مؤسسات الأسرى: الاختفاء القسري سياسة ممنهجة وغطاء لجرائم التعذيب والقتل  

الإخفاء القسري للأسرى الفلسطينيين

رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام

قالت مؤسسات الأسرى، إن سلطات الاحتلال تواصل، للعام الثالث تواليا، استخدام الاخفاء القسري كسياسة ممنهجة بحق آلاف المعتقلين الفلسطينيين من قطاع غزة، الذين اعتُقلوا خلال سنوات جريمة الإبادة الجماعية، ولا يزال مصير عدد كبير منهم وأماكن احتجازهم مجهولاً حتى اليوم.

وأكدت المؤسسات، في بيان لها اليوم الأحد، بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، أن استمرار الاحتلال في حجب معلومات المعتقلين لا يمثل مجرد انتهاك منفرد لحقوق المعتقلين، وإنما يشكّل منظومة متكاملة من التغييب القسري، تُستخدم لتجريد المعتقل من الحماية القانونية، وتهيئة الظروف لارتكاب التعذيب وسوء المعاملة والجرائم الطبية وغيرها من الانتهاكات، بعيداً عن الرقابة والمساءلة.

وشددت أن الاختفاء القسري محظور بشكل مطلق بموجب القانون الدولي، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف، بما في ذلك الحرب أو النزاعات المسلحة.

وقالت “مؤسسات الأسرى”، إن الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تعرفه بأنه حرمان من الحرية يتبعه رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون.

وبينت أن القانون الدولي يقر حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة ومصير ذويهم، وفي جبر الضرر والتعويض، موضحة أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنّف الاختفاء القسري، متى ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، كجريمة ضد الإنسانية.

ومنذ بدء جريمة الإبادة الجماعية على قطاع غزة، استخدمت سلطات الاحتلال أدوات قانونية وعسكرية لتثبيت هذه السياسة، من خلال احتجاز آلاف المدنيين دون ضمانات كافية، والاستناد إلى قانون “المقاتل غير الشرعي”، وإنشاء معسكرات احتجاز خاصة، إلى جانب فرض قيود واسعة على وصول المحامين واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية إلى المعتقلين.

ووفق “مؤسسات الأسرى” لا تتوفر حتى اليوم إحصائية دقيقة وشاملة لعدد الفلسطينيين المختفين قسراً في قطاع غزة، في ظل صعوبة حصر الحالات والتحقق من مصير المعتقلين والمفقودين.

وكشفت “مؤسسات الأسرى” أنها وخلال السنوات الثلاث الماضية، باشرت البحث والاستعلام عن مصير آلاف المعتقلين من قطاع غزة، فيما ردت سلطات الاحتلال بعدم وجود معلومات عن المئات من المفقودين، قبل أن تظهر لاحقاً صور لبعض هؤلاء ممن كانت سلطات الاحتلال قد نفت في وقت سابق واقعة اعتقالهم واحتجازهم، أو بعد جهود قانونية والتوجه إلى المحكمة العليا للاحتلال، التي دفعت جيش الاحتلال للاعتراف باحتجاز جثامين لمعتقلين لديها، دون تحديد تواريخ أو ظروف حول استشهادهم.

وأشارت المؤسسات في بيانها إلى حالة الشهيد الصحفي إيهاب ذياب من قطاع غزة، كواحدة من الحالات التي تابعتها المؤسسات مؤخراً، مبينة أنها على مدار الفترة الماضية، استمرت في الكشف عن مصيره، وتلقت عدة ردود تفيد بعدم توفر معلومات عنه، حتى توجهت إحدى المؤسسات الحقوقية في الأراضي المحتلة عام 1948 إلى المحكمة العليا، وتبين لاحقاً أن جثمانه محتجز لدى الجيش.

 وأعلنت المؤسسات عن مصيره لاحقاً، في 9 آب/أغسطس 2026، باستشهاده داخل سجون الاحتلال، دون تحديد تاريخ محدد لاستشهاده.

وقالت “مؤسسات الأسرى” إن تغييب المعتقل قسراً عن العالم الخارجي لا ينفصل عن منظومة الانتهاكات التي يتعرض لها داخل أماكن الاحتجاز، إذ إن غياب المعلومات والرقابة القانونية والحقوقية يوفر بيئة مواتية لارتكاب الجرائم بعيداً عن أعين العالم.

ووثقت المؤسسات، من خلال الإفادات والشهادات التي تمكنت من جمعها، أن معتقلي غزة تعرضوا لممارسات وحشية منذ لحظة اعتقالهم وخلال التحقيق ونقلهم إلى السجون والمعسكرات، وعلى رأسها التعذيب المنهجي وسوء المعاملة والجرائم الطبية، وهي ممارسات أدت إلى استشهاد العشرات من المعتقلين.

وفي هذا السياق، أنشأت سلطات الاحتلال معسكرات وأماكن احتجاز خاصة بمعتقلي غزة، من أبرزها معسكر “سديه تيمان”، إلى جانب معسكرات “عناتوت” و”عوفر” و”نفتالي”، وإعادة افتتاح قسم “ركيفت” التابع لإدارة سجون الاحتلال في سجن الرملة، وهو قسم يقع تحت سجن “الرملة”.

ولا تتوقف سياسة الإخفاء عند الأحياء، فسلطات الاحتلال تواصل احتجاز جثامين فلسطينيين من قطاع غزة، من بينهم معتقلون ارتقوا داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز، إضافة إلى استمرار احتجاز جثامين فلسطينيين آخرين في الثلاجات وفيما يُعرف بـ”مقابر الأرقام”، وفق قول “مؤسسات الأسرى”.

وعدت المؤسسات احتجاز الجثامين ورفض تسليمها للعائلات انتهاكاً لحق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، وفي استعادة جثامين أبنائهم ودفنهم بما يحفظ كرامتهم الإنسانية، وقالت إنه يثير مخاوف جدية بشأن ظروف الوفاة وأسبابها، ويعرقل إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة.

وأكدت “مؤسسات الأسرى” أن جريمة الاختفاء القسري لم تُمارس بصورة عشوائية أو بفعل تجاوزات فردية، وإنما جرى تثبيتها من خلال منظومة من الأوامر والتشريعات والممارسات العسكرية والقضائية، التي وفرت غطاءً لاحتجاز آلاف الفلسطينيين وإخفائهم.

وشددت أن المنظومة القضائية للاحتلال لعبت دوراً في ترسيخ هذه السياسة، عبر التعامل مع قانون “المقاتل غير الشرعي” كإطار لاحتجاز معتقلي غزة، في الوقت الذي رفضت فيه سلطات الاحتلال الإفصاح عن معلومات كافية حول أعداد المعتقلين وهوياتهم وأماكن احتجازهم.

وبحسب المعطيات التي أعلنتها إدارة سجون الاحتلال حتى بداية آب/أغسطس 2026، بلغ عدد من صنّفتهم ضمن فئة “المقاتلين غير الشرعيين” 1358، فيما بلغ عدد الشهداء من معتقلي غزة الذين عُرفت هوياتهم لدى المؤسسات 53 من أصل 99 شهيداً بين الأسرى والمعتقلين بعد الإبادة ممن عُرفت هوياتهم.

وقالت “مؤسسات الأسرى”، إن استمرار الاختفاء القسري بحق المعتقلين الفلسطينيين، بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة، ولا سيما في ظل استمرار حرمان العائلات من أبسط حقوقها وهو معرفة مصير أبنائها ومكان وجودهم.

ودعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة وآلياتها الحقوقية إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والخروج من مربع الصمت والإدانة الشكلية إلى إجراءات ملزمة تكشف مصير المختفين قسراً، وتضمن الوصول الدولي والمحامين إلى المعتقلين، وتفتح تحقيقات مستقلة في جرائم الاختفاء والتعذيب والقتل، وتحاسب مرتكبيها، وتلزم الاحتلال بتسليم جثامين الشهداء المحتجزة.

وشددت أن الاكتفاء بالتوثيق والبيانات بينما تستمر الجرائم يجعل من هذه المنظومة شريكاً في إدامة غياب المساءلة، مؤكدة أن وقف الاختفاء القسري وكشف مصير المعتقلين ليس مطلباً إنسانياً قابلاً للتأجيل، بل اختبار حقيقي لجدية المجتمع الدولي في إنفاذ القانون، وإنقاذ البشرية من مسار الإبادة المستمر.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest