ما وراء الركام.. القوارض تكشف تداعيات بيئية تتجاوز حدود غزة

الجرذان من غزة إلى مستوطنات الغلاف

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يعد دمار الحرب في قطاع غزة محصورًا في المباني التي سُويت بالأرض، أو الطرق التي تقطعت أوصالها، أو شبكات المياه والصرف الصحي التي خرجت عن الخدمة؛ فثمة تداعيات أقل ظهورًا بدأت تكشفها البيئة المحيطة بالقطاع، من خلال انتشار واسع للقوارض والآفات، وصل في الأشهر الأخيرة إلى مستوطنات غلاف غزة، في ظاهرة باتت تثير قلقًا إسرائيليًا متزايدًا.

وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن مستوطنات الغلاف تشهد موجة استثنائية من انتشار الفئران والجرذان، بعدما تحولت الظاهرة من مشكلة محدودة إلى أزمة طالت المنازل والحقول الزراعية والمواقع العسكرية، فيما ربط خبراء إسرائيليون تفاقمها بالدمار الهائل والركام المتراكم في قطاع غزة.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “هآرتس”، بدأت الظاهرة في مواقع عسكرية إسرائيلية محاذية للقطاع قبل أن تمتد إلى المستوطنات والمناطق الزراعية، بينما تحدث سكان مستوطنات بينها نير يتسحاك وناحل عوز عن أعداد كبيرة من القوارض، وصلت في بعض الحالات إلى إخراج نحو 100 فأر من منزل واحد خلال يومين.

ولا تتوقف الظاهرة عند حدود الإزعاج؛ إذ تحدث المستوطنون عن قضم الجرذان لكابلات الكهرباء، ودخولها إلى الجدران وإتلاف مواد العزل، ووصولها إلى غرف النوم والأسرة، فضلًا عن تسجيل حالات عضّ، بينها أطفال. كما امتدت الأضرار إلى الأراضي الزراعية، مع تقديرات بخسارة نحو 70% من بعض محاصيل الفول السوداني.

وأمام اتساع الظاهرة، وسعت سلطات الاحتلال عمليات المكافحة، بمشاركة وزارات الزراعة وحماية البيئة والصحة والجيش والسلطات المحلية، فيما ارتفع عدد صناديق الطُعم المستخدمة لمكافحة القوارض من عشرات الصناديق في السنوات السابقة إلى نحو ألف صندوق هذا العام، دون أن يلمس السكان تراجعًا واضحًا في أعدادها.

بيئة جديدة خلقتها الحرب

لكن ماذا يعني أن تتحول القوارض إلى ظاهرة واسعة في منطقة ملاصقة لقطاع غزة؟

يرى الخبير البيئي الأستاذ بالجامعة الإسلامية عبد الفتاح عبد ربه أن فهم الظاهرة يتطلب النظر إليها باعتبارها جزءًا من تغير بيئي واسع أحدثته الحرب، وليس مجرد مشكلة منفصلة ظهرت فجأة في مستوطنات الغلاف.

ويوضح عبد ربه في حديث لمراسلنا أن القوارض، وفي مقدمتها الفئران والجرذان، تتمتع بقدرة عالية على التكيف مع البيئات التي يغيرها الإنسان، ولا تحتاج إلى بيئة طبيعية مستقرة كي تتكاثر، بل تستفيد بصورة خاصة من البيئات المضطربة التي تتوافر فيها ثلاثة عناصر أساسية: الغذاء والماء والمأوى.

ويشير إلى أن هذه العناصر اجتمعت بصورة غير مسبوقة في المناطق التي تعرضت للدمار، موضحًا أن الركام المتراكم لا يمثل مجرد بقايا إسمنت وحجارة، وإنما يمكن أن يتحول إلى مساحات واسعة من الفراغات والمخابئ التي توفر للقوارض أماكن مناسبة للاختباء والتكاثر.

ويضيف أن تراكم النفايات وبقايا الطعام والمواد العضوية يوفر مصادر غذاء مستمرة، في حين يمكن أن تؤدي المياه الراكدة وتسربات شبكات المياه والصرف الصحي إلى توفير مصادر إضافية للمياه، وهو ما يجعل البيئة المدمرة أكثر ملاءمة لاستمرار تجمعات القوارض وانتشارها.

وبذلك، وفق عبد ربه، لا يمكن النظر إلى الركام بوصفه مجرد أثر مادي للحرب، بل باعتباره أحد العناصر التي أعادت تشكيل البيئة المحلية ووفرت شروطًا جديدة لبقاء أنواع شديدة القدرة على التكيف.

غزة نفسها تعيش أزمة القوارض

والمفارقة في المشهد أن الحديث الإسرائيلي عن انتشار الجرذان في الغلاف يأتي في وقت يواجه فيه قطاع غزة نفسه أزمة واسعة من القوارض والحشرات والآفات.

فالحرب لم تدمر المباني وحدها، بل أصابت أيضًا منظومات جمع النفايات والصرف الصحي والنظافة العامة، ودمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية، وأجبرت مئات الآلاف على النزوح والعيش في مناطق مكتظة، وهي ظروف ساعدت على انتشار الآفات.

ويشير عبد ربه إلى أن الأزمة داخل غزة لا يمكن فصلها عن تراكم النفايات وتدهور خدمات الصرف الصحي والنظافة، إلى جانب النزوح والاكتظاظ والدمار الواسع، موضحًا أن هذه العوامل مجتمعة توفر بيئة مناسبة لتكاثر القوارض والحشرات.

وتؤكد المعطيات الواردة من القطاع حجم المشكلة؛ إذ أشارت الأمم المتحدة وشركاؤها إلى مخاطر صحية مرتبطة بالقوارض والآفات، في ظل صعوبات الوصول إلى مكبات النفايات، وقيود إدخال المواد اللازمة للمكافحة، والحاجة إلى استمرار إدخال المبيدات بصورة منتظمة.

وفي مايو/أيار، أطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها خطة لمكافحة القوارض والآفات في أكثر من 1700 موقع داخل قطاع غزة، ودخلت في الشهر ذاته ثلاثة أطنان من مبيدات القوارض وثلاثة آلاف لتر من المبيدات، فيما شملت عمليات المكافحة لاحقًا محيط المستشفيات ومخازن الأغذية وقنوات الصرف الصحي ومراكز الإيواء ومكبات النفايات المؤقتة.

وبحلول يوليو/تموز، كانت عمليات مكافحة الآفات قد وصلت إلى نحو 80% من أصل 3500 بؤرة جرى تحديدها في أنحاء القطاع، في مؤشر على اتساع نطاق المشكلة وتداخلها مع الحياة اليومية للسكان.

هل خرجت الجرذان من غزة؟

هنا تبرز الرواية الإسرائيلية التي تربط مباشرة بين انتشار القوارض في مستوطنات الغلاف والدمار في قطاع غزة.

ويرى عبد ربه أن هذا الربط يحتاج إلى قدر من الدقة العلمية؛ فوجود ظروف بيئية مواتية للقوارض داخل غزة أمر واضح، لكن القول إن الجرذان التي ظهرت في مستوطنات الغلاف انتقلت مباشرة من داخل القطاع يحتاج إلى إثبات ميداني.

ويوضح أن القوارض تستطيع الانتقال عبر الأراضي الزراعية والمنشآت ومواقع النفايات وشبكات الصرف والركام، كما يمكن أن تتكاثر محليًا في مناطق الغلاف نفسها إذا توافرت لها الظروف الملائمة.

ويؤكد أن إثبات وجود حركة فعلية للقوارض من قطاع غزة باتجاه المستوطنات المحيطة يحتاج إلى دراسات ميدانية متخصصة، تشمل اصطياد القوارض ومراقبة كثافتها وتحديد أنواعها، فضلًا عن دراسة أنماط انتشارها، وربما استخدام التحليل الوراثي للمقارنة بين تجمعات القوارض على جانبي المنطقة.

وعليه، فإن الأدق علميًا ليس الجزم بأن “الجرذان خرجت من غزة”، وإنما القول إن الحرب خلقت ظروفًا بيئية شديدة الملاءمة لتكاثر القوارض وانتشارها في مساحة جغرافية متصلة، بينما يبقى اتجاه حركتها الفعلية بحاجة إلى إثبات علمي.

عندما يتحول الركام إلى ملجأ

تكمن خطورة المشهد في أن الركام لا يبقى عنصرًا جامدًا في البيئة، بل يمكن أن يتحول بمرور الوقت إلى جزء من منظومة بيئية جديدة.

ويوضح عبد ربه أن الفراغات التي تخلفها الأبنية المنهارة توفر للقوارض أماكن اختباء بعيدة عن الإنسان والمفترسات، فيما تؤمن النفايات ومخلفات الطعام مصدرًا للغذاء، وتوفر المياه المتسربة أو الراكدة مصادر للشرب.

ويعني ذلك أن إزالة الركام ليست قضية عمرانية فقط، وإنما جزء من المعالجة البيئية والصحية.

فكلما بقيت الأنقاض متراكمة، واستمرت النفايات دون إدارة مناسبة، وتعطلت شبكات الصرف الصحي، وتراجعت عمليات مكافحة الآفات، ظلت البيئة أكثر قدرة على احتضان القوارض وغيرها من الكائنات التي تستفيد من اضطراب النظام البيئي.

وهنا تتحول المشكلة من أزمة مؤقتة مرتبطة بالحرب إلى خطر يمكن أن يستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية، ما لم ترافق إعادة الإعمار معالجة شاملة للبيئة التي خلفتها الحرب.

الخطر يتجاوز المنازل والحقول

ولا تكمن مشكلة القوارض في أعدادها فقط، وإنما في طبيعة الأضرار التي يمكن أن تسببها.

فالقوارض قادرة على تلويث الأغذية والمياه والأسطح، كما يمكن أن تتسبب في أضرار بالبنية التحتية من خلال قضم الأسلاك والكابلات، فضلًا عن إتلاف مواد العزل والمخازن والمحاصيل.

وفي غلاف غزة، أظهرت الشهادات الإسرائيلية أن المشكلة وصلت إلى داخل غرف النوم والمنازل، بينما سجلت تقارير إعلامية إسرائيلية ما لا يقل عن عشر حالات عضّ خلال أسابيع، بينها حادثة تعرض طفل يبلغ عامين لعضة جرذ أثناء نومه. كما بلغت الخسائر في بعض حقول الفول السوداني نحو 70% من المحصول.

لكن الوجه الأكثر قسوة للأزمة يظهر في غزة، حيث تتزامن مشكلة القوارض مع انهيار واسع في الخدمات الأساسية، ما يجعل قدرة السكان على حماية أنفسهم منها أضعف بكثير.

أزمة واحدة.. وجهان مختلفان

وبينما تمتلك مستوطنات الغلاف أجهزة ووزارات وبلديات قادرة على تخصيص الموارد لمواجهة انتشار القوارض، يخوض قطاع غزة معركة أكثر تعقيدًا؛ فمكافحة الآفات تجري في بيئة تعاني أصلًا من تدمير البنية التحتية وتراكم النفايات وتضرر شبكات الصرف الصحي والنزوح والاكتظاظ.

ويشير عبد ربه إلى أن الأزمة ينبغي ألا تُفهم باعتبارها مشكلة منفصلة على جانبي الحدود، بل باعتبارها نتيجة لاختلال بيئي واسع أصاب المنطقة بفعل الحرب.

فالقوارض لا تعرف الحدود السياسية، كما أن البيئة نفسها لا تتوقف عند خطوط الفصل؛ فالهواء والمياه والنفايات والكائنات الحية تتفاعل داخل منظومة واحدة، وإن كانت آثارها تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب مستوى الدمار وقدرة المجتمعات على الاستجابة.

ومن هنا، فإن ظهور الجرذان في الغلاف قد يكون أحد المؤشرات على أن آثار الحرب البيئية لا تنتهي عند المكان الذي وقع فيه القصف، بل يمكن أن تمتد إلى المناطق المحيطة عبر سلسلة من التغيرات في النظم البيئية.

ما بعد الحرب.. الخطر الذي لا يظهر في صور الركام

ويحذر هذا المشهد من أن كلفة الحرب البيئية قد تكون أطول عمرًا من الحرب نفسها.

فحتى إذا توقفت العمليات العسكرية، فإن الركام سيبقى، والنفايات تحتاج إلى إزالة، وشبكات الصرف الصحي تحتاج إلى إعادة تأهيل، ومصادر المياه تحتاج إلى معالجة، والأراضي الزراعية تحتاج إلى فحص وتأهيل، وبرامج مكافحة الآفات تحتاج إلى مراقبة مستمرة.

ويقول عبد ربه إن التعامل مع آثار الحرب لا ينبغي أن يقتصر على إعادة بناء المنازل والمنشآت، بل يجب أن يشمل استعادة منظومة البيئة التي تجعل الحياة الإنسانية ممكنة، بدءًا من إزالة الركام وإدارة النفايات، وصولًا إلى إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي ومراقبة الآفات والأراضي الزراعية.

وبهذا المعنى، فإن أزمة الجرذان في غلاف غزة تكشف جانبًا غير مرئي من تداعيات الحرب؛ جانبًا لا يظهر في صور الأبنية المدمرة، لكنه يتسلل إلى المنازل والحقول ومصادر الغذاء والمياه.

فما يحدث ليس مجرد “موجة فئران”، ولا مجرد مشكلة مكافحة آفات، بل علامة على بيئة أعيد تشكيلها تحت وطأة الحرب.

وإذا كان الركام هو الصورة الأكثر وضوحًا للدمار، فإن القوارض قد تكون واحدة من العلامات الأكثر دلالة على ما يحدث خلف هذه الصورة؛ إذ تكشف كيف يمكن لانهيار البنية التحتية وتراكم النفايات وتضرر الصرف الصحي والنزوح أن يعيد ترتيب شروط الحياة نفسها.

وفي النهاية، لا تكمن القصة فقط في الجرذان التي وصلت إلى مستوطنات غلاف غزة، بل في البيئة التي سمحت لها بالتكاثر والانتشار؛ وهي بيئة بدأت ملامحها تظهر في غزة، وتمتد تداعياتها إلى محيطها.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest