
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
بعد نحو ثمانية عقود على قيام كيان الاحتلال على أرض فلسطين، تبدو واحدة من أبرز الأفكار التي قامت عليها التجربة الصهيونية أمام اختبار ديموغرافي غير مألوف، بلدٌ بُني جزء أساسي من مشروعه على استقدام اليهود من أنحاء العالم، بات يشهد منذ سنوات ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المغادرين إلى الخارج، بالتزامن مع تراجع أعداد العائدين.
ومع اقتراب دولة الاحتلال من عامها الثمانين في 2028، تكتسب الظاهرة بعداً رمزياً وسياسياً يتجاوز الأرقام نفسها، فالهجرة العكسية لم تعد، وفق البيانات الرسمية والنقاشات داخل المؤسسات الصهيونية، مجرد حالات فردية مرتبطة بفرص العمل أو الدراسة، بل تحولت إلى ملف ديموغرافي واقتصادي وسياسي يحظى باهتمام متزايد.
أرقام تكشف التحول
تُظهر بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، أن عدد الصهاينة الذين يُصنَّفون كمهاجرين إلى الخارج ارتفع بصورة حادة منذ عام 2022.
ووفق أحدث البيانات الرسمية المتاحة، بلغ عدد المغادرين نحو 41.4 ألفاً في 2022، ثم ارتفع إلى نحو 59.4 ألفاً في 2023، وقفز إلى نحو 82.8 ألفاً في 2024، قبل أن يبلغ نحو 69.5 ألفاً في 2025.
وفي المقابل، تراجع عدد الصهاينة العائدين من الخارج إلى نحو 18.8 ألفاً في 2024، و18.8 ألفاً تقريباً في 2025، وفق جدول دائرة الإحصاء المركزية، وبذلك ظل ميزان الهجرة سلبياً، مسجلاً نقص 50.8 ألفاً في 2025، بعد نقص 58.6 ألفاً في 2024.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المغادرين غادروا بصورة نهائية؛ فالإحصاء الإسرائيلي يعتمد تعريفاً محدداً للمهاجر، إذ يُصنَّف الإسرائيلي ضمن المهاجرين إلى الخارج عندما يمضي فترة طويلة خارج البلاد وفق المعايير الإحصائية المعتمدة، لكن الاتجاه العام يبقى لافتاً، سنوات من الخروج المرتفع ترافقت مع تراجع العائدين، وهو ما أدى إلى استنزاف واضح في ميزان الهجرة الصهيوني.
من ظاهرة محدودة إلى ملف سياسي
في يونيو/حزيران 2026، عقدت لجنتان في الكنيست جلسة مشتركة لمناقشة الزيادة في أعداد الشباب الذين يغادرون كيان الاحتلال، وعرض مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست بيانات أظهرت أن متوسط عدد المهاجرين خلال الفترة 2009–2021 كان نحو 40.5 ألف شخص سنوياً، قبل أن تبدأ الزيادة الحادة اعتباراً من 2022.
وأظهرت البيانات أن المهاجرين في السنوات الأخيرة يميلون إلى أن يكونوا أصغر سناً وأكثر تعليماً من متوسط السكان، وهو ما يمنح القضية بعداً اقتصادياً يتجاوز مجرد عدد المغادرين.
وتشير المعطيات الصهيونية أيضاً إلى أن متوسط عمر المهاجرين عام 2023 بلغ نحو 32.5 عاماً، في مؤشر إلى أن جزء مهماً من الظاهرة يرتبط بفئات شابة في سن الدراسة والعمل وتكوين الأسر.
لماذا يغادرون؟
لا توجد إجابة واحدة تفسر الظاهرة، فالدوافع، بحسب الدراسات والتغطيات الصهيونية والدولية، تتوزع بين عوامل أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية.
وتأتي الحرب الممتدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 في مقدمة التحولات التي أثرت في حسابات كثير من الصهاينة بشأن المستقبل والأمان الشخصي، ولعب الاستقطاب السياسي الداخلي، وأزمة الإصلاحات القضائية التي سبقت الحرب، دوراً في زيادة شعور قطاعات من المجتمع الصهيوني بعدم اليقين بشأن اتجاه دولتهم.
وتشير تقارير صحفية حديثة إلى أن بعض المغادرين، خصوصاً من أصحاب الكفاءات، يربطون قرارهم بمزيج من الأمن وجودة الحياة والمناخ السياسي والفرص الاقتصادية في الخارج.
وحذرت تحليلات اقتصادية من أن استمرار خروج أصحاب المهارات العالية قد يفاقم مشكلة “نزيف العقول” في قطاعات حيوية.
وفي المقابل، لا ينبغي اختزال الهجرة في العامل السياسي وحده؛ فالهجرة ظاهرة متعددة الأسباب، وتشمل عادة فرص العمل والتعليم وتكاليف المعيشة والأسرة ومستوى الخدمات، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية.
وتزداد حساسية الظاهرة عندما يتعلق الأمر بالأطباء والمهندسين والعاملين في قطاع التكنولوجيا والبحث العلمي.
فخروج هذه الفئات لا يعني خسارة عدد من السكان فحسب، بل قد يعني أيضاً انتقال جزء من رأس المال البشري والاستثماري إلى اقتصادات أخرى.
وسجلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ارتفاعا في هجرة الصهاينة إلى دول المنظمة بنسبة 9% في 2023، مع توجه نسبة مهمة منهم إلى الولايات المتحدة وألمانيا وكندا.
وفي أغسطس/آب 2026، أشارت صحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن موجة الهجرة منذ 2023 شملت أعدادا كبيرة من أصحاب المهارات، وربطت استمرارها بمجموعة من الضغوط السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
ونقلت عن دراسة لسلطة الضرائب الصهيونية أن معدل مغادرة أصحاب الدخول المرتفعة، ومن بينهم العاملون في التكنولوجيا والصحة، كان أعلى بكثير في 2023 و2024 من مستواه في 2019.
“لعنة الثمانين”.. دلالة أكثر من مصطلح إحصائي
عنوان “لعنة الثمانين” هنا ليس توصيفاً إحصائياً رسمياً، وإنما عنوان تحليلي يستند إلى المفارقة الزمنية والسياسية.
ففي 2028 ستصل دولة الاحتلال إلى الذكرى الثمانين لقيامها على أنقاض الشعب الفلسطيني وأرضه، وفي الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على صورتها كوجهة أساسية للهجرة اليهودية، تواجه في المقابل موجة خروج متواصلة.
وتزداد المفارقة وضوحاً مع تراجع الهجرة الوافدة، فقد أظهرت بيانات منشورة عام 2025 وصول نحو 22.5 ألف مهاجر جديد، بانخفاض يقارب الثلث مقارنة بعام 2024.
وبذلك تتشكل معادلة ديموغرافية أكثر تعقيداً، خروج أعداد كبيرة من المواطنين، تراجع في أعداد العائدين، وفي الوقت نفسه تباطؤ في تدفق المهاجرين الجدد.
ولهذا فإن القلق من الهجرة لم يعد محصوراً في الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل دفع مؤسسات صهيونية إلى البحث عن أدوات لإعادة المقيمين في الخارج واستقطاب أصحاب الكفاءات.
وتقدم سلطة الضرائب الصهيونية حالياً تسهيلات ضريبية للمهاجرين الجدد وللمقيمين العائدين الذين يصلون خلال الفترة المحددة في الأمر المؤقت للأعوام 2026–2030.
وأعلنت سلطات الاحتلال كذلك عن إصلاحات تستهدف قطاع التكنولوجيا وتشجيع عودة العاملين في القطاع ممن انتقلوا إلى الخارج، لكن الواضح أن الإجراءات الاقتصادية وحدها قد لا تكون كافية إذا استمرت الأسباب السياسية والأمنية والاجتماعية التي تدفع الصهاينة إلى إعادة التفكير في مستقبلهم داخل كيان الاحتلال.
الاختبار الأصعب
ومع اقتراب عام 2028، لن يكون السؤال الصهيوني مقتصراً على عدد الذين غادروا، بل على نوعية من يغادرون، ومدى قدرتها على استعادة هؤلاء، وما إذا كانت دولة الاحتلال قادرة على الحفاظ على جاذبيتها أمام جيل شاب يملك خيارات تعليمية ومهنية واسعة في الخارج.
فالرقم وحده لا يصنع أزمة ديموغرافية، لكن استمرار خروج الشباب وأصحاب الكفاءات، بالتزامن مع انخفاض معدلات العودة وتراجع الهجرة الوافدة، يمكن أن يحول الهجرة العكسية من ظاهرة قابلة للاحتواء إلى تحدٍ طويل الأمد.
وبينما تقترب دولة الاحتلال من عامها الثمانين، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً، دولة قامت على فكرة جمع اليهود في وطن واحد تواجه اليوم سؤالاً معاكسا، هل تستطيع إبقاء مواطنيها فيها، قبل أن يصبح البحث عن مستقبل خارجها خياراً متزايداً لدى جيل جديد، فهل يعني ذلك أن “لعنة الثمانين” ستجدد وتصبح واقعا تزول معه دولة الاحتلال؟

