
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
لم تنتهِ الحرب بالنسبة لآلاف الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم في قطاع غزة؛ فالنجاة من القصف لم تكن سوى بداية رحلة أخرى، أكثر هدوءًا في مشهدها، وأطول في آثارها.
رحلة تبدأ من غرفة العمليات، ثم تمتد إلى جلسات العلاج الطبيعي، والبحث عن طرف صناعي، وانتظار السفر، ومحاولة التكيف مع جسد تغيّر إلى الأبد.
أكثر من خمسة آلاف فلسطيني فقدوا أطرافهم خلال الحرب، وفق أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، فيما يحتاج عشرات الآلاف من المصابين إلى خدمات تأهيل طويلة الأمد.
وبينما تتسع دائرة الاحتياج، لا تزال قدرة القطاع الصحي في غزة على الاستجابة محدودة، وسط نقص المعدات والمواد الطبية المتخصصة وتضرر مرافق الرعاية الصحية.
حين يصبح البتر بداية المعاناة
وتُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن نحو 43 ألف إصابة في غزة منذ بدء الحرب يمكن أن تكون قد غيّرت حياة أصحابها بصورة دائمة، بينها آلاف الإصابات الشديدة في الأطراف.
ومن بين المبتورين الذين جرى تقييم حالاتهم، كان نحو 18% من الأطفال، في مؤشر على أن الحرب لم تترك آثارها على جيل بالغ فقط، بل امتدت إلى أطفال سيحتاجون إلى الرعاية والتأهيل والأطراف الصناعية لسنوات طويلة.
وتشير المنظمة إلى أن 76% من حالات البتر التي جرى تقييمها كانت في الأطراف السفلية، فيما كان نحو ثلثها بترًا فوق الركبة؛ وهي حالات تتطلب تأهيلًا أكثر تعقيدًا وتدريبًا مستمرًا على استخدام الطرف الصناعي.
لكن الفجوة بين الحاجة والاستجابة تبدو واسعة للغاية، فمن أصل 2277 مبتورًا جرى تقييمهم بين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026، حصل 502 فقط على أطراف صناعية دائمة.
وبمعنى آخر، فإن الغالبية العظمى ممن جرى تقييمهم ظلت تنتظر استكمال طريق طويل نحو استعادة القدرة على الحركة.
محمود.. طفل ينتظر أن يمشي من جديد
من بين آلاف القصص التي تختصر هذه المأساة قصة الفتى محمود الدرة من مخيم البريج.
قبل الحرب، كان محمود لاعب كرة قدم ويمارس السباحة، وكانت الحركة جزءًا طبيعيًا من حياته. لكن إصابة خلال الحرب أفقدته ساقه، وحوّلت تفاصيل حياته اليومية إلى سلسلة من الانتظار والألم.
يقول والده جمال الدرة إن ما تبقى من ساق ابنه لا يتجاوز 12 سنتيمترًا، وإن حالته تحتاج إلى السفر للخارج من أجل تركيب طرف صناعي مناسب.
وفي حديث لمراسلنا قال والده إن محمود كان يعيش حياة مليئة بالحركة، قبل أن تتغير حياته بعد الإصابة، فيما أصبح حلمه الأساسي هو الحصول على فرصة للعلاج واستعادة قدرته على المشي.
أما محمود، فكانت أمنيته بسيطة ومباشرة: “أتمنى السفر في أقرب وقت”.
خلف هذه الجملة القصيرة تختصر معاناة آلاف المصابين الذين لا يحتاجون إلى علاج لإنقاذ حياتهم فحسب، وإنما إلى فرصة لاستعادة شيء من الحياة التي فقدوها.
ساقان مبتورتان.. وحياة داخل خيمة
وفي غزة أيضًا، يعيش محمود سكيك تجربة مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في جوهرها.
فقد سكيك ساقيه جراء القصف، وأصبح يعتمد على وسائل مساعدة للحركة، بينما ينتظر فرصة للسفر من أجل استكمال علاجه وتركيب أطراف صناعية.
وفي مادة مصورة بثت عبر مواقع التواصل، ظهر وهو يطالب بحقه في المشي، وهي مطالبة تبدو بسيطة، لكنها في واقع غزة تعني الوصول إلى العلاج، وتوفير المواد اللازمة للطرف الصناعي، وتأمين جلسات التأهيل، ثم القدرة على استخدامه في بيئة تحولت طرقها ومبانيها إلى ركام.
فحتى إذا حصل المبتور على طرف صناعي، فإن الطريق أمامه لا يصبح سهلًا بالضرورة.
طرف صناعي لا يكفي
فالطرف الصناعي ليس قطعة تُسلَّم للمصاب وينتهي الأمر المبتور يحتاج إلى تقييم طبي، وتجهيز للطرف، وتركيبه، وتدريب على استخدامه، وعلاج طبيعي، ومتابعة دورية، وقد يحتاج إلى تعديلات متكررة مع مرور الوقت، وفق طبيب العظام ياسر الزعزوع في حديث لمراسلنا.
وتزداد هذه الاحتياجات تعقيدًا لدى الأطفال؛ فالطفل الذي يفقد طرفًا في عمر مبكر سيحتاج إلى متابعة مستمرة وتغيير الطرف مع نمو جسمه.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 50 ألف إصابة مرتبطة بالحرب تحتاج إلى إعادة تأهيل طويل الأمد، في وقت تعرضت فيه منظومة التأهيل في غزة لأضرار كبيرة.
كما تشير المنظمة إلى وجود مئات المرضى على قوائم انتظار خدمات إعادة التأهيل المتخصصة، فيما يعاني القطاع نقصًا شديدًا في المتخصصين والمعدات.
ولا يتجاوز عدد اختصاصيي الأطراف الصناعية والأجهزة التقويمية العاملين في غزة ثمانية اختصاصيين، وفق بيانات المنظمة.
مواد ممنوعة.. واحتياجات تنتظر
ولا تقتصر الأزمة على نقص الكوادر الطبية، فالأطراف الصناعية تحتاج إلى مواد ومكونات متخصصة، فيما أدى تقييد إدخال العديد من المستلزمات إلى زيادة صعوبة تصنيعها وصيانتها داخل القطاع.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن معدات إعادة التأهيل واجهت صعوبات كبيرة في الوصول إلى غزة، بينما ظلت احتياجات آلاف المرضى متراكمة.
وفي المقابل، تعمل مراكز الأطراف الصناعية بما هو متاح من إمكانات، في محاولة لتقديم الخدمة للمصابين رغم النقص في المواد والمعدات.
وتظهر تقارير موثقة استمرار عمل مختصين في مراكز الأطراف الصناعية داخل غزة، في محاولة لتصنيع الأطراف وتأهيل أصحابها وسط ظروف شديدة الصعوبة.
الصليب الأحمر: آلاف الجلسات ومئات الأطراف
وفي ظل هذا الواقع، تواصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقديم خدمات التأهيل.
وخلال النصف الأول من عام 2026، قدمت اللجنة أكثر من 11 ألف جلسة علاج طبيعي، فيما حصل أكثر من 800 شخص على أطراف صناعية وأجهزة تقويمية، وحصل أكثر من 1100 شخص على كراسٍ متحركة أو وسائل مساعدة على الحركة.
لكن هذه الخدمات، رغم أهميتها، تأتي في مواجهة احتياجات تراكمت على مدى سنوات الحرب.
فعدد المبتورين لا يتوقف عند الحالات التي جرى تقييمها، كما أن إعادة التأهيل ليست عملية قصيرة يمكن إنهاؤها بتركيب طرف صناعي واحد.
أطفال يحملون الحرب في أجسادهم
ربما تكون أكثر صور هذه المأساة قسوة تلك المتعلقة بالأطفال، فنحو خُمس المبتورين الذين جرى تقييمهم كانوا أطفالًا، وفق منظمة الصحة العالمية.
وهذا يعني أن طفلًا فقد ساقه أو ذراعه لا يواجه فقط صدمة الإصابة، وإنما يدخل منذ سنواته الأولى في رحلة طويلة من العلاج والتأهيل وتغيير الأطراف الصناعية والتكيف النفسي والاجتماعي.
طفل كان يحتاج إلى مدرسة وملعب وأصدقاء، أصبح يحتاج إلى كرسي متحرك وطرف صناعي وعلاج طبيعي ومكان آمن يستطيع فيه أن يتحرك.
ومع تدمير المدارس والمنازل والطرق، تصبح الإعاقة أكثر قسوة؛ إذ تتحول البيئة المحيطة نفسها إلى عائق أمام الحركة.
معركة ما بعد النجاة
المشكلة، إذن، ليست في عدد الأطراف التي بُترت فقط، وإنما في حياة كاملة تغيرت بعد البتر.
عامل فقد ساقه قد يفقد مصدر رزقه، وطالب قد يعجز عن الوصول إلى مدرسته، ورب أسرة قد يتحول من شخص يعيل أسرته إلى شخص يحتاج إلى من يساعده على الحركة.
ولهذا فإن قضية مبتوري غزة تتجاوز كونها ملفًا طبيًا.
إنها قضية تتعلق بالحق في العلاج، والحق في الحركة، والحق في التعليم والعمل، والحق في استعادة الحد الأدنى من الاستقلالية.
وفي غزة، حيث أنقذت العمليات الجراحية حياة آلاف المصابين، تبدأ بعد إنقاذ الحياة معركة أخرى لا تقل قسوة: أن يتعلم الناجي كيف يعيش بجسد فقد جزءًا منه، وأن يجد في بيئة مدمرة ما يساعده على الوقوف من جديد.
وراء كل رقم من أرقام البتر قصة إنسان، ووراء كل طرف صناعي منتظر حياة معلقة، ووراء كل طفل فقد ساقه سنوات طويلة من العلاج والتأهيل.
وهكذا، لا تقف آثار الحرب عند حدود الدمار الذي خلّفته في المباني والشوارع، بل تمتد إلى أجساد الناجين، وتبقى محفورة فيها حتى بعد توقف القصف.
في غزة، انتهت حياة كثيرين تحت الركام، فيما يواصل آخرون حياتهم بأجساد نجت، لكنها تحمل الحرب معها في كل خطوة.

