مدارس غزة تستعيد جرسها.. لكن النازحين لم يجدوا بعدُ مكانًا آخر

مدرسة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تكن عودة آلاف الطلبة إلى مدارسهم في قطاع غزة إيذانًا بعودة العام الدراسي إلى طبيعته، فالمشهد الذي يستقبل الطلاب اليوم مختلف تمامًا عن أي بداية عام دراسي سبقت الحرب. فهناك مدارس دُمّرت، وأخرى تضررت، وثالثة ما زالت تؤوي عائلات فقدت منازلها، فيما يحاول المعلمون والطلاب استئناف التعليم وسط نقص حاد في الغرف الصفية والمستلزمات والطواقم التعليمية.

ومع دخول العام الدراسي الرابع منذ بدء الحرب، عاد نحو 541 ألف طالب وطالبة إلى العملية التعليمية، لكن العودة جاءت في بيئة تعليمية استثنائية، إذ ما تزال قضية إخلاء المدارس من النازحين واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا، في ظل غياب بدائل سكنية مناسبة لآلاف الأسر التي دُمرت منازلها.

وهنا تبدو المفارقة الأكثر قسوة: المدرسة التي يفترض أن تكون مكانًا للطفل كي يتعلم، أصبحت بالنسبة لعائلة نازحة آخر مكان يمكن أن تسميه مأوى.

مدرسة واحدة.. حكاية نزوح لا تنتهي

قبل أيام من عودة الطلاب، اضطر أسعد العوجا، البالغ من العمر 40 عامًا، إلى مغادرة الصف الذي كان يقيم فيه مع زوجته وأطفاله داخل مدرسة سليمان سلطان.

العوجا، الذي ينحدر من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، نزح إلى المدرسة بعدما قُصف منزله، واستشهد شقيقه وطفلته الرضيعة التي لم تتجاوز شهرين.

يقول إنه فوجئ بطلب إدارة المدرسة إخلاء الصف الذي أصبح مسكنًا لعائلته، بعدما أمضى فيه فترة من النزوح، موضحًا أنه لا يملك مكانًا آخر يلجأ إليه، خصوصًا أن والده بُترت قدماه جراء قصف منزل العائلة ويحتاج إلى رعاية خاصة.

وبعد مفاوضات مع إدارة المدرسة، وافق العوجا على المغادرة بعدما جرى توفير خيمة لعائلته في منطقة اليرموك وسط مدينة غزة، لكنه لا يخفي مخاوفه من فصل الشتاء، في ظل هشاشة الخيام وعدم قدرتها على توفير حماية كافية من البرد والمنخفضات.

وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، يعيش سعيد الداية، البالغ 55 عامًا، مع عائلته المكونة من تسعة أفراد داخل مدرسة إعدادية للبنات، لكنه رفض مغادرتها لأنه لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه.

يقول الداية إن أسرته نزحت أكثر من سبع مرات، وإن المدرسة أصبحت مكان إقامتها الوحيد، مضيفًا أن حق الطلاب في التعليم لا يلغي حاجة النازحين إلى مأوى، لكن المشكلة أن البيوت دُمرت ولا توجد بدائل جاهزة لاستقبالهم.

التعليم يعود من بين الركام

أمام هذا الواقع، تحاول وزارة التربية والتعليم إعادة تشغيل العملية التعليمية دون تجاهل واقع النزوح، ولذلك لا تقوم خطتها على إخلاء المدارس دفعة واحدة، وإنما على إخراج النازحين منها بصورة تدريجية، بالتوازي مع البحث عن بدائل.

ويوضح الوكيل المساعد للشؤون الطلابية في وزارة التربية والتعليم صادق الخضور أن الخطة تعتمد على الاستفادة من المراكز وبقايا المدارس التي لا يوجد فيها نازحون، إلى جانب إنشاء نقاط تعليمية في خيام بجوار المدارس.

ويقول إن المدارس الافتراضية ستبقى خلال المرحلة الأولى كإحدى الأدوات للتعامل مع عدم إمكانية الاستفادة من بعض المدارس، بالتنسيق مع مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”.

وبحسب الخضور، فإن إخراج النازحين لن يتم قبل توفير بدائل مناسبة لهم، لكن إبقاء المدارس مراكز إيواء على المدى البعيد ليس ممكنًا، الأمر الذي يجعل التوسع في النقاط التعليمية الوجاهية جزءًا من الحل التدريجي.

وتستند الخطة في نهايتها إلى استعادة التعليم الوجاهي في المدارس الحكومية ومدارس الأونروا والمدارس الخاصة، مع الإبقاء على التعليم الافتراضي لمن يتعذر عليهم الوصول إلى النقاط التعليمية، وكذلك للطلاب الغزيين الموجودين خارج القطاع، ولا سيما في مصر.

مدرسة واحدة تقوم بدور ست مدارس

غير أن أزمة التعليم لا تتوقف عند قضية النازحين.

فالحرب تركت القطاع أمام عجز هائل في المباني التعليمية، وهو ما دفع الوزارة إلى تشغيل ما لديها من مدارس بأقصى طاقة ممكنة.

وتعمل الوزارة حاليًا، وفق مصادر تحدث عنها “المركز الفلسطيني للإعلام”، بنظام التعليم السداسي، بحيث تعمل المدرسة الواحدة عبر ثلاث فترات للإناث وثلاث للذكور، لتقوم المدرسة الواحدة وظيفيًا بدور ست مدارس.

وهذا النظام يكشف حجم الفجوة بين عدد الطلبة وما تبقى من بنية تعليمية قادرة على استيعابهم.

وتشير المصادر إلى أن عدد المدارس والنقاط التعليمية سيبلغ نحو 300 مدرسة ونقطة تعليمية خلال العام الدراسي الحالي، فيما تتجه الوزارة إلى توسيع التعليم الوجاهي كلما توفرت الإمكانات.

لكن هذا التوسع يحتاج إلى أكثر من الخيام والفصول؛ فالوزارة تواجه حاجة إلى إدخال القرطاسية وماكينات التصوير وأجهزة العرض، إلى جانب إزالة مخلفات الحرب وتجهيز أماكن التعليم في المناطق التي تركز فيها السكان والنازحون.

نقص المعلمين يفتح أزمة أخرى

حتى لو توفرت الغرف الصفية، فإن العملية التعليمية تواجه مشكلة أخرى تتعلق بالكوادر.

فالحرب أدت إلى استشهاد عدد كبير من المعلمين والعاملين في قطاع التربية والتعليم، بينما أصيب آخرون بإعاقات دائمة، وغادر آخرون قطاع غزة، فضلًا عن معلمين دمرت منازلهم وأصبحوا هم أنفسهم جزءًا من أزمة النزوح.

ويشير الخضور إلى أن توفير الطواقم التعليمية يمثل تحديًا أساسيًا، إلى جانب تركز أعداد كبيرة من الطلاب في مناطق محددة، وما يفرضه ذلك من صعوبات على توزيعهم واستيعابهم.

وهناك تحدٍ آخر لا يقل خطورة: الفاقد التعليمي.

فآلاف الأطفال لم يجلسوا في مقاعد الدراسة بصورة منتظمة طوال سنوات الحرب، ما يعني أن عودة المدارس لا تعني تلقائيًا استعادة المستوى التعليمي الذي كان قائمًا قبل الحرب.

98% من مباني المدارس تضررت

وتظهر أرقام منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” حجم الضرر الذي أصاب المنظومة التعليمية في القطاع؛ إذ تضررت نحو 98% من مباني المدارس، فيما تحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل أو إعادة إعمار كاملة.

وتشير المنظمة إلى أن نحو 700 ألف طفل بين الرابعة والسابعة عشرة حُرموا من التعليم الحضوري لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما لا يحصل نحو 420 ألف طفل على أي تعليم وجاهي.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يهدد الفاقد التعليمي مستقبل نحو 626 ألف طفل في سن الدراسة في قطاع غزة، أي ما يعادل 57.4% من إجمالي الأطفال.

وهذه الأرقام تجعل أزمة التعليم أكبر من مجرد نقص في المدارس أو الكتب والمقاعد؛ فهي أزمة جيل كامل انقطع عن بيئته التعليمية الطبيعية، في وقت يحاول فيه القطاع إعادة بناء ما يمكن إنقاذه من منظومته التعليمية.

بين حق الطالب ومأوى النازح

في نهاية المطاف، تبدو معضلة مدارس غزة أكبر من قدرة وزارة التربية وحدها على حلها.

فالمدرسة التي ينبغي أن تستقبل الطالب لا تزال بالنسبة لبعض الأسر المكان الوحيد الذي يمكن أن تحتمي فيه، بينما يحتاج الطالب إلى بيئة آمنة ومستقرة كي يتعلم، ويحتاج النازح في المقابل إلى سقف يحمي أسرته.

وبين الحاجتين، تتحرك غزة نحو عام دراسي جديد بإمكانات محدودة، ومدارس مدمرة، وخيام تعليمية، ونقاط وجاهية، وتعليم افتراضي، ومعلمين فقد بعضهم حياته أو منزله أو قدرته على العمل.

لذلك فإن عودة جرس المدرسة إلى العمل لا تعني أن التعليم عاد إلى ما كان عليه قبل الحرب؛ إنها محاولة لاستعادة حق أساسي وسط أنقاض منظومة تعليمية تعرضت لأوسع عملية تعطيل وتدمير منذ سنوات، ومحاولة لإبقاء جيل كامل داخل دائرة التعليم، بعدما كادت الحرب تدفعه إلى خارجها.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest