
المركز الفلسطيني للإعلام
في أسواق غزة، لم تعد معاناة الناس تتعلق فقط بتأمين ما يحتاجونه من طعام ودواء ومستلزمات يومية، بل امتدت إلى الوسيلة التي يشترون بها هذه الاحتياجات.
فالأوراق النقدية التي ظلت تدور في الأسواق طوال سنوات الحرب والنزوح تآكلت واهترأت، فيما يرفض بعض التجار والمواطنين التعامل بها، لتتحول ورقة الشيكل نفسها إلى مشكلة جديدة تضاف إلى قائمة الأعباء اليومية.
ومع استمرار شح السيولة ومنع إدخال أوراق نقدية جديدة إلى القطاع، باتت العملات المهترئة تشكل جزءاً كبيراً من النقد المتداول.
وتشير تقديرات الباحثين في الشأن الاقتصادي إلى أن أكثر من 40% من المعروض النقدي في أسواق غزة أصبح من العملات المهترئة، في حين خرجت فئة العشرة شواكل عملياً من التداول، رغم أنها كانت تمثل نحو 7% من إجمالي العملات المتداولة، ولم تُستبدل منذ عامين.
ورقة نقدية قد لا تكفي لشراء الخبز
ويواجه الغزيون واقعاً يومياً غير مألوف؛ فقد يحمل المواطن مالاً في يده، لكنه لا يستطيع استخدامه بسهولة، لأن الورقة التي بحوزته قد تكون مهترئة أو ممزقة أو مرفوضة لدى البائع.
وتزداد المشكلة مع فئة العشرين شيكلاً، التي أصبحت من أكثر الفئات تعرضاً للاهتراء، في وقت تراجعت فيه الثقة بفئة العشرة شواكل حتى خرجت فعلياً من التداول.
وفي ظل غياب الفئات الصغيرة، يصبح توفير الباقي عند شراء السلع تحدياً إضافياً، وقد تنتهي معاملات بسيطة قبل أن تبدأ بسبب عدم توفر النقد المناسب.
وبذلك، لا تتوقف أزمة النقد عند فقدان السيولة، بل تمتد إلى جودة الأوراق الموجودة أصلاً، لتجعل عملية البيع والشراء اليومية أكثر صعوبة، خصوصاً للأسر التي لا تملك بدائل للدفع النقدي.
حرب استنزفت النقد كما استنزفت كل شيء
تفاقمت أزمة السيولة في القطاع على مدى الحرب، مع استمرار منع إدخال أوراق نقدية جديدة، وتراجع قدرة النظام المصرفي على توفير النقد للمواطنين.
وتؤكد تقارير اقتصادية إن أزمة السيولة بلغت مستويات شديدة، فيما اضطر الغزيون في حالات مختلفة إلى دفع عمولات مرتفعة للحصول على أموالهم نقداً من الحسابات أو الحوالات.
ومع مرور الوقت، أصبحت الأوراق النقدية القديمة هي التي تحمل العبء الأكبر من التعاملات اليومية.
تتنقل من يد إلى أخرى، ومن متجر إلى آخر، وتُعاد إلى السوق مرات متتالية، بينما لا تدخل أوراق جديدة لتعويض ما يتلف منها.
حتى عمليات إصلاح النقود المهترئة ظهرت كحل اضطراري؛ إذ لجأ بعض العاملين إلى ترميم الأوراق بالغراء والأدوات اليدوية حتى تصبح قابلة للتداول، لكن هذه الأوراق تواجه بدورها رفضاً من بعض التجار والمواطنين.
عندما تصبح الفكة أزمة بحد ذاتها
لا تتوقف معاناة الغزيين عند الأوراق المهترئة، فشح الفئات الصغيرة جعل الحصول على الباقي جزءاً من الأزمة اليومية. وقد باتت بعض المعاملات البسيطة تتعطل عندما لا يستطيع البائع إعادة المبلغ المتبقي للزبون.
وتظهر المشكلة بوضوح عند شراء سلعة منخفضة الثمن ودفع ورقة نقدية من فئة أكبر؛ فغياب الفكة قد يدفع الزبون إلى التراجع عن الشراء، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى كل معاملة مهما كانت صغيرة. وأفادت تقارير عن ظهور تعاملات موازية لبيع الفكة نفسها، بما يجعل الحصول على النقد الصغير عبئاً إضافياً على المواطنين.
وزارة الاقتصاد: التداول مسؤولية مشتركة
في مواجهة هذه الأزمة، دعت وزارة الاقتصاد الوطني في غزة التجار والمواطنين إلى تعزيز التعاون في التعامل مع الأوراق النقدية المهترئة، بما يساعد على استمرار حركة البيع والشراء وتسهيل المعاملات اليومية.
وشددت الوزارة على أن التعامل مع النقد المتداول مسؤولية مشتركة بين أصحاب المحال والمواطنين، داعية إلى تجنب الممارسات التي تعرقل حركة الأسواق وتزيد الأعباء على الناس.
وفي السياق ذاته، أكدت المديرية العامة للشرطة ضرورة تداول الأوراق النقدية الصالحة للاستخدام بمختلف أنواعها، جديدة كانت أم قديمة، شريطة ألا تكون تالفة، وأعلنت أن إدارة المباحث العامة ستتابع الالتزام بذلك في مناطق القطاع، مع اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.
ودعت الشرطة المواطنين إلى الإبلاغ عن حالات الرفض عبر الرقم المجاني للعمليات المركزية 109 أو من خلال أقرب مركز شرطة.
المواطن بين ورقة مهترئة وسوق بلا بدائل
وتزداد وطأة الأزمة على الغزي العادي لأنه يجد نفسه محاصراً بين حاجته إلى النقد وبين واقع سوق يفتقر إلى البدائل الكافية.
فليس الجميع يمتلك حساباً بنكياً أو محفظة إلكترونية، كما أن الدفع الرقمي لا يزال غير قادر على تغطية جميع تفاصيل الحياة اليومية في القطاع.
وهكذا أصبحت النقود نفسها جزءاً من المشهد الإنساني القاسي في غزة؛ أوراق تتناقلها الأيدي حتى تتآكل، وفئات تختفي تدريجياً، وفكة نادرة، ومواطن قد يملك المال لكنه يقف عاجزاً عن استخدامه في شراء حاجاته.
وبين الركام والأسواق المكتظة ومشقة الحياة اليومية، لا يبحث الغزي فقط عن سلعة يستطيع شراءها، بل عن ورقة نقدية يقبلها البائع.
وفي اقتصاد أنهكته الحرب، أصبحت صلاحية النقود جزءاً من تفاصيل البقاء، فيما تظل الحاجة إلى استعادة دورة نقدية طبيعية واستبدال الأوراق المهترئة واحدة من أبسط الضرورات التي ينتظرها سكان القطاع.

متابعة شهاب| وزارة الاقتصاد بغزة:
ندعو التجار والمواطنين إلى تعزيز التعاون في التعامل مع الأوراق النقدية المهترئة من العملة المتداولة، بما يسهم في تسهيل حركة البيع والشراء واستمرار التعاملات التجارية اليومية.