
المركز الفلسطيني للإعلام
بعد سنوات من التهجير والنزوح، عاد لاجئون فلسطينيون إلى مخيم اليرموك وهم يحملون أملاً بسيطًا: أن يستعيدوا بيوتهم التي تركوها خلفهم، ولو غرفةً واحدة أو جدارًا يحمي عائلاتهم.
لكن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم أمام معضلة جديدة؛ فكلما جمعوا ما تبقى لديهم من مال، وبدأوا بترميم منازلهم المدمرة، جاءت أعمال الهدم لتزيل ما أنجزوه بأيديهم وعلى نفقتهم.
المفارقة التي يرويها سكان المخيم أن الجهات البلدية تطالبهم بالحصول على تراخيص جديدة، بينما يقول الأهالي إنهم لا يستطيعون الحصول عليها، وإن بعض العقارات التي يجري ترميمها تملك أصلًا رخص بناء قديمة، وكانت قائمة قبل الحرب والدمار.
وبين ركام المنازل والأساسات المهدمة، تتكرر حكاية واحدة: لاجئون دفعوا مدخراتهم، واستعانوا بأقاربهم في الخارج، وتحملوا تكاليف الترميم على أمل العودة، ليجدوا ما بنوه مهددًا بالهدم مجددًا.
عودة من تركيا تنتهي بهدم منزله
من بين هؤلاء اللاجئ الفلسطيني أمجد الأطرش، الذي عاش حصار مخيم اليرموك قبل أن يُهجّر بالحافلات إلى شمالي سوريا، حيث أمضى نحو عامين في مخيم دير بلوط، قبل أن ينتقل إلى تركيا.
وعندما عاد الأطرش إلى اليرموك لتفقد منزله، وجد العقار متضررًا بصورة كبيرة؛ فقد دُمر نصف شقة شقيقه، بينما تعرضت شقته لدمار كامل.
ويقول الأطرش لبوابة اللاجئين إن العقار يحمل ترخيصًا قديمًا يعود إلى نحو عام 1985، ويسمح ببناء طابقين وملحق، مؤكدًا أن أوراق المنزل نظامية.
وبعد أن جمع ما استطاع من المال، واستعان بمدخراته، بدأ الرجل بترميم منزله استعدادًا لإعادة زوجته وأبنائه من تركيا، قبل أن يتلقى اتصالًا يخبره بأن البلدية هدمت السقف الذي أعاد بناءه.
ويستعيد الأطرش تفاصيل اللحظة بقسوة، قائلًا إن أحد العمال طلب من ابن عمه إحضار الماء له أثناء قيامه بهدم المنزل، مضيفًا: “طوال الليل لم أنم وأنا أفكر في الأمر. شخص يهدم شقاء عمرك، وأنت تقدم له الماء والعصير”.
ولا يخفي الأطرش شعوره بأن سنوات التهجير لم تنتهِ بالنسبة إليه، متسائلًا: “هل سنبقى مهجرين من دون عودة إلى بيوتنا، أم ننسى أن هناك مكانًا اسمه مخيم اليرموك؟”.
ويوجه مناشدة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع والجهات المعنية للتدخل ووضع حد لما يصفه الأهالي بأنه عرقلة لعودتهم إلى منازلهم.
غرفة واحدة.. وهدم يتكرر ثلاث مرات
ولا تبدو حالة الأطرش استثناءً في المخيم، فأحد سكان اليرموك يروي أن بناية كانت قائمة قبل الأحداث تعرضت للقصف والتدمير، قبل أن يحاول صاحبها ترميم غرفة منها، إلا أن الغرفة هُدمت ثلاث مرات.
ويقول إن والد صاحب الغرفة وشقيقه استشهدا خلال الثورة، فيما لا تملك الأسرة المال لاستئجار منزل بديل.
ويختصر الرجل مطلب العائلات بجملة واحدة: “نحن لا نريد سوى إعادة إعمار بيوتنا. نريد قليلًا من الرحمة”.
فكثير من العائلات، بحسب شهادته، لم تكن تحاول إعادة بناء أبنية كاملة، بل ترميم غرفة أو إغلاق فتحة أو إصلاح جزء من منزل، بهدف تأمين الحد الأدنى من السكن والستر.
ويضيف: “نحن نرمم بيوتنا على نفقتنا، غرفة هنا وأخرى هناك. لا نريد من الحكومة سوى أن تساعدنا وألا تهدم ما نعيد بناءه”.
ابن من ذوي الإعاقة ينتظر العودة
وفي منزل مستأجر ببلدة يلدا المجاورة، يعيش اللاجئ الفلسطيني حسين اللوباني مع ابنه المريض ومن ذوي الإعاقة، في الطابق الرابع، بعدما تهجرت الأسرة من مخيم اليرموك.
ويقول اللوباني لبوابة اللاجئين إن ابنه لم يتمكن من مغادرة المنزل منذ ثلاث سنوات، بسبب عدم وجود شخص يستطيع حمله وإنزاله من الطابق الرابع ثم إعادته إليه.
وكانت الأسرة تملك بناءً قائمًا في اليرموك، لكنها وجدته مدمرًا عند عودتها. وبعد إزالة الركام وتنظيف الأرض، بدأت بإعادة تأسيس البناء، قبل أن تصل ورش الهدم وتزيل الأساسات الجديدة.
ويؤكد اللوباني أنه راجع البلدية قبل بدء العمل طالبًا ترخيصًا، لكنه أُبلغ، وفق روايته، بعدم وجود تراخيص بناء جديدة، وطُلب منه المضي في البناء.
ويقول: “بعدما أعدنا البناء، هدموا الأساسات، ولم يوجهونا إلى المحافظة للحصول على ترخيص، مع أن البناء كان قائمًا ومرخصًا قبل الحرب”.
وبعد أن تمكنت الأسرة بصعوبة من تأمين تكاليف البناء والاستعانة بأقاربها في الخارج، يجد اللوباني نفسه أمام سؤال أكبر من قدرته على الاحتمال: “نحن نريد تشجيع الناس على العودة، لكن كيف ستعود في ظل ما يجري؟”.
الإيجار يستنزف العائدين
وفي حالة أخرى، تعرضت بناية إحدى الأسر للهدم، قبل أن تتمكن العائلة، بالاتفاق مع متعهد، من إنشاء طابق واحد للإقامة فيه.
لكن الأسرة لا تزال تعيش في منزل مستأجر، وتدفع نحو مليون ونصف مليون ليرة سورية شهريًا، في ظل عدم وجود عمل أو دخل ثابت.
ويقول اللاجئ: “إلى أين نذهب؟ لا يمكننا البقاء بالإيجار طوال حياتنا. لا نطلب منكم مساعدتنا، لكن اتركونا نعود إلى بيوتنا”.
وبالنسبة لعائلات أنهكتها سنوات النزوح، لم يعد الإيجار مجرد عبء مالي، بل تحول إلى عائق إضافي أمام استعادة حياة مستقرة داخل المخيم.
أموال المغتربين تتحول إلى ركام
وتقول نوار سقال، من سكان مخيم اليرموك، إن عددًا كبيرًا من العائدين أنفقوا مدخراتهم على ترميم منازلهم ومحالهم بجهود شخصية، بعد أن عجزوا عن انتظار مشاريع إعادة إعمار واسعة.
وتوضح أن محال تجارية تعود لعائلتها كانت مهدمة حتى مستوى الأرض، وعندما بدأ أصحابها بإعادة رفع الأعمدة، حضرت ورش البلدية وهدمت خمسة منها.
وبعد اعتراض أصحاب العقارات، عاينت البلدية الموقع وأبلغتهم، وفق سقال، بالسماح بإعادة بناء المحال شرط عدم استكمال كامل البناء، وهو ما وافقوا عليه.
لكنهم فوجئوا لاحقًا، بحسب روايتها، بوجود توجه لهدم المحال أيضًا، رغم إبلاغهم سابقًا بإمكانية العمل استنادًا إلى الرخص القديمة.
وتقول سقال: “الرخصة القديمة مصدق عليها، ولم يتجاوز أحد حدود عقاره. الناس دفعت دم قلبها، ومن كان يملك مبلغًا بسيطًا أنفقه على إصلاح بيته، ثم يأتي من يهدم له ما بناه”.
أزمة تتجاوز الهدم إلى الحق في العودة
ولا تبدو القضية مجرد خلاف بين سكان وبلدية حول أعمال بناء، بل تكشف عن أزمة أوسع تتعلق بالمسار القانوني والإداري لإعادة إعمار مخيم اليرموك، ومصير آلاف العقارات التي تضررت أو دمرت خلال سنوات الحرب.
وكانت رابطة الحقوقيين الفلسطينيين في سوريا قد اعتبرت أن هدم مساكن أعاد أصحابها بناءها أو ترميمها، رغم امتلاكهم وثائق ملكية ورخص بناء قديمة، يفتقر إلى المبرر القانوني.
وأشارت الرابطة إلى استناد محافظة دمشق في إجراءاتها إلى المرسوم التشريعي رقم 40 لعام 2012، في وقت لا تتيح فيه الجهات المعنية للسكان الحصول على تراخيص بناء جديدة، الأمر الذي يضع العائدين أمام معادلة شديدة التعقيد: لا تراخيص جديدة، وفي الوقت نفسه لا اعتراف عملي بالرخص القديمة، وما يُرمم على نفقة أصحابه قد يصبح عرضة للهدم.
وطالبت الرابطة باعتماد رخص البناء القديمة أساسًا قانونيًا لأعمال الترميم، ووقف عمليات الهدم، وإخضاع العقارات لتقييم هندسي يحدد سلامتها الإنشائية بدل إزالتها بصورة مباشرة.
كما دعت إلى إعادة تفعيل اللجنة المحلية وبلدية مخيم اليرموك لمعالجة أوضاع الأبنية، وتعويض المتضررين، وترميم المساكن التي تعرضت للهدم على نفقة المحافظة.
وبينما يحاول لاجئو اليرموك العودة إلى المكان الذي ظل حاضرًا في ذاكرتهم طوال سنوات التهجير، يجدون أنفسهم أمام معركة جديدة لا تقل قسوة عن معركة النزوح: كيف يستعيدون بيوتهم إذا كان ما يعيدونه بأموالهم وجهدهم مهددًا بالهدم؟
في اليرموك، لا تبدو العودة مجرد فتح باب منزل مهجور؛ إنها معركة لاستعادة مكان، وبيت، وحق في الاستقرار، وسط واقع يجعل بعض العائدين يدفعون مرتين: مرة لإزالة آثار الحرب، ومرة أخرى لمواجهة هدم ما أعادوا بناءه.

