من الإدانة إلى العقوبات.. لماذا لا تزال خطوات الغرب دون مستوى محاسبة إسرائيل؟

المركز الفلسطيني للإعلام

دخلت العلاقة بين إسرائيل وعدد من حلفائها الغربيين مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى إجراءات اقتصادية تستهدف منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة دفعت تل أبيب إلى الرد بإجراءات دبلوماسية مباشرة ضد لندن.

وقالت وكالة رويترز إن 12 دولة أعلنت دعمها لإجراءات تستهدف التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، معتبرة أن الخطوة تمثل واحدة من أقوى الإجراءات الجماعية التي اتخذها حلفاء إسرائيل الغربيون ضد مشروع الاستيطان، وسط تصاعد الانتقادات الدولية للحرب على غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

عقوبات تتجاوز الإدانة

وتتصدر بريطانيا هذا التحرك، بعدما أعلنت حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب فرض قيود على بعض الخدمات المرتبطة بالمستوطنات.

وقالت وكالة أسوشيتد برس إن الحكومة البريطانية دافعت عن قرارها باعتباره موقفًا مرتبطًا بالعدالة والقانون الدولي، بينما اعتبر وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن استمرار الاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين يهددان فرص إقامة دولة فلسطينية.

وانضمت فرنسا وكندا إلى الخطوة البريطانية، فيما أعلنت دول أوروبية أخرى دعمها للتحرك أو استعدادها للنظر في إجراءات مماثلة.

وقالت صحيفة «لوموند» الفرنسية إن هذه الإجراءات تمثل تحولًا مهمًا، لأنها توسع نطاق العقوبات من استهداف أفراد وكيانات محددة إلى استهداف التجارة المرتبطة بالمستوطنات بصورة أوسع.

إسرائيل ترد على بريطانيا

ولم تنتظر إسرائيل طويلًا للرد، وقالت وكالة رويترز إن الحكومة الإسرائيلية أبلغت بريطانيا بضرورة إغلاق قنصليتها في القدس الشرقية خلال 30 يومًا، كما منعت 12 سياسيًا بريطانيًا من دخول إسرائيل، وأبلغت دبلوماسيين وموظفين بريطانيين بمغادرة مواقع مرتبطة بالتنسيق بشأن الضفة الغربية وغزة.

وأضافت الوكالة أن إسرائيل قررت أيضًا وقف مشاركة بريطانيا في برنامج لتدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

أما صحيفة «الغارديان»، فأشارت إلى أن الإجراءات الإسرائيلية جاءت كرد مباشر على العقوبات البريطانية الجديدة، وأنها عمّقت التدهور المتزايد في العلاقات بين لندن وتل أبيب.

لماذا الاستيطان الآن؟

لا تنفصل العقوبات الجديدة عن التطورات المتسارعة في الضفة الغربية.

وتشير تقارير دولية إلى ارتفاع وتيرة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، بالتزامن مع استمرار الحرب على غزة.

وقالت «لوموند» إن التحرك الغربي يأتي في سياق تصاعد المخاوف من أن يؤدي استمرار الاستيطان، خصوصًا المشاريع الاستيطانية الكبرى، إلى تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

كما أشارت الوكالة إلى مشروع E1 الاستيطاني في محيط القدس، باعتباره أحد الملفات التي أثارت اعتراضات أوروبية متكررة بسبب تأثيره المحتمل على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.

خطوة رمزية أم بداية ضغط حقيقي؟

ورغم أهمية القرار سياسيًا، فإن تأثيره الاقتصادي المباشر على إسرائيل قد يكون محدودًا.

وقالت رويترز إن صادرات المستوطنات تمثل جزءًا صغيرًا من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، ولذلك ينظر دبلوماسيون إلى العقوبات باعتبارها ذات أهمية سياسية ورمزية أكبر من تأثيرها التجاري المباشر.

لكن أهمية الخطوة تكمن في مكان آخر: الدول التي ظلت لسنوات من أقرب حلفاء إسرائيل بدأت تستخدم أدوات اقتصادية لمعاقبة مشروع الاستيطان بدل الاكتفاء بانتقاده سياسيًا.

وهنا تبرز نقطة التحول؛ فالمشكلة لم تعد في بيانات الإدانة التي تصدر عن العواصم الغربية، وإنما في انتقال بعضها إلى إجراءات يمكن أن تفرض كلفة فعلية على الجهات المرتبطة بالمستوطنات.

إسرائيل تخسر مساحة من الدعم الغربي؟

وترى «الغارديان» أن الإجراءات الجديدة تعكس اتساع الفجوة بين حكومة بنيامين نتنياهو وعدد من الحكومات الغربية، خصوصًا مع استمرار الحرب في غزة وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية.

وتشير رويترز إلى أن بريطانيا وفرنسا وكندا كانت من الدول التي اعترفت رسميًا بدولة فلسطين في عام 2025، كما سبق أن فرضت إجراءات على مستوطنين ووزراء إسرائيليين بسبب اتهامات مرتبطة بالتحريض على العنف ضد الفلسطينيين.

ويأتي ذلك بينما تواجه حكومة نتنياهو انتقادات دولية متزايدة، في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات عامة، ما يجعل أي أزمة مع حلفاء غربيين ملفًا سياسيًا داخليًا أيضًا.

واشنطن لا تلحق بالركب

وفي مقابل التحرك الأوروبي، بقي الموقف الأميركي أكثر تحفظًا.

وقالت رويترز إن السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي انتقد العقوبات البريطانية، فيما تجنب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو توجيه انتقاد مباشر للإجراءات، مكتفيًا بالقول إن واشنطن لا تريد أي خطوات من شأنها زعزعة الاستقرار في الضفة الغربية.

ويكشف هذا التباين عن فجوة متزايدة بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين في كيفية التعامل مع الحكومة الإسرائيلية وملف الاستيطان.

هل بدأ الغرب يغير قواعد العلاقة؟

حتى الآن، لا يمكن القول إن الغرب انتقل إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل. فالعقوبات التجارية محدودة، والعديد من الدول لا تزال تحافظ على علاقاتها الدبلوماسية والأمنية مع تل أبيب، لكن التطور اللافت هو تغير الأدوات المستخدمة.

فبدل أن تكتفي الحكومات الغربية بالقول إن الاستيطان غير قانوني ويقوض حل الدولتين، بدأت بعض الدول تستخدم التجارة والعقوبات والقيود على الشركات والأفراد المرتبطين بالمستوطنات.

وفي المقابل، جاء الرد الإسرائيلي سريعًا، وبلغ حد المساس بالعلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا وإغلاق قنصليتها في شرق القدس.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest