
المركز الفلسطيني للإعلام
تواجه أسواق قطاع غزة مخاوف متجددة من موجة ارتفاع في أسعار الخضار والمواد الغذائية، مع إغلاق سلطات الاحتلال معبري رفح وكرم أبو سالم بالتزامن مع موسم الأعياد اليهودية، في وقت يعاني فيه القطاع أصلًا من ارتفاع حاد في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر، بينما يعتمد بدرجة كبيرة على ما يدخل عبر كرم أبو سالم لتغطية احتياجاته من السلع والبضائع.
وأعلنت هيئة المعابر والحدود، الأحد، إغلاق معبري رفح وكرم أبو سالم أمام حركة المسافرين وإدخال البضائع، بالتزامن مع ما يسمى “الأعياد اليهودية”، وفي مقدمتها رأس السنة العبرية.
ومع امتداد موسم الأعياد لأسابيع متتالية، يخشى سكان القطاع والتجار من أن تتحول الإغلاقات المتقطعة إلى ضغط طويل على الأسواق، لا سيما أن كرم أبو سالم يمثل المعبر الوحيد العامل أمام شحنات البضائع.
شراء بالقطعة
في أسواق غزة، لم يعد ارتفاع الأسعار المشكلة الوحيدة التي تواجه الأسر، إذ باتت القدرة على شراء احتياجات عدة أيام ترفًا لا تستطيع كثير من العائلات تحمله.
ويقول الفلسطيني جميل راضي، 44 عامًا، وهو رب أسرة من خمسة أفراد، إن معظم الغزيين باتوا يشترون احتياجاتهم اليومية فقط، في ظل غلاء الأسعار وعدم القدرة على تخزين المواد الغذائية.
ويضيف: “الناس تشتري على قدر حاجتها لليوم، لأن الأسعار غالية ولا أحد يعرف ماذا سيحدث في اليوم التالي”.
ويشير راضي إلى أن الأسر في مخيمات النزوح لا تملك أصلًا أماكن مناسبة لحفظ كميات كبيرة من الطعام، فضلًا عن الحرارة الشديدة التي تتسبب في تلف كثير من المواد الغذائية والخضار سريعًا، ما يجعل شراء كميات كبيرة مخاطرة لا تستطيع الأسر تحملها.
ويقول إن الأسرة التي كانت تتوجه إلى السوق لشراء احتياجات عدة أيام، أصبحت تكتفي بما يكفيها ليومها، وفي كثير من الأحيان بكميات محدودة جدًا، تصل إلى كيلوغرام أو نصف كيلوغرام، وأحيانًا حبة أو حبتين من الصنف المطلوب.
ولا يختلف حال أمل أبو ريالة، 31 عامًا، كثيرًا، إذ تقول إن ارتفاع الأسعار أجبرها على تغيير طريقة التسوق، فأصبحت تشتري الخضار بحسب المبلغ المتوفر معها، وليس بحسب احتياجات الأسرة.
وتوضح أن الفواكه باتت من السلع التي يمكن الاستغناء عنها عندما لا يكفي المال، فيما تحاول توفير الخضار الأساسية بكميات صغيرة تكفي ليوم أو يومين.
التجار عاجزون عن التخزين
ولا يستطيع أصحاب محال الخضار والفواكه الاستعداد لفترة إغلاق المعابر عبر تخزين كميات كبيرة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة انعكست مباشرة على حركة البيع والشراء.
ويقول بائع الخضار والفواكه عصام طوحح إن التاجر نفسه لا يستطيع المجازفة بشراء كميات كبيرة من الخضار والمواد الغذائية قبل إغلاق المعابر، بسبب ارتفاع أسعار السلع وضعف حركة الشراء.
ويضيف أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى تراجع حركة السوق بصورة كبيرة، موضحًا أن البائع قد يشتري كمية كبيرة ثم يجد نفسه عاجزًا عن تصريفها قبل تلفها.
ويشير طوحح إلى أن تكلفة حفظ الخضار والبضائع مرتفعة جدًا، بسبب الحاجة إلى التبريد والطاقة والمولدات، ولذلك لا توجد قدرة حقيقية لدى التجار على تكوين مخزون كبير يمكن أن يغطي فترة إغلاق طويلة.
ويقول: “التاجر لا يستطيع أن يشتري بكميات كبيرة ويخزنها، لأن السلعة غالية أصلًا، والمواطن لا يشتري، والتخزين نفسه يكلف كثيرًا، والخضار إذا بقيت فترة طويلة تتلف”.
وبحسب طوحح، فإن أي إغلاق جديد للمعبر يضع السوق أمام معادلة صعبة؛ كميات أقل من البضائع، في وقت لا يستطيع فيه التجار تعويض النقص بمخزون كبير، بينما لا يملك المواطن المال لشراء كميات تكفيه لفترة طويلة.
تضخم يتجاوز 200%
وتظهر البيانات الأممية هشاشة الوضع الاقتصادي في غزة؛ إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن القطاع الخاص جمع 881 شاحنة تجارية دخلت إلى قطاع غزة خلال الفترة بين 31 أغسطس/آب و6 سبتمبر/أيلول، إلا أن 251 شاحنة منها، أي نحو 28%، كانت تحمل سلعًا مصنفة على أنها غير أساسية.
وبحسب المكتب الأممي، بقي التضخم في غزة عند نحو 200% فوق مستويات ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما ظلت الأسعار الأساسية مرتفعة، رغم تسجيل بعض الاستقرار النسبي خلال الفترة الأخيرة.
وحذر المكتب من أن اعتماد القطاع على كرم أبو سالم باعتباره نقطة العبور الوحيدة للبضائع يجعل الأسواق أكثر هشاشة، إذ إن أي اضطراب في تدفق الشحنات يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات على توفر السلع الأساسية في مختلف مناطق القطاع.
ويعني ذلك أن الإغلاق الحالي لا يمثل مجرد توقف مؤقت لحركة الشاحنات، بل يأتي في سوق تفتقر إلى مخزون كبير، ويعجز التجار فيها عن تحمل كلفة التخزين، بينما لا تشتري الأسر سوى ما يكفيها لفترة قصيرة.
الزراعة لا تسد الفجوة
وتتضاعف المخاوف مع ضعف الإنتاج الزراعي المحلي، بعدما فقد القطاع الزراعي قدرته على توفير الكميات التي كانت تصل إلى الأسواق قبل الحرب.
ويقول مدير السياسات والتخطيط في وزارة الزراعة بغزة، بهاء الأغا، إن الحرب دمرت مختلف مناحي الحياة والقطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها القطاع الزراعي الذي تعرض لتدمير شبه شامل.
ويشير الأغا إلى أن نحو 87.6% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة تعرضت لأضرار، إلى جانب الأضرار الواسعة التي لحقت بالتربة وآبار المياه وشبكات الري والخطوط الناقلة.
ويضيف أن قطاعات الإنتاج الحيواني والسمكي والزراعي تعرضت لأضرار تراوحت بين 85% و90%، ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة القطاع على توفير الغذاء للسكان.
وتتطابق هذه الصورة مع أحدث تقييم لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، الذي خلص إلى أن نحو 4480 دونمًا فقط من الأراضي الزراعية في قطاع غزة، أي قرابة 3% من إجمالي الأراضي الزراعية، بقيت متاحة وغير متضررة حتى 24 يونيو/حزيران 2026.
أما الأراضي التي يمكن الوصول إليها لكنها تعرضت لأضرار، فتبلغ نحو 36 ألفًا و430 دونمًا، وهي تحتاج إلى إعادة تأهيل قبل أن تتمكن من استئناف الإنتاج، فيما تراجعت مساحة الأراضي الزراعية المتاحة وغير المتضررة بنسبة 25.5% مقارنة بأكتوبر/تشرين الأول 2025.
“الخط الأصفر” يضيّق مساحة الزراعة
ويشير الأغا إلى أن أكثر من 70% من الأراضي الزراعية أصبحت واقعة ضمن المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال فيما يعرف بـ”الخط الأصفر”، ما حرم المزارعين من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن أكثر من 70% من الأراضي الزراعية في غزة يتعذر الوصول إليها، وأن 3% فقط منها كانت صالحة للاستخدام في تقييمها الأخير، ما يعني أن الأزمة لا ترتبط بالدمار وحده، وإنما أيضًا بمنع الوصول إلى الأراضي التي بقيت قائمة.
ويقول الأغا إن الاحتلال يفرض كذلك قيودًا مشددة على إدخال مدخلات الإنتاج الزراعي، بما فيها الأسمدة والبذور والأشتال والمبيدات، وهو ما يعرقل قدرة المزارعين على استئناف العمل حتى في المناطق التي يمكن الوصول إليها.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن المزارعين في غزة يواجهون نقصًا حادًا في البذور والأسمدة ومعدات الري والوقود ومواد الإنتاج الأخرى، بالتزامن مع تقلص المساحات المتاحة للزراعة.
ويؤكد الأغا أن نقص مدخلات الإنتاج انعكس على أسعار المنتجات الزراعية، التي أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على المواد والمنتجات المستوردة، ما جعلها خارج قدرة شريحة واسعة من المواطنين.
4% فقط قابلة للزراعة
ولا تقتصر الخسائر على الأراضي المكشوفة، إذ طالت الأضرار الدفيئات الزراعية التي كانت تمثل مصدرًا أساسيًا للخضار في القطاع.
ويقول الأغا إن المساحات القابلة للوصول الآمن والزراعة، سواء من الأراضي المكشوفة أو الدفيئات، لا تتجاوز بصورة عامة 4% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع.
ويضيف أن العروة الزراعية الخريفية تعد حاليًا من أهم العروات، بسبب اعتمادها على موسم الأمطار، لكن المساحات التي ستتمكن من دخول هذه العروة وزراعتها لم تتضح بعد، في ظل القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي ونقص مستلزمات الإنتاج.
أما العروة الزراعية السابقة، فيوضح الأغا أن المساحة المزروعة خلالها لم تتجاوز نحو 3100 دونم، رغم الحاجة الكبيرة إلى الإنتاج الزراعي داخل القطاع.
ولا تنتهي مشاكل المزارعين عند نقص الأرض والمدخلات، إذ تواجه المحاصيل التي نجت من الحرب آفات زراعية يصعب التعامل معها بسبب نقص المبيدات.
ويشير الأغا إلى انتشار حشرة “التوتا أبسولوتا”، التي ألحقت أضرارًا بمحاصيل البندورة، في ظل عدم توفر المبيدات اللازمة لمكافحتها داخل قطاع غزة.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة، فإن استعادة الإنتاج الزراعي في غزة تحتاج إلى وصول آمن للمزارعين إلى أراضيهم، وإدخال مدخلات الإنتاج الأساسية، وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة، وهي شروط لا تزال بعيدة عن التحقق بصورة واسعة.
معادلة الغلاء
وبينما تعاني الزراعة من تراجع قدرتها على الإنتاج، تعتمد الأسواق على البضائع الداخلة عبر المعابر لتغطية الفجوة، ما يجعل أي إغلاق جديد سريع الانعكاس على الأسعار.
وفي الوقت ذاته، أشار المكتب الأممي إلى الحاجة إلى مساحات تخزين إضافية لحماية السلع القابلة للتلف، وهو ما يكشف جانبًا آخر من أزمة الإمدادات؛ فحتى عندما تصل السلع إلى القطاع، تبقى القدرة على تخزينها وحمايتها من التلف محدودة.
وهكذا تتقاطع أزمة المعابر مع أزمة الأسواق والزراعة في حلقة واحدة: إغلاق المعبر يقلل الواردات، وتضرر الأراضي يقلل الإنتاج المحلي، وارتفاع الأسعار يضعف القدرة على الشراء، وضعف حركة البيع يمنع التجار من تكوين مخزون، فيما يؤدي غياب وسائل التخزين المناسبة إلى خسارة جزء من السلع سريعة التلف.
ومع اتساع موسم الأعياد اليهودية خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، يخشى الغزيون أن تطول فترة الاضطراب في حركة المعابر، بما يفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار ونقص الأصناف، في سوق لم تستعد أصلًا قدرتها على العمل بصورة طبيعية.

