلسطينية، في ظل اتساع رقعة الفقر وتضرر مصادر الدخل وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، إذ لا يعني دخول السلع إلى الأسواق بالضرورة قدرة المواطنين على شرائها وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وأشار أبو قمر إلى أن شريحة واسعة من الأسر باتت تعتمد على المساعدات الإنسانية لتوفير احتياجاتها اليومية، الأمر الذي يجعل زيادة هذه المساعدات ضرورة ملحة، بالتوازي مع تسهيل دخول السلع الأساسية وضمان توافرها بأسعار تتناسب مع الأوضاع المعيشية للسكان.
وتكشف هذه المعطيات عن بُعدين متداخلين للأزمة؛ أولهما النقص في إجمالي الإمدادات مقارنة بالاحتياجات الفعلية للقطاع، وثانيهما طبيعة توزيع هذه الإمدادات بين المساعدات والسلع التجارية، في ظل عجز كثير من الأسر عن شراء ما تحتاج إليه حتى عندما تتوافر بعض السلع في الأسواق.
الوقود والمعدات.. عوائق أمام استعادة الخدمات
ولا تتوقف الأزمة عند نقص الغذاء، إذ يظل الوقود من أبرز الاحتياجات الضرورية لاستمرار عمل المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي ووسائل النقل والمرافق الخدمية.
كما أن تقييد إدخال المعدات وقطع الغيار يعرقل إصلاح شبكات البنية التحتية وإعادة تشغيل المنشآت المتضررة، ويجعل كثيرًا من الخدمات الأساسية عاجزة عن استعادة قدرتها على تلبية احتياجات السكان، حتى في المناطق التي تتوافر فيها إمكانات الإصلاح.
وتتضاعف التداعيات مع استمرار تضرر المساكن وانتشار الدمار، في ظل الحاجة إلى الآليات الثقيلة ومعدات إزالة الركام ومواد البناء، وهي متطلبات لا يمكن الاستغناء عنها للانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وحذّر الثوابتة من استمرار هذا الواقع، مشددًا على ضرورة فتح المعابر وإدخال المساعدات والمواد الأساسية بالكميات المطلوبة، بما يشمل مستلزمات الإيواء والاحتياجات الضرورية لفصل الشتاء، فضلًا عن المعدات اللازمة لعمل المؤسسات الخدمية والإنسانية.
المساعدات الغذائية لا تغطي حجم الاحتياج
وتكشف المؤشرات الإنسانية أن الأزمة الغذائية في القطاع ترتبط بتراجع القدرة على الوصول إلى الغذاء وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية، إلى جانب اعتماد شريحة واسعة من الأسر على المساعدات لتأمين احتياجاتها اليومية.
وأشار تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في يوليو/تموز 2026 إلى أن نحو 1.2 مليون فلسطيني، أي ما يقارب 59% من السكان المشمولين بالتقدير، واجهوا مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مرحلة الأزمة أو أسوأ منها خلال الفترة الممتدة من منتصف أبريل/نيسان إلى نهاية يونيو/حزيران 2026.
وتوقعت البيانات ارتفاع العدد إلى نحو 1.4 مليون شخص، بما يعادل 67%، خلال الفترة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2026، في مؤشر على استمرار الضغوط التي تواجه الأسر الفلسطينية في تأمين الغذاء.
ولا تكمن المشكلة في حجم المساعدات وحده؛ إذ يتداخل نقص الإمدادات مع ارتفاع الأسعار وتراجع مصادر الدخل وتضرر الأسواق ومحدودية القدرة على الحركة والوصول إلى السلع. ولذلك، فإن تحسين الوضع الغذائي يتطلب زيادة المساعدات بصورة منتظمة، وتسهيل دخول السلع التجارية، وضمان وصولها إلى مختلف مناطق القطاع بأسعار يمكن للسكان تحملها.
وفي تحديث إنساني نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أكتوبر/تشرين الأول 2026، برزت القيود اللوجستية واستمرار الاعتماد على معبر كرم أبو سالم بوصفه نقطة العبور الوحيدة العاملة أمام حركة الإمدادات التي تناولها التحديث، إلى جانب استمرار الضغوط على الأسواق وارتفاع الأسعار مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
المياه.. أزمة تتجاوز توفير الكميات
وتنعكس قيود الإمدادات والدمار الواسع بصورة مباشرة على قطاع المياه، الذي يعاني أضرارًا في شبكات التوزيع ومرافق الإنتاج، إلى جانب صعوبات تشغيلية مرتبطة بنقص الوقود وقطع الغيار والمعدات.
وتشير بيانات إنسانية إلى اعتماد نسبة كبيرة من السكان على المياه المنقولة بالصهاريج، في ظل تضرر الشبكات وصعوبة إيصال المياه بصورة منتظمة إلى عدد من المناطق. كما تتواصل المخاوف بشأن إمدادات المياه في دير البلح وخانيونس، حيث تواجه التجمعات السكانية احتياجات متزايدة في ظل النزوح والكثافة السكانية والدمار.
وتوضح هذه المعطيات أن توفير المياه لا يرتبط فقط بإدخال كميات إضافية، بل يتطلب إصلاح الآبار ومحطات الضخ وشبكات التوزيع، وتأمين الوقود وقطع الغيار، والسماح بدخول المعدات الضرورية لإعادة تشغيل المرافق المتضررة.
ويؤدي استمرار هذه العوائق إلى زيادة الأعباء اليومية على الأسر، ولا سيما النازحين الذين يضطرون إلى الاعتماد على مصادر محدودة للمياه، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى ضمان مياه آمنة ومنتظمة للحد من المخاطر الصحية والبيئية.
الإيواء والشتاء.. احتياجات مؤجلة
وفي ملف الإيواء، لا تزال أعداد كبيرة من العائلات الفلسطينية تواجه أوضاعًا قاسية نتيجة تدمير المنازل أو تضررها، واضطرارها إلى الإقامة في خيام أو أماكن غير ملائمة للسكن. وتزداد المخاوف مع حلول فصل الشتاء، في ظل الحاجة إلى الخيام والبيوت المتنقلة والأغطية والملابس ووسائل التدفئة ومستلزمات حماية المساكن المؤقتة من الأمطار والرياح.
ولا تقتصر المعالجة المطلوبة على توزيع المساعدات الطارئة، بل تشمل إدخال المواد اللازمة لإصلاح المنازل المتضررة، وتوفير المعدات التي تتيح إزالة الركام وفتح الطرق، وتسريع أعمال إعادة تأهيل البنية التحتية.
ويؤدي استمرار القيود على هذه الاحتياجات إلى إطالة أمد النزوح، وحرمان العائلات من الحد الأدنى من الاستقرار، كما يضع مزيدًا من الضغوط على المرافق الصحية والتعليمية والخدمات المحلية التي تعمل في ظروف صعبة.
فتح المعابر شرط للتعافي
ويؤكد هذا الواقع أن اتفاق التهدئة، رغم أهميته في وقف القتال، لا يكفي وحده لتغيير الظروف الإنسانية ما لم يُترجم إلى تدفق فعلي ومنتظم للمساعدات والسلع والوقود والمعدات، وإزالة العوائق التي تحول دون وصول الاحتياجات إلى السكان.
وتبرز الحاجة إلى فتح المعابر أمام حركة الإمدادات، والالتزام بإدخال نحو 600 شاحنة يوميًا وفق تقدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إلى جانب ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها في مختلف مناطق القطاع، وتوفير الوقود والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء ومعدات إزالة الركام وإصلاح البنية التحتية.
كما تتطلب معالجة الأزمة رقابة دولية فعالة على تنفيذ الالتزامات الإنسانية، بما يضمن عدم بقاء إدخال الاحتياجات الأساسية خاضعًا للقيود التي تحول دون تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وبين اتساع الاحتياجات ومحدودية الإمدادات، يبقى سكان غزة أمام أزمة تتجاوز نقص الغذاء إلى تعطل الخدمات وتفاقم أزمة السكن والمياه وصعوبة استعادة الحياة اليومية. ومن دون تدفق كافٍ ومستدام للمساعدات والسلع والمعدات، ستظل التهدئة عاجزة عن إحداث التحسن الإنساني المطلوب، وسيبقى التعافي مؤجلًا فيما تتراكم أعباء الحرب على السكان.

