كرة وشظية وخط أصفر.. كيف صار اللعب في غزة رحلة بين الحياة والموت؟

المركز الفلسطيني للإعلام

في منطقة لا تفصلها سوى أمتار قليلة عن «الخط الأصفر» شمال قطاع غزة، خرج الطفل مؤيد الطناني (11 عامًا) للعب بالكرة أمام منزله، كما يفعل الأطفال في أي مكان.

لكن دقائق اللعب تحولت إلى لحظة مأساوية، بعدما استهدفت قوات الاحتلال منزلًا مجاورًا، فأصابته شظية في الرأس واستقرت داخل دماغه، لينقل إلى المستشفى بحالة حرجة.

كانت عائلة مؤيد تعتقد أن بقاءه أمام المنزل أكثر أمانًا من الابتعاد عنه، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي تحيط بالمنطقة. لكن الاستهداف الذي طال المنزل المجاور وصل أثره إلى الطفل الذي كان يلعب في المكان.

وبحسب والدته صابرين الطناني، فإن ابنها كان قد طلب من خاله أمين أن يحضر له كرة للعب، وبعد وصولها خرج مع عدد من أطفال الحي. وبعد وقت قصير، دوّى صوت الاستهداف، قبل أن تجد الأم ابنها مصابًا وتنقله إلى المستشفى.

وأظهرت الفحوص الطبية وجود شظية اخترقت رأس مؤيد واستقرت داخل دماغه، ما استدعى إدخاله إلى المستشفى تمهيدًا لإجراء عملية جراحية لإخراجها.

تقول والدته إن حالة ابنها ما زالت خطيرة، وإنه يفقد الوعي ويستعيده لفترات قصيرة، بينما تنتظر العائلة إجراء العملية وسط ظروف صحية وإنسانية بالغة الصعوبة.

عائلة تعيش على حافة الخطر

لا تعيش عائلة الطناني في ظروف طبيعية منذ بداية الحرب. فقد تعرض منزلها للقصف قبل نحو أربعة أشهر، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة من أفراد العائلة وتدمير المنزل.

وبعد تدمير منزلها، اضطرت العائلة إلى الانتقال إلى منزل آخر في محيط مستشفى كمال عدوان، إلا أن المنزل الجديد نفسه يقع في منطقة قريبة من «الخط الأصفر»، ويحتاج إلى أعمال ترميم، وفق العائلة.

وتقول صابرين إن الأسرة لا تملك خيارًا حقيقيًا للابتعاد عن المنطقة، في ظل عدم توفر مكان آخر يمكنها الانتقال إليه، مضيفة أن الخروج من المنزل أو الابتعاد عنه لا يعني بالضرورة الوصول إلى منطقة أكثر أمانًا.

وبالنسبة إلى مؤيد وأطفال الحي، كان اللعب أمام المنزل واحدًا من الخيارات القليلة المتاحة لقضاء الوقت، بعدما دمرت الحرب كثيرًا من المساحات التي اعتاد الأطفال استخدامها للعب.

«الخط الأصفر» يضيّق مساحة الحياة

لا يقتصر تأثير «الخط الأصفر» على الحركة والتنقل، بل يفرض واقعًا جديدًا على السكان المقيمين في المناطق المحاذية له، حيث يعيشون في حالة مستمرة من القلق بسبب القصف وإطلاق النار.

ووفق تقارير، يمتد الخط شرق شارع صلاح الدين، ويشكل حدًا ميدانيًا يفصل المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال عن بقية مناطق القطاع، فيما تمتد المناطق الواقعة خلفه بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات.

وبالنسبة للسكان، لا يمثل هذا الخط مجرد حد جغرافي؛ فالمناطق المحيطة به أصبحت مرتبطة بالخوف من الاستهداف، ما يجعل الأنشطة اليومية، بما فيها خروج الأطفال للعب، محفوفة بالمخاطر.

وتأتي إصابة مؤيد لتسلط الضوء على جانب غالبًا ما يختفي خلف أرقام الضحايا، وهو تأثير استمرار الخطر العسكري على تفاصيل الحياة اليومية للأطفال.

اللعب.. مساحة اختفت من حياة الأطفال

قبل الحرب، كان خروج الأطفال إلى الشوارع والساحات للعب أمرًا طبيعيًا. أما اليوم، فقد تغيرت هذه الحياة بصورة كبيرة نتيجة الدمار والنزوح وتقلص المساحات الآمنة.

فالأطفال الذين فقدوا منازلهم أو نزحوا منها يعيشون في بيئات مكتظة، فيما تحولت مساحات أخرى إلى مناطق للركام أو الإيواء، بينما تفرض المناطق القريبة من خطوط التماس قيودًا ومخاطر إضافية.

وفي هذه الظروف، يصبح اللعب نشاطًا صعبًا لا يمكن ممارسته بصورة طبيعية، خصوصًا في المناطق القريبة من «الخط الأصفر».

قصة مؤيد تكشف هذه المفارقة بوضوح: طفل خرج للعب بالكرة أمام منزله، في مكان يفترض أن يكون مألوفًا وآمنًا نسبيًا، لكنه انتهى في المستشفى مصابًا بشظية في دماغه.

ضحايا رغم وقف إطلاق النار

وتأتي إصابة مؤيد ضمن واقع أوسع من استمرار سقوط الضحايا في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار.

وبحسب الأرقام الموثقة، استشهد 1303 فلسطينيين، بينهم 300 طفل، منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، نتيجة استمرار الهجمات الإسرائيلية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن وقف إطلاق النار لم ينهِ الخطر الذي يواجهه المدنيون في مناطق مختلفة من القطاع، ولا سيما السكان القريبين من المناطق التي تشهد عمليات عسكرية وإطلاق نار.

وفي هذه المناطق، لا يستطيع السكان فصل حياتهم اليومية عن الواقع العسكري المحيط بهم؛ فالبيت ليس بالضرورة مكانًا آمنًا، والطريق قد يكون خطرًا، وحتى مساحة اللعب أمام المنزل يمكن أن تتحول إلى موقع إصابة.

مؤيد ليس وحده

قصة مؤيد لا تتعلق بطفل واحد فقط، وإنما تعكس واقعًا يعيشه أطفال كثيرون في قطاع غزة، حيث تراجعت المساحات الآمنة التي يمكنهم فيها ممارسة حياتهم الطبيعية.

فالطفل الذي اعتاد أن يخرج إلى الشارع للعب، بات يحتاج اليوم إلى حساب المسافة من مناطق الخطر، ومراقبة أصوات الطائرات والقصف، والعودة سريعًا إلى المنزل عند تصاعد التوتر.

وفي حالة مؤيد، لم تكن المسافة كافية لحمايته. كان يلعب أمام منزله، لكن شظية وصلت إليه من استهداف المنزل المجاور.

وبينما ترقد الشظية في رأسه بانتظار العملية، تبقى والدته أمام سؤال أكبر من إصابة ابنها: كيف يمكن للأطفال أن يعيشوا طفولتهم في مكان لم تعد فيه حتى دقائق اللعب خالية من الخوف؟

في غزة، لم تعد حماية الأطفال تعني فقط إبعادهم عن ساحات القتال، بل أصبحت تعني البحث عن مكان يمكن للطفل أن يقف فيه، ويمارس فيه أبسط تفاصيل حياته، من دون أن يتحول ذلك المكان في لحظة إلى مصدر للخطر.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest