مشمار يهودا.. مستوطنة صهيونية جديدة لتطويق القدس من الشرق

الاستيطان في القدس

القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام

تتقدم دولة الاحتلال خطوة جديدة في مشروعها الاستيطاني حول القدس المحتلة، عبر الدفع باتجاه تحويل مستوطنة “مشمار يهودا” شرقي المدينة إلى تجمع استيطاني كبير، مستفيدة من سلسلة قرارات لمصادرة الأراضي الفلسطينية وإعلانها “أراضي دولة”، في مسار يقول مختصون إنه يستهدف استكمال الطوق الاستيطاني المحيط بالقدس وقطع اتصالها الجغرافي عن محيطها الفلسطيني.

وقبل أيام، أعلنت سلطات الاحتلال مصادرة 370.28 دونماً من أراضي بلدتي أبو ديس وعرب السواحرة، شرقي القدس، في خطوة جديدة مرتبطة بمشروع “مشمار يهودا”.

ولا تبدو هذه المصادرة معزولة عن مخطط أوسع؛ ففي ديسمبر 2025، نشرت سلطات الاحتلال إعلاناً لنحو 3380 دونماً لصالح المستوطنة، ما يرفع مساحة الأراضي الجاري تخصيصها للمشروع، مع القرار الأخير، إلى نحو 3750 دونماً.

وتأتي هذه الإجراءات بعد أن أقرت حكومة الاحتلال في فبراير 2023 إقامة “مشمار يهودا”، فيما وقع ما يسمى قائد المنطقة الوسطى في فبراير 2024 أمراً يحدد نطاق نفوذ المستوطنة.

مستوطنة لسد الفجوة شرقي القدس

بحسب المختص في شؤون الاستيطان، المحامي بسام بحر، فإن الهدف من الإجراءات الأخيرة يتجاوز إقامة مستوطنة جديدة، إلى إغلاق الفراغات القائمة بين الكتل الاستيطانية شرقي القدس وتحويلها إلى كتلة عمرانية متصلة.

ويقول “بحر”، في تصريح لوكالة صفا الإخبارية، إن مصادرة الأراضي في أبو ديس والسواحرة تأتي ضمن سلسلة إجراءات تستهدف استكمال الحزام الاستيطاني في الجهة الشرقية من القدس، وربط المستوطنات القائمة بعضها ببعض، بدءاً من “كيدار” مروراً بمنطقة “E1” وصولاً إلى مناطق أخرى شرقي المدينة.

ويعني ذلك، وفق بحر، أن “مشمار يهودا” يمكن أن تؤدي وظيفة جغرافية تتجاوز حدودها المباشرة، عبر ملء إحدى آخر المساحات المفتوحة بين المستوطنات الإسرائيلية والتجمعات الفلسطينية المحيطة بالقدس.

وتكتسب المنطقة أهمية خاصة لأنها تقع في قلب المساحة التي تسعى دولة الاحتلال إلى إحكام السيطرة عليها بين القدس ومستوطنة “معاليه أدوميم”، وهي منطقة ظلت لسنوات موضع صراع بسبب موقعها وتأثير أي توسع استيطاني فيها على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.

“E1”  الحلقة الأهم

وتتصل “مشمار يهودا” بمخططات استيطانية أوسع في المنطقة، أبرزها منطقة E1، التي تقع بين القدس و”معاليه أدوميم”.

وأعلنت سلطات الاحتلال، قبل نحو أسبوعين، طرح عطاء لبناء 1200 وحدة استيطانية في منطقة E1، بالتزامن مع مخططات لتوسيع مستوطنة “كيدار” في الاتجاهين الجنوبي والشمالي.

ويحذر “بحر” من النظر إلى هذه المشاريع كل على حدة، معتبراً أنها أجزاء من مسار استيطاني واحد يهدف إلى خلق تواصل عمراني صهيوني شرقي القدس.

ويقول إن استكمال البناء في هذه المناطق سيجعل الحزام الاستيطاني أكثر اتصالاً، بما يعزز السيطرة الصهيونية على المنطقة الواقعة شرق القدس، ويحد في المقابل من قدرة الفلسطينيين على استخدام الأراضي المتبقية للتوسع العمراني.

 حزام استيطاني حول القدس

وتكشف خارطة المشاريع المتلاحقة في المنطقة عن هدف يتجاوز السيطرة على قطع منفردة من الأراضي، فمن كيدار إلى معاليه أدوميم، مروراً بـE1  والمناطق المحيطة بأبو ديس والسواحرة، تعمل سلطات الاحتلال على توسيع الكتل الاستيطانية القائمة وربطها بمشاريع جديدة، بما يؤدي تدريجياً إلى تكوين حزام عمراني صهيوني شرقي القدس.

ويرى مختصون أن الإجراءات ترتبط بمشروع “القدس الكبرى” الذي يمتد على نحو 67 ألف دونم في شرقي القدس ومحيطها، ويهدف إلى توسيع نطاق السيطرة الصهيونية وربط المدينة بالكتل الاستيطانية المحيطة بها.

والنتيجة المحتملة لهذا المسار هي تقليص المساحة المتاحة للامتداد الفلسطيني، وقطع التواصل الجغرافي بين القدس ومناطق واسعة من الضفة الغربية.

وتكمن أهمية “مشمار يهودا” في موقعها ضمن هذه الخريطة، وليس في عدد الوحدات الاستيطانية التي يمكن أن تبنى فيها فقط، فإقامة مستوطنة جديدة في هذه المنطقة، وربطها بمشاريع قائمة ومخطط لها، يعني عملياً تعزيز الوجود الاستيطاني في المنطقة التي تربط القدس بمحيطها الشرقي.

ومع اكتمال حلقات هذا الحزام، تصبح التجمعات الفلسطينية مثل أبو ديس والسواحرة والعيزرية محاصرة بمشاريع استيطانية وطرق وبنى تحتية تخدم المستوطنات، في وقت تتقلص فيه الأراضي المتاحة للنمو العمراني الفلسطيني.

وتكمن الخطورة الأوسع في أن منطقة شرق القدس تمثل نقطة التقاء جغرافية بين شمال الضفة الغربية وجنوبها؛ ولذلك فإن إقامة تواصل استيطاني إسرائيلي كثيف فيها قد يؤدي إلى تقويض التواصل الجغرافي الفلسطيني وتقسيم الضفة الغربية إلى كتل منفصلة.

ولا ينفصل هذا المسار عن التوجه الصهيوني الأوسع لتعزيز السيطرة على القدس ومحيطها، فكل مستوطنة جديدة أو توسعة لمستوطنة قائمة لا تضيف فقط وحدات سكنية إلى الخريطة، وإنما تعيد تشكيل شبكة الطرق واستخدامات الأراضي ومجالات التوسع المتاحة للفلسطينيين.

وفي حالة “مشمار يهودا”، يأتي المشروع في وقت تتسارع فيه الخطوات المتعلقة بـE1  وتوسيع “كيدار”، بما يجعل المستوطنة جزء من سلسلة متصلة من المشاريع التي تعيد رسم المنطقة الواقعة شرق القدس.

ولهذا يرى مختصون أن القضية لا تتعلق بمصادرة 370 دونماً وحدها، بل بالمسار الذي يمكن أن تقود إليه هذه المصادرة إذا أضيفت إلى آلاف الدونمات التي سبق تخصيصها للمشروع وللمستوطنات المحيطة به.

وفي المقابل، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام معادلة معاكسة، أراضٍ أقل، قيود بناء أكبر، توسع استيطاني متسارع، وتجمعات سكانية مهددة بفقدان المجال الذي تحتاج إليه للنمو.

وهكذا، لا تبدو “مشمار يهودا” في سياقها الجغرافي مجرد مستوطنة جديدة تضاف إلى قائمة المستوطنات، وإنما حلقة في مشروع لإعادة هندسة شرق القدس، مشروع يبدأ بمصادرة الأرض وتصنيفها “أراضي دولة”، ثم تحويلها إلى مجال استيطاني، وربط المستوطنات القائمة والجديدة بشبكة عمرانية واحدة.

وبينما تتحول المساحات المفتوحة حول أبو ديس والسواحرة إلى مواقع لمشاريع استيطانية متتابعة، يتقلص المجال الذي يمكن أن يبقى متصلاً جغرافياً للفلسطينيين.

وفي المحصلة، فإن المعركة على “مشمار يهودا” ليست فقط معركة على مئات الدونمات المصادرة حديثاً، بل على شكل القدس ومحيطها، وعلى ما إذا كان شرق المدينة سيبقى امتداداً جغرافياً فلسطينياً متصلاً، أم يتحول تدريجياً إلى حزام استيطاني إسرائيلي يفصل القدس عن عمق الضفة الغربية.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest